الخشت يكشف كواليس كتابه الأبرز: الفوضى بعد 2011 جعلتني أبحث عن "أسس بناء الدولة الحديثة"
الأربعاء، 14 يناير 2026 11:19 م
رئيس جامعة القاهرة السابق: منهج الإمام مالك "تواتر عملي" أصدق من الروايات الظنية الثبوت.. وأزمة العالم العربي ليست في الدين بل في طريقة تعليمه وفهمه وتوظيفه
في حواره ضمن الجزء الثاني من بودكاست «كلام في الثقافة» على القناة الوثائقية، قدم الدكتور محمد عثمان الخشت، المفكر العربي ورئيس جامعة القاهرة السابق، وعضو المجلس العلمي الأعلى لجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، شاملة مزج فيها بين الرؤية الفكرية العميقة والذكريات الشخصية الدقيقة، كاشفاً عن مواقف شكلت وعيه منذ كان طالباً، ورؤيته لإصلاح العقل الديني والتعليمي في العالم العربي.
وأوضح الخشت أن مصطلح «الإسلام المنسي» الذي يطرحه لا يعني إسلامًا جديدًا، بل العودة إلى الإسلام في صورته النقية الأولى، أي القرآن الكريم والسنة المتواترة الثابتة ثبوتًا يقينيًا، بعيدًا عن التأثيرات التي تسللت إلى الفقه والتفسير عبر الإسرائيليات أو التأثيرات الفارسية والمسيحية القديمة.
ورفض الدكتور محمد الخشت، أكذوبة القطيعة الكاملة مع التراث التي روج لها البعض، مؤكدًا أنه حقق ونشر 24 كتابًا تراثيًا في كبرى دور النشر في الثمانينيات من القرن الماضي ، لكنه في الوقت ذاته يميز بين "الغث والسمين" وما يصلح للاستمرار وما ارتبط بسياقه التاريخي ولا يمكن استعادته لعصرنا الحالي، موضحًا أن المشكلة تكمن في تقديس الأشخاص والمذاهب وتحويلها إلى مرجعيات مغلقة، بدل التعامل معها باعتبارها اجتهادات بشرية.
وفي سياق حديثه عن التعامل مع التراث، ضرب الخشت مثالاً بمنهج الإمام مالك الذي يطبق "عمل أهل المدينة"، موضحاً إعجابه الشديد بهذا المنهج؛ لأن عمل أهل المدينة يمثل "تواتراً عملياً" نقل طريقة أداء العبادات (كالصلاة والحج) والمعاملات النبوية جيلاً عن جيل، وهو ما يعتبره أصدق من الروايات الفردية (أحاديث الآحاد). وأكد أن مهمة العقل المعاصر هي الانتقاء الواعي لا الرفض الشامل ولا القبول الأعمى، مؤكدًا أن مشروعه الفكري الأبرز لتأسيس خطاب ديني جديد، لا يدعو إلى إنشاء دين جديد، بل إلى تأسيس عقل ديني جديد قادر على التعامل مع أسئلة العصر وتحدياته بآليات عقلانية وعلمية.
وأوضح الخشت، أن تجديد الخطاب الديني لم يعد كافيًا، لأن التحديات المعاصرة تتطلب تأسيسًا معرفيًا جديدًا، مشددًا على أن الرد على التحديات الجديدة بإجابات قديمة يؤدي إلى الفشل، وهو ما وقعت فيه الجماعات الأصولوية، مؤكداً أن الأحاديث الظنية الثبوت لا يتم رفضها مطلقًا، وإنما تخضع لمعيارين أساسيين: عدم تعارضها مع النص القرآني الصريح، واتساقها مع المقاصد الكلية للشريعة، وعلى رأسها حفظ العقل والنفس والمال والعرض والمساواة والعدل وتعمير الأرض.
وفي حديثه عن كتابه «فلسفة المواطنة وأسس بناء الدولة الحديثة»، كشف الدكتور محمد الخشت، أن دافعه الأساسي لكتابته كان صدمته من غياب مفهوم الدولة لدى قطاعات واسعة من المجتمع بعد عام 2011، حيث طغى الحديث عن الحقوق دون الالتفات إلى الواجبات، كما ان مفهوم الدولة الدستورية غاب في عامي 2012- 2013، مؤكدًا أن الدولة الوطنية لا تتعارض مع الدين، لأن الإسلام لم يفرض نموذجًا محددًا للحكم، بل وضع مبادئ عامة مثل العدالة والإنصاف والأمانة وإعمال القانون على الجميع والفصل بين السلطات. وأوضح أن الانتماء للوطن قيمة دينية وإنسانية راسخة، مستشهدًا بحب النبي لمكة.
وفي ملف التعليم، شدد الدكتور محمد الخشت على أن التحدي الحقيقي في تطوير التعليم ليس نقص الأفكار، بل الآلة الذهنية التي تنتج هذه الأفكار، مؤكدًا أن الإصلاح يبدأ من تغيير طريقة التفكير وبناء عقل نقدي قادر على الإبداع. وهو ما حاول تطبيقه خلال رئاسته لجامعة القاهرة عبر تغيير المناهج التعليمية وادخال مقررات جديدة بهدف تخريج أجيال لا تعتمد على الحفظ والتلقين، بل تملك أدوات النقد والتحليل.
وفي لفتة طريفة وردا على سؤال للإعلامي د محمد عبده بدوي، عن ذكرياته في كلية الآداب، استعاد الخشت موقفاً لا ينسى مع أستاذه الدكتور شمس الدين حجاجي، المتخصص في الأدب العربي، ذكر الخشت أن الدكتور حجاجي سأل طلاب السنة الاولى عن المغزى الذي أراده توفيق الحكيم من روايته "يوميات نائب في الأرياف"، فلم يجبه أحد بالإجابة التي ينتظرها، حتى وقف الخشت (الطالب في السنة الأولى آنذاك) وقال: "يريد أن يقول: التغيير أو الضياع"، مشيراً إلى أن الرواية تصور حالة الصراع بين القانون والأعراف في الريف. هنا نظر إليه الدكتور حجاجي وقال له جملته التي تحققت لاحقاً: "أنت ستصبح معيداً بالكلية".