ظُلم المراسم والنياشين.. هل جاروا على سيّد الرواية العربية بمنحه جنازة رسمية وحرمانه من الوداع الشعبى كما يليق بحبيب البسطاء وصديق الشوارع والحارات؟.. والوداع الرسمى كان نوعا من التقدير من الدولة لمكانة الأديب
السبت، 30 أغسطس 2025 12:07 م
إذا سألت أى محب للروائى الكبير نجيب محفوظ عن اللقب الأقرب إليه من بين ألقابه، فالإجابة غالبا ستكون: «كاتب الحارة المصرية»، وليس «عميد الرواية العربية» أو «كاتب نوبل».
هذا اللقب هو الأقرب لطبيعة أديبنا الراحل البسيطة، المحبة للناس بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، البعيدة عن الرسميات أو الأضواء، فقد كان ابن الأحياء الشعبية، عاش لها واختار أن يكون المشهد الأخير فى حياته من شوارعها، لكن ما حدث كان عكس رغبته.
فى فجر الأربعاء 30 أغسطس 2006، رحل عن عالمنا الكاتب الكبير فى مستشفى الشرطة بالقاهرة بعد فترة قضاها هناك إثر تدهور حالته الصحية فى أيامه الأخيرة، وعلى الفور تناقلت وكالات الأنباء الدولية الخبر الحزين، وتصدر النبأ نشرات الإذاعات والتليفزيونات المصرية والعربية.
لقد رحل رمز الثقافة المصرية والعربية، وكانت الخسارة كبيرة ولا تعوّض.
مشهد النهاية.. بعد النبأ الحزين، كان الجميع يترقب مشهد النهاية فى حياة واحد من أبرز أدباء التاريخ العربى الحديث، والمفاجأة فى إقامة جنازتين له: الأولى شعبية، والثانية رسمية، آنذاك لم تكن الصورة واضحة، لكن كثيرا من الكواليس كُشف لاحقا.
كما هو متوقع، أوصى نجيب محفوظ زوجته بأن يُشيَّع جثمانه من مسجد الحسين بالقاهرة، محاطا بأهل الحى البسطاء الذين طالما ألهموه فأنتج أدبه ورسم شخصيات وأبطال رواياته عنهم ولهم لكن المفاجأة كانت فى الطلب الحكومى بإقامة جنازة رسمية للراحل العظيم، بحسب ما أكد الكاتب الكبير محمد سلماوى، وأوضح سلماوى أن الأديب العالمى حظى بجنازتين، كونه حاصلا على قلادة النيل، فيحق له جنازة عسكرية رسمية بحضور رئيس الجمهورية.
وفى كتابه «نجيب محفوظ.. المحطة الأخيرة»، أشار سلماوى إلى أنه أبلغ السيدة «عطية الله» زوجة نجيب محفوظ بأن جنازة عسكرية ستقام له من مسجد آل رشدان بحضور الرئيس، فإذا بها تقول: «كان يود أن يُصلَّى عليه فى الحسين». فرد سلماوى بلا تردد: «إذن سنصلى عليه فى الحسين أولا»، ثم أبلغ الجهات الرسمية بذلك، لتُجرى الصلاة أولا فى جامع الحسين حسب رغبته، ثم يتوجه الجثمان إلى مسجد آل رشدان لإقامة الجنازة العسكرية.
هذه الترتيبات - كما يوضح سلماوى - تفسر لدى كثيرين الغياب الشعبى عن جنازة نجيب محفوظ. فقد رأى بنفسه مواطنين من بعيد يحملون لافتات لتوديع الأديب العالمى، منها: «محفوظ دائما فى القلب.. يا ابن مصر المحبوب»، وأخرى: «إلى جنة الخلد يا ابن حارتنا».
الغياب الشعبى والوداع الرسمى.. الكاتب سعيد سالم، فى كتابه «نجيب محفوظ الإنسان»، أشار إلى أن جنازة الأديب الكبير شهدت غيابا شعبيا لافتا، حيث لم يحضر صلاة الجنازة عليه فى مسجد الإمام الحسين - حسب وصيته - سوى نحو 200 شخص فقط.
وأضاف سالم أن بعض المشاركين فى الجنازة أرجعوا ضعف الحضور الشعبى إلى السرعة التى نُظمت بها مراسم التشييع، ومنهم من قال إنه ليس من المعقول أن تُقام جنازة فى العاشرة صباحا بحى يسهر أهله حتى الفجر».
أما الروائى الراحل إبراهيم أصلان، فقد عزَا قلة المشاركة الشعبية إلى إقامة الجنازة فى وقت مبكر جدا صباح الخميس، إضافة إلى عدم معرفة محبى نجيب محفوظ الكُثر بتوقيت ومسار الجنازة. وتابع قائلا: «كنت أتوقع، بعد إجراءات الجنازة الرسمية، أن تُتاح للجماهير المشاركة فى جنازة تمتد عبر أحد الشوارع الرئيسية فى العاصمة مثل شارع رمسيس».
رغم أن الوداع الرسمى كان نوعا من التقدير من الدولة لمكانة الأديب الراحل، بحضور أبرز المسؤولين وعلى رأسهم رئيس الجمهورية، فإن الوداع الشعبى يظل أكثر صدقا ورمزية، لأنه كان الأقرب لما أحبّه نجيب محفوظ طوال حياته، فقد عاش للبسطاء، وبينهم، وكتب عنهم، حتى آخر يوم فى عمره.