الثغرة القاتلة.. «العملاء والجواسيس» أدوات أمريكية لاختراق الدوائر الضيقة للرؤساء والتدخل في الدول
الأحد، 11 يناير 2026 01:22 م
عملية استخباراتية مركبة داخل كاراكاس تنتهي باعتقال رئيس فنزويلا دون إعلان حرب تعيد للأذهان تدخلات واشنطن في أمريكا اللاتينية
بنما دشّنت أول نموذج علني لإسقاط رئيس دولة بالقوة.. وصدام حسين أسقط بالقوة العسكرية لإعادت رسم الشرق الأوسط
لم تعد عمليات إسقاط الرؤساء والزعماء في العالم الحديث تتم عبر الانقلابات العسكرية التقليدية أو الغزو المباشر فقط، بل باتت الاستخبارات والعمل السري هما الأداة الأكثر حضورًا في إعادة تشكيل خريطة السلطة الدولية.
وعلى مدار العقود الماضية، تكشف تقارير دولية ووثائق رُفعت عنها السرية، إلى جانب اعترافات صريحة أو غير مباشرة من البيت الأبيض، أن الولايات المتحدة اعتمدت بشكل واسع على شبكات العملاء والمخبرين، والحروب النفسية والاقتصادية، لتنفيذ عمليات معقدة أطاحت بزعماء، أو حيّدتهم، أو أنهت أدوارهم بالكامل.
هذا النمط لم يكن استثناءً، بل سياسة ممتدة من أمريكا اللاتينية إلى الشرق الأوسط، حيث تتشابه الأدوات وتختلف النتائج، لكن يبقى العنصر المشترك هو الدور الخفي الذي لعبه عملاء محليون أو اختراقات استخباراتية دقيقة مهدت الطريق لكل عملية.
نيكولاس مادورو.. إسقاط بلا دبابة
نفذت الولايات المتحدة مع بداية العام الجديد، عملية عسكرية واستخباراتية معقّدة، انتهت، باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، وترحيلهما إلى الولايات المتحدة تمهيدًا لمحاكمتهما.
ووفقًا لما أوردته تقارير نُسبت إلى صحف أمريكية وبريطانية، من بينها نيويورك تايمز وهيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، فإن العملية التي أُطلق عليها اسم «عملية العزم المطلق» جاءت تتويجًا لأشهر من العمل الاستخباراتي السري داخل فنزويلا، شاركت فيه وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) ووحدات نخبوية من القوات الخاصة.
بحسب الروايات المتداولة، بدأت ملامح العملية في أغسطس الماضي، عندما تسلل فريق صغير من ضباط الاستخبارات الأمريكية إلى العاصمة كاراكاس، دون غطاء دبلوماسي، في ظل إغلاق السفارة الأمريكية هناك، وتشير التقارير إلى أن الفريق عمل على جمع معلومات دقيقة عن تحركات مادورو اليومية، وأماكن إقامته، ودائرته المقربة، مستعينًا بمصدر بشري من داخل محيطه، إلى جانب تقنيات مراقبة متقدمة، من بينها طائرات مسيّرة منخفضة الرصد.
وتقول هذه التقارير إن المعلومات التي جُمعت لم تقتصر على الجوانب الأمنية فقط، بل امتدت إلى تفاصيل دقيقة تتعلق بنمط حياة الرئيس الفنزويلي، في محاولة لرسم "خريطة كاملة" لتحركاته وسلوكه اليومي، بما يسمح بتنفيذ عملية خاطفة بأقل خسائر ممكنة.
لحظة التنفيذ… وسيناريو المداهمة
وبحسب ما تداولته الصحف الغربية، فإن الخطة العسكرية وُضعت بعناية شديدة، شملت تدريبات مسبقة لقوات أمريكية خاصة على نموذج يحاكي مقر إقامة مادورو داخل مجمع «فورت تيونا» العسكري شديد التحصين في كاراكاس، فيما تشير الروايات إلى أن سوء الأحوال الجوية حال دون تنفيذ العملية في توقيت سابق، قبل أن يُعطى الضوء الأخضر مع تحسن الطقس، وتذكر التقارير أن العملية نُفذت فجر يوم السبت 3 يناير 2026، في هجوم مباغت شاركت فيه قوات خاصة أمريكية، عبر تحرك متزامن جوًا وبرًا، استمر لساعات محدودة، وانتهى بالسيطرة على موقع إقامة الرئيس الفنزويلي ونقله خارج البلاد دون اشتباكات واسعة.
وتعد عملية فنزويلا من أكثر العمليات الأمريكية تعقيدا في التاريخ الحديث، فقد جاء التحرك على نحو مفاجئ، وأكدت مصادر أمريكية عدة، أن التخطيط لها استغرق فترة من الوقت وشمل تدريبات مفصلة، الا أن تمكنت قوات النخبة الأمريكية، بما في ذلك قوة دلتا التابعة للجيش، من إنشاء نسخة طبق الأصل من منزل مادورو وتدربت على كيفية اقتحام هذا المبنى الشديد التحصين.
وقالت المصادر نفسها للإعلام الأمريكي، إن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي.آي.إيه) نشرت فريقا صغيرا على الأرض في أغسطس 2025، وتمكن هذا الفريق من جمع معلومات عن نمط حياة مادورو مما جعل عملية إلقاء القبض عليه تمر بسلاسة، كما نقلت وكالة "رويترز" عن مصدران أن وكالة المخابرات كان لديها أيضا عميل مقرب من مادورو مكلف بمراقبة تحركاته، وكان مستعدا لتحديد موقعه بدقة مع تطور مجريات العملية. وبعد اكتمال جميع الترتيبات اللازمة، أعطى ترامب الضوء الأخضر للبدء في العملية قبل أربعة أيام لكن المسؤولين عن التخطيط العسكري والمخابراتي اقترحوا عليه التمهل لحين تحسن أوضاع الطقس وانحسار السحب، وفي الساعات الأولى من صباح السبت 3 يناير، بدأت مهمة القبض على مادورو. وتابع ترامب، محاطا بعدد من المستشارين في منتجع مارالاجو في بالم بيتش بولاية فلوريدا، بثا مباشرا للعملية، وقال ترامب على قناة فوكس نيوز بعد ساعات قليلة من إتمام المهمة "أتممت عددا من المهام الجيدة، لكنني لم أرَ شيئا كهذا من قبل".
وقال دان كاين، رئيس أركان الجيش الأمريكي، إن أجهزة الاستخبارات أرادت "فهم كيفية تحركه، أين يعيش، إلى أين يسافر، ما يأكله، ما يرتديه، ما حيواناته الأليفة التي يربيها".
وقبل العملية، أشرفت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) على حشد عسكري ضخم في منطقة البحر الكاريبي، حيث أرسلت حاملة طائرات و11 سفينة حربية وأكثر من 12 طائرة من طراز إف-35، وبلغ إجمالي عدد القوات المنتشرة في المنطقة أكثر من15 ألف جندي، في إطار ما يقول مسؤولون أمريكيون منذ فترة طويلة إنها عمليات لمكافحة المخدرات، ونقل الإعلام الأمريكي عن المصادر قولها إن ستيفن ميلر، نائب كبير موظفي البيت الأبيض، ووزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيجسيث ومدير وكالة المخابرات المركزية جون راتكليف شكلوا فريقا أساسيا للعمل على هذه القضية لشهور، من خلال عقد اجتماعات والتواصل هاتفيا بصورة منتظمة بل يومية أحيانا، كما التقوا مع ترامب من حين لآخر.
وصورت إدارة ترامب عملية اعتقال مادورو من قلب بلده، أو "اختطافه" كما يسميها البعض، على أنها عملية إنفاذ قانون تستند إلى لوائح اتهام أمريكية، مع الترويج لرواية افتقاده للشرعية كرئيس لفنزويلا نتيجة انتخابات "تم التلاعب في نتيجتها" عام 2018، بحسب موقع أكسيوس الإخباري، وفي مقال نشره الموقع، سرد 6 أسباب رئيسية دفعت الولايات المتحدة إلى السعي للإطاحة بالرئيس الفنزويلي، أبرزها أنه العدو رقم 1 في الأمريكتين فقد كان مادورو مصدرا للمشكلات التي امتدت إلى ما هو أبعد من فنزويلا. واعتبره المسؤولون شخصا سيئا ساعد في دعم أشخاص سيئين آخرين في نصف الكرة الغربي، حيث تنظر إدارة ترامب إلى فنزويلا، وكذلك كوبا ونيكاراجوا، على أنها جهات فاعلة رئيسية في "محور الاشتراكية"، مع وضع كولومبيا أيضا تحت المجهر، حيث حذر ترامب الشهر الماضي من أن الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو يحتاج إلى "الحذر" بشأن تدفق الكوكايين إلى الولايات المتحدة، ولم تخف الإدارة الأمريكية، أن خلافها مع نظام مادورو الاشتراكي كان يتعلق بالأيديولوجية بقدر ما يتعلق بالمخدرات.
السبب الثانى، تهريب الكوكايين، حيث تزعم الولايات المتحدة أن فنزويلا متورطة في تهريب المخدرات من خلال دعم الدولة لعصابات مشهورة. كما اتهم ترامب مادورو بإرسال أعضاء من هذه الجماعات عمدا إلى الولايات المتحدة، ورأت الاستخبارات الأمريكية العام الماضي في مذكرة سرية، بحسب أكسيوس، أن مادورو لم يكن يسيطر فعليا على بعض هذه الجماعات، وهو ما أثار غضب بعض المسؤولين في إدارة ترامب، لكن ذلك لم يحل دون توجيه لائحة اتهام ضد مادورو تورد بالتفصيل صلاته المزعومة بتهريب المخدرات، واتخذت واشنطن من التصدي لـ "تهريب المخدرات" ذريعة لتوجيه سلسلة ضربات لقوارب في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ بدعوى الاشتباه في أنها تنقل المخدرات خلال الأشهر القليلة الماضية.
السبب الثالث يتمثل في النفط، بعدما زعم ترامب أن فنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي معروف في العالم، "سرقت" نفط الولايات المتحدة، مستشهدا بمصادرة المعدات عقب تأميم النفط الفنزويلي، وقال ترامب السبت بعد اعتقال مادورو إن الولايات المتحدة ستعيد البنية التحتية النفطية الفنزويلية وتعوض الشركات الأميركية التي خسرت في عمليات المصادرة.
ويضاف لذلك سبب رابع وهو الهجرة، بعدما أدى الانهيار الاقتصادي والقمع في ظل نظام مادورو إلى نزوح جماعي، حيث فر 8 ملايين فنزويلي على مدى عقد من الزمن، وهي "أكبر موجة هجرة جماعية في التاريخ الحديث لهذا النصف من الكرة الأرضية"، وفقا لمجلس الأطلسي، وهو ما صدر مشكلة للولايات المتحدة، خاصة عندما عاد الرئيس ترامب إلى منصبه في عام 2025، وكان الحد من تدفق المهاجرين إلى الولايات المتحدة، إحدى الركائز الرئيسية لبرنامجه الانتخابي.
أما السبب الخامس فيتمثل في الذهب، وترى الولايات المتحدة أن احتياطيات فنزويلا الهائلة من الذهب ساعدت البلاد على الصمود أمام الضغوط الأميركية على مدى سنوات عديدة، عبر استخدامها لشراء الأسلحة أو الوقود أو توفير النقد.
السبب الأخير من وجهة النظر الأمريكية، هو أصدقاء مادورو الأجانب، ففنزويلا متحالفة مع العديد من أعداء الولايات المتحدة، ووصف بعض مؤيدي ترامب اعتقال مادورو بأنه تحذير لـ"القوى البعيدة" بالابتعاد عن نصف الكرة الغربي، وتعد الصين أكبر مشتر للنفط الفنزويلي، وقد نددت بالتدخلات الأمريكية في فنزويلا، كما تقف إيران وذراعها حزب الله اللبناني متحالفين مع فنزويلا تحت شعار "محور الوحدة" القائم على معارضة السياسة الخارجية الأمريكية، كما تربط روسيا وفنزويلا أيضا شراكة طويلة الأمد.
وفجّرت التقارير المتداولة موجة جدل قانوني حاد، حيث نقلت صحف بريطانية، من بينها الجارديان، آراء خبراء في القانون الدولي اعتبروا أن أي عملية عسكرية داخل أراضي دولة ذات سيادة، دون تفويض من مجلس الأمن، تمثل انتهاكًا صريحًا لميثاق الأمم المتحدة، ونقلت الصحيفة عن قانونيين دوليين قولهم إن ما جرى – وفق الرواية الأمريكية – يندرج تحت «جريمة عدوان»، ويعيد إلى الأذهان تدخلات أمريكية سابقة في أمريكا اللاتينية، لطالما أثارت انقسامات حادة داخل المجتمع الدولي.
مانويل نورييجا… أول اختبار علني لإسقاط رئيس بالقوة
وقبل عقود من عمليات "الضربات الذكية" والحروب الخاطفة، كانت بنما مسرحًا لأول نموذج واضح لتدخل أمريكي مباشر يطيح برئيس دولة ذات سيادة، في عملية اعترفت بها واشنطن رسميًا لاحقًا، ففي ديسمبر 1989، أطلقت الولايات المتحدة عملية عسكرية واسعة النطاق حملت اسم "لقضية العادلة"، استهدفت الإطاحة بالجنرال مانويل نورييجا، الحاكم الفعلي لبنما آنذاك.
نورييجا لم يكن عدوًا تقليديًا لواشنطن، بل كان - وفق وثائق أمريكية أُفرج عنها لاحقًا – أحد عملاء وكالة الاستخبارات المركزية لسنوات طويلة، وشارك في تسهيل عمليات أمريكية في أمريكا اللاتينية خلال الحرب الباردة، إلا أن العلاقة انقلبت تدريجيًا مع تصاعد اتهامات أمريكية له بالضلوع في تهريب المخدرات، ورفضه الانصياع الكامل للتوجيهات السياسية الأمريكية، خصوصًا فيما يتعلق بقناة بنما.
العملية العسكرية الأمريكية شارك فيها أكثر من 27 ألف جندي، واستُخدمت فيها قوة نارية غير مسبوقة قياسًا بحجم الدولة المستهدفة، وخلال أيام، سقطت المؤسسات العسكرية البنمية، وفرّ نورييجا قبل أن يتحصن داخل مقر السفارة البابوية في بنما سيتي.
بعد حصار نفسي وإعلامي استمر أيامًا، سلّم نورييجا نفسه للقوات الأمريكية، ليُنقل إلى ميامي، حيث خضع لمحاكمة بتهم تهريب المخدرات وغسيل الأموال، في سابقة فتحت الباب أمام جدل قانوني واسع: هل يجوز لدولة أن تختطف رئيس دولة أخرى وتحاكمه على أراضيها؟.
من جانبها الولايات المتحدة لم تنفِ العملية، بل قدّمتها بوصفها نموذجًا "ناجحًا" لتغيير السلوك السياسي بالقوة، وهو النموذج الذي سيعود لاحقًا بأشكال أكثر تعقيدًا.
صدام حسين… إطاحة ثم تصفية
إذا كانت بنما تجربة محدودة النطاق، فإن العراق شكّل الذروة الكاملة لنموذج إسقاط الزعماء، سياسيًا وعسكريًا ونفسيًا، فالعلاقة بين الولايات المتحدة وصدام حسين مرت بمراحل متناقضة، من التنسيق غير المباشر خلال الحرب العراقية الإيرانية، إلى العداء الصريح بعد غزو الكويت عام 1990.
بعد حرب الخليج الثانية، دخل العراق مرحلة صعبة عبر العقوبات الاقتصادية الصارمة، والحصار الطويل، والضربات الجوية المتقطعة، في سياق سعت فيه واشنطن – بحسب وثائق لاحقة – إلى إنهاك النظام من الداخل دون إسقاطه مباشرة.
لكن هجمات 11 سبتمبر 2001 غيّرت المعادلة، ففي 2003، أطلقت الولايات المتحدة عملية "حرية العراق"، مبررة الغزو بامتلاك بغداد أسلحة دمار شامل، وهي الذريعة التي اعترفت واشنطن لاحقًا بعدم صحتها، وخلال أسابيع، سقطت بغداد، وتفكك الجيش العراقي، واختفى صدام حسين عن الأنظار.
جرى القبض على صدام في ديسمبر 2003، داخل حفرة قرب تكريت، ولاحقًا، جرت محاكمته أمام محكمة عراقية خاصة، تحت إشراف غير مباشر من الاحتلال الأمريكي، وانتهت بإعدامه عام 2006، في مشهد انقسم العالم حول شرعيته، لكنه رسّخ نموذج "الإطاحة الكاملة" من الحكم إلى التصفية السياسية.
قاسم سليماني… الاغتيال المعلن واعتراف البيت الأبيض
في يناير 2020، دخلت الولايات المتحدة مرحلة جديدة من التعامل مع خصومها، عندما نفذت ضربة جوية بطائرة مسيّرة قرب مطار بغداد، أسفرت عن مقتل قاسم سليماني، قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني، وأحد أبرز العقول العسكرية في الشرق الأوسط.
هذه المرة، لم تنفِ واشنطن العملية، بل أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صراحة، معتبرًا أن سليماني كان "يخطط لهجمات وشيكة" ضد مصالح أمريكية، ومثلت الضربة تحولًا جذريًا، إذ كان ينظر إلى "سليماني" كأحد أهم صناع القرار في السياسة الإقليمية الإيرانية.
العملية كشفت تطورًا لافتًا في أدوات الاستهداف، عبر معلومات استخباراتية دقيقة، وتتبع تحركات لحظي، وتنفيذ خاطف بلا إعلان حرب، كما فتحت بابًا واسعًا للجدل حول شرعية الاغتيالات السياسية العابرة للحدود، خاصة عندما يكون المستهدف مسؤولًا رسميًا في دولة ذات سيادة.
وفي يوليو 2020 أعلنت السلطات الإيرانية تنفيذ حكم الإعدام، لمحمود موسوي مجد الذى اتهمته بالتجسس والمساعدة في إفشاء وتحديد موقع قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني، واعتبرت السلطات القضائية الإيرانية أن تنفيذ حكم الإعدام بحق محمود موسوي مجد "أغلق قضية خيانته لبلده".
واتهمته السلطات الإيرانية بالارتباط بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية والموساد الإسرائيلي، والذي زودها بمعلومات استخبارية عن الأجهزة الأمنية الإيرانية، وخاصة القوات المسلحة بما في ذلك الحرس الثوري الإيراني.
وكان موسوى مجد، عنصرا مقربا من فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، وقالت السلطات القضائية أنه كان له دور رئيسي في الوشاية بمكان وتحركات قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني، وأماكن إقامته خلال عامين.
أسامة بن لادن.. نموذج صار مرجعًا
قبل كل هذه العمليات، كان مقتل أسامة بن لادن في مايو 2011 بمثابة النموذج المرجعي الذي استندت إليه واشنطن لاحقًا في تبرير عملياتها الخاصة، ففي عملية "رمح نبتون"، اقتحمت قوة من البحرية الأمريكية منزلًا في أبوت آباد بباكستان، دون إخطار السلطات الباكستانية مسبقًا، وقتلت زعيم تنظيم القاعدة.
البيت الأبيض أعلن العملية بالتفصيل، واعتبرها "عدالة متأخرة" لضحايا 11 سبتمبر، لكنها في الوقت ذاته رسّخت مبدأً بالغ الخطورة في العلاقات الدولية وهو حق دولة في تنفيذ عملية عسكرية داخل دولة أخرى دون موافقتها، إذا رأت أن أمنها القومي مهدد.
حسن نصر الله… حرب الظل والاستخبارات الطويلة
في سبتمبر من العام 2024، تمكنت إسرائيل من الوصول إلى الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، وجرى اغتياله بعد ما أسمته بوصول "معلومات ذهبية" عن مكانه، وقالت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، إن الاستخبارات الإسرائيلية لم تعرف مكان الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، حتى قبل ساعات من تنفيذ عملية الاغتيال مساء الجمعة.
وأضافت أن حسن نصر الله وقادة آخرين في الحزب كانوا موجودين في مخبأ على عمق 60 قدماً (نحو 20 متراً) تحت الأرض في الضاحية الجنوبية لبيروت وقت القصف الإسرائيلي.
وليس من الواضح ما هو مصدر المعلومات التي حصلت عليها إسرائيل، سواء أكانت بشرية (جواسيس) أو تقنية نتيجة اختراق شبكات الاتصال، لكن حصلت العملية على الضوء الأخضر من رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وقت تصادف وجوده في نيويورك، للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
قبلها تقارير أمريكية وإسرائيلية متطابقة أشارت إلى أن واشنطن وتل أبيب اعتبرتا "نصر الله" هدفًا استراتيجيًا عالي القيمة منذ مطلع الألفية، باعتباره قائدًا عسكريًا وعقل سياسي نجح في فرض معادلة ردع غير مسبوقة على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية.
بحسب ما ورد في تقارير لصحف مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست، فإن أجهزة استخبارات غربية عملت لسنوات على اختراق الدوائر المحيطة بقيادة حزب الله، عبر شبكات عملاء، ومراقبة اتصالات، وتتبع تحركات لوجستية ومالية.
إسماعيل هنية.. اغتيال محسوب في ساحة معقّدة
في حالة إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، يختلف نمط الاستهداف عن نماذج إسقاط رؤساء الدول، إذ لا تتعامل الولايات المتحدة مع الحركة بوصفها دولة ذات سيادة، بل تنظيماً مسلحاً عابراً للحدود، وهو توصيف يفتح المجال – من وجهة النظر الأمريكية والإسرائيلية – لاستخدام أدوات استخباراتية وعسكرية مختلفة، تتجاوز القيود التقليدية للقانون الدولي المرتبط باستهداف رؤساء الدول.
ووفق تقارير غربية وإسرائيلية متطابقة، لعبت الولايات المتحدة دوراً استخباراتياً داعماً في تتبع تحركات قيادات الصف الأول في حركة حماس خلال الأشهر التي أعقبت اندلاع الحرب على غزة، خاصة بعد تنقل بعضهم بين عواصم إقليمية ودولية، من بينها الدوحة، أنقرة، موسكو، وطهران.
وتشير هذه التقارير إلى أن قرار تصفية هنية اتُخذ في سياق استراتيجية أوسع لاستهداف القيادة السياسية للحركة خارج قطاع غزة، مع مراعاة تعقيدات المشهد الدبلوماسي المحيط بمواقع تواجده.
وبحسب ما نشرته وسائل إعلام إسرائيلية، فإن وجود هنية في العاصمة القطرية الدوحة استبعد مبكراً من سيناريوهات التنفيذ، خشية أن يؤدي أي استهداف هناك إلى نسف مسار الوساطة بشأن ملف المحتجزين الإسرائيليين، وهو الملف الذي كانت واشنطن نفسها حريصة على إبقائه مفتوحاً، كما جرى استبعاد تركيا وروسيا كخيارين محتملين، نظراً لحساسية العلاقة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وكذلك تجنباً لأي تصعيد مباشر مع موسكو في ظل التوترات الدولية القائمة.
في هذا السياق، برزت طهران – وفق توصيف التقارير – باعتبارها «الخيار الأكثر ملاءمة» من منظور إسرائيلي، رغم ما يحمله ذلك من مخاطر، إذ تذكر صحيفة تايمز أوف إسرائيل أن الخطة الأولى كانت تنفيذ العملية أثناء وجود هنية في إيران للمشاركة في جنازة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في مايو 2024، إلا أن اعتبارات أمنية ولوجستية حالت دون التنفيذ في ذلك التوقيت.
الفرصة الثانية جاءت بعد أكثر من شهرين، مع عودة هنية إلى طهران لحضور مراسم تنصيب الرئيس الإيراني الجديد مسعود بزشكيان في 31 يوليو 2024. ووفق ما بثته القناة 12 الإسرائيلية، ناقش صانعو القرار توقيت التنفيذ بدقة شديدة، حيث تقرر تأجيل العملية إلى ما بعد انتهاء مراسم التنصيب الرسمية، في محاولة لتقليل الإحراج السياسي لطهران وتفادي تداعيات دبلوماسية فورية.
وتشير الرواية الإسرائيلية إلى أن فريقاً استخباراتياً تمكن من زرع عبوة ناسفة داخل غرفة إقامة هنية، بالقرب من سريره، بآلية تفجير دقيقة، ورغم أن حجم المتفجرات كان – بحسب القناة – أكبر قليلاً من المخطط له، إلا أنه صُمم ليكون كافياً لضمان مقتل الهدف دون إحداث أضرار واسعة في الغرف المجاورة.
وتضيف القناة أن العملية واجهت لحظة توتر حرجة قبيل التنفيذ، بعدما اضطر هنية إلى مغادرة غرفته مؤقتاً بسبب تعطل جهاز التكييف، ما أثار مخاوف لدى منفذي العملية من احتمال نقله إلى غرفة أخرى، وهو ما كان كفيلاً بإفشال الخطة بالكامل، إلا أن عودته إلى الغرفة قرابة الساعة الواحدة والنصف فجراً أعادت العملية إلى مسارها.
اختراق الدوائر الضيقة
عند جمع هذه الحالات معًا، من نورييجا إلى صدام، ومن بن لادن إلى سليماني، يتضح أن الولايات المتحدة لم تعتمد نموذجًا واحدًا لإسقاط خصومها، بل طوّرت عقيدة مرنة تجمع بين العملاء والمصادر البشرية داخل الدوائر الضيقة، والتفوق التكنولوجي في المراقبة والاستهداف، وتوظيف القانون والإعلام بعد التنفيذ، لا قبله.
واللافت أن البيت الأبيض، على عكس ما كان عليه الحال خلال الحرب الباردة، لم يعد ينفي هذه العمليات، بل بات يعترف بها ويبررها علنًا، معتبرًا أن الشفافية الجزئية تخدم الردع، وتوجه رسائل مباشرة إلى خصوم محتملين.
ما تكشفه هذه الوقائع، وفق ما ورد في التقارير الدولية، أن "الجاسوس" أصبح فاعلًا مركزيًا في إسقاط أنظمة، وتغيير توازنات، وإعادة رسم خرائط نفوذ.
من غرف النوم في كاراكاس، إلى الحفر في تكريت، ومن سماء بغداد إلى شوارع بنما، تتكرر القاعدة ذاتها: المعلومات تسبق الطائرات، والعملاء يفتحون الأبواب قبل الجنود.
وفي عالم ما بعد 11 سبتمبر، لم تعد واشنطن تنتظر الحروب الطويلة لإسقاط خصومها، بل باتت تفضّل العمليات السريعة، المحدودة، عالية التأثير، حتى لو أثارت جدلًا قانونيًا وأخلاقيًا واسعًا.