دبلوماسيون: الإسهام الثقافي بات جزءًا أصيلًا من مهام الدبلوماسي المعاصر
الثلاثاء، 27 يناير 2026 09:04 ص
أ ش أ
قال دبلوماسيون إن الكتابة تمثل امتدادًا طبيعيًا للعمل الدبلوماسي وأداة رئيسية للتواصل مع الشعوب، وليس الحكومات فقط، مشيرين الى أن الإسهام الثقافي بات جزءًا أصيلًا من مهام الدبلوماسي المعاصر.
جاء ذلك خلال ندوة «كتابات الدبلوماسيين المصريين خلال عام 2025» التي عُقدت ضمن محور «تجارب ثقافية» في فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب، بمشاركة نخبة من السفراء والدبلوماسيين الذين استعرضوا أحدث إصداراتهم الفكرية والأدبية والسياسية.
شارك في الندوة السفراء أشرف عقل، وناجي غابة، والدكتورة عبير بسيوني، ومحمد مصطفى عرفي، وميرفت تلاوي، إلى جانب السكرتير الثالث الدكتورة هاجر عبد اللطيف، وأدار اللقاء السفير عمرو الجويلي، الذي قدّم قراءة عامة لمفهوم الدبلوماسية العامة، معتبرًا أن الكتابة تمثل امتدادًا طبيعيًا لعمل الدبلوماسي وأداة للتواصل مع الشعوب لا الحكومات فقط.
وفي مستهل الندوة، أوضح الجويلي أن الفعالية تسعى إلى إبراز وجه آخر من إسهام الدبلوماسي المصري، يتجاوز التقارير والبرقيات المغلقة، إلى الحضور في المجال الثقافي العام. وكشف عن العمل الجاري لإعداد مرجع شامل بعنوان «من البرقية إلى الكتاب»، يوثق كتابات الدبلوماسيين المصريين، مشيرًا إلى حصر نحو ألف إصدار حتى الآن، تتنوع بين المذكرات والدراسات الاستراتيجية والتنمية المقارنة والعلاقات الدولية، إضافة إلى الرواية والأدب، على أن يصدر المرجع بالتزامن مع يوم الدبلوماسية المصرية في مارس 2026.
وقدّمت السفيرة ميرفت تلاوي عرضًا لكتابها «امرأة من الصعيد: مذكرات السفيرة ميرفت تلاوي»، مؤكدة أن الكتاب لا يقتصر على كونه مذكرات دبلوماسية، بل يوثق تجربة متكاملة في العمل العام داخل مصر وخارجها. واستعرضت محطات عملها في فيينا وجنيف واليابان، ودورها في مؤتمرات دولية محورية، أبرزها مؤتمر السكان والتنمية بالقاهرة عام 1994، ومؤتمر بكين الرابع للمرأة، مشيرة إلى رئاسة مصر للجنة السكان في مؤتمر بكين اعتمادًا على الخبرة المصرية السابقة.
وتطرقت إلى تجربتها في ملف «كوبري السلام»، موضحة كيف تحوّل المشروع من تمويل تقليدي إلى منحة سلام يابانية خارج القواعد المعتادة، باعتباره جسرًا يربط بين قارتي إفريقيا وآسيا، مؤكدة أن هذه التفاصيل موثقة ضمن كواليس صناعة القرار في الكتاب.
كما تناولت تجربتها وزيرةً للشؤون الاجتماعية، خاصةً في ملفات التأمينات والمعاشات، ومعارك الحفاظ على أموالها، إلى جانب شهادتها على فترات سياسية مفصلية، من بينها مرحلة حكم الرئيس الراحل محمد مرسي، وما شهدته من محاولات لتهميش دور المرأة، وأكدت أن الكتاب يقدّم مادة تحليلية وشهادات مهمة للباحثين وصنّاع القرار.
من جانبه، استعرض السفير ناجي غابة، مدير إدارة التوثيق والتأريخ، كتابه المتخصص في التاريخ، والذي تناول فيه قضية العبيد في مصر والعالم، موضحًا اهتمامه بالفئات المهمشة ودورها في صناعة الحضارات.
وركّز على القرن التاسع عشر باعتباره مرحلة حاسمة لفهم أنماط الرق في مصر، وما صاحبها من تحولات سياسية وقانونية، متناولًا تقسيم العبيد إلى فئات، والصعوبات الإنسانية التي واجهوها، وصولًا إلى التشريعات التي أنهت الرق، مؤكدًا أهمية دراسة هذه الظواهر لفهم مسارات التنمية الاجتماعية والسياسية.
بدوره، استعرض السفير أشرف عقل حصيلة إصداراته خلال عام 2025، موضحًا أن كتاباته تمزج بين البُعد الأكاديمي والتجربة الميدانية دون تمجيد ذاتي.
وأشار إلى كتابه «القدس.. المدينة والقضية»، الذي نفدت طبعاته، متناولًا فيه القدس تاريخيًا ودينيًا وسياسيًا، مع توثيق الانتهاكات الإسرائيلية وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، كما تناول كتاب «من وحي العيش في اليمن»، الذي وثّق تجربته العملية، مستعرضًا التاريخ اليمني والعلاقات المصرية ـ اليمنية وأهمية اليمن للأمن القومي المصري، مدعّمًا ذلك بوثائق واتفاقيات رسمية، مؤكدًا أن كتاباته ذات طابع تحليلي قائم على المشاهدة والشهادة المباشرة.
وفي مداخلته، أوضح السفير محمد مصطفى عرفي أن اختياره للرواية في عمله «المجاميع» جاء للتحرر من قيود الكتابة الرسمية، ونقل تجاربه في الدول التي خدم بها في قالب إنساني درامي، يركّز على الشخصيات الهامشية بوصفها مرآة لتحولات المجتمع.
كما قدّمت السفيرة الدكتورة عبير بسيوني نموذجًا للتنوع بين الكتابة المهنية والإبداعية، مؤكدة أن هذا التنوع يعكس ثراء التجربة الدبلوماسية، وتحدثت عن شغفها بالبحث والكتابة، معتبرة الكتاب «أعظم اختراع للبشرية»، واستعرضت أعمالها من «علامة مصر» حول العلامات الوطنية والفرص التنافسية، إلى «سفير الخيرات» والرواية التي تناولت العلاقة الإنسانية بين الملهم والمريد، مؤكدة أن كل كتاب رحلة بحث جديدة.
ولم تغفل الندوة مشاركة الجيل الجديد من الدبلوماسيين، حيث عرضت السكرتير الثالث الدكتورة هاجر عبد اللطيف كتابها «المسؤولية الدولية الجنائية للجماعات المسلحة من غير الدول»، المستند إلى رسالة دكتوراه، مؤكدة الحاجة إلى أطر قانونية موسعة لمحاسبة الجماعات المسلحة، وفهم آليات عملها، وإلزامها بالقانون الدولي الإنساني، لضمان عدم الإفلات من العقاب.
وفي رسالة مسجلة، أشاد السفير السيد أمين شلبي بجهود السفراء في الجمع بين الثقافة والدبلوماسية، مؤكدًا أن الأدب جزء لا يتجزأ من التميز في العمل الدبلوماسي.
وشدد السفير عمرو الجويلي على أهمية تواصل الأجيال داخل وزارة الخارجية، من الرائدة ميرفت تلاوي إلى الجيل الجديد، معتبرًا ذلك مصدر قوة وثراء للمؤسسة.
وأكدت الندوة، بتلاقيها بين التاريخ والقانون الدولي والدبلوماسية والكتابة الإبداعية، أن الكتابة ليست نقلًا للخبرة فحسب، بل جسرًا يربط بين الأجيال، وشاهدًا على التجربة المصرية في سياقها الإنساني والثقافي عبر الزمن.