الوعى والاتزان الاستراتيجى
الأحد، 08 مارس 2026 03:11 م
يوسف أيوب
مصر دولة كبيرة تملك قرارها.. وجيشًا قادرًا على حماية حدودها وشعبًا صلبًا لا ينكسر
الحقيقة الواضحة حتى الأن من الحرب الدائرة حالياً في المنطقة أن لا أحد سينجو منها، الضحايا كثر، والتداعيات كارثية على الجميع، ولا يظن أحد أنه ناج منها، مهما فعل، قد تكون الأضرار أقل عند طرف عن الأخر، لكن المؤكد أن هناك أضرار وتداعيات لن تقتصر فقط على دول الشرق الأوسط، بل ستشمل الدوائر المحيطة بالشرق الأوسط، وسيكون صوتها مسموعاً في العالم كله، خاصة أن الحرب خرجت من نطاق المواجهة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، إلى المواجهة المفتوحة، فكل يوم نفتح القوس لنضم دولة جديدة، تدخل الحرب سواء بإرادتها أو رغماً عنها، وهو ما جعل كثيرون يحذرون من حرب عالمية ثالثة، يكون النووي في القلب منها، وهو أمر غير بعيد، لأنه أذا ما استمر الوضع على شكله الحالي، فلا أحد يتوقع ردة الفعل الإيرانية، التي بدأت تفقد أعصابها، وتضرب يمينا ويساراً، وربما يصل بها الحال إلى استخدام ما لديها من وقود نووي وصل تخصيبه إلى 60%، وقريب من الاستخدام، ففي حالة اليأس، لا يمكن توقع ردة الفعل!.
أقصى ما يمكن أن تفعله الدول اليوم، هو أن تعيد حساباتها، وتحصى ما لديها من أوراق، لتعرف أين تقف، ولتتعرف على مستقبلها، وسط الضبابية الشديدة التي تلف أجواء الشرق الأوسط.
فإعادة الحسابات، بات ضرورياً، خاصة أنه لا أمل في فتح نوافذ لحلول دبلوماسية، الا اذا حدثت مفاجأة كبرى، غيرت خريطة التفاعلات في إيران، وانتجت قيادة جديدة، تلبى المطالب والشروط الامريكية، وتعلن الخضوع الرسمي، وهو أمر غير متوقع على الأقل فى الوقت الراهن، لأن النظام الإيراني، ليس النظام السورى، الذى هرب.
وأيا كان المستقبل، ومصير هذه الضبابية، فما يهمنا اليوم، هو الموقف المصرى، وتأثيرات ما يحدث علينا، فما يحدث اليوم في المنطقة، يفرض على الجميع قراءة المشهد بوعي ومسؤولية، خاصة في ظل ما قد يترتب عليه من تداعيات سياسية وأمنية واقتصادية واسعة النطاق، فالسياسة المصرية التي رسمها الرئيس السيسى، اتسمت منذ اللحظة الأولى بالاتزان والحكمة، والحرص على تجنيب المنطقة الانزلاق إلى فوضى شاملة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على ثوابت الأمن القومي المصري والعربي، ومن يتابع ما يحدث اليوم، سيجد ان مصر تدير هذه التطورات برؤية متكاملة توازن بين حماية الأمن القومي والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، ونجحت خلال الفترة الماضية في امتصاص قدر كبير من الصدمات الناتجة عن الأزمات العالمية المتلاحقة، من خلال إدارة منضبطة للموارد وتبني سياسات استباقية، ساعدت على تقليل انعكاسات الأوضاع الدولية على المواطن المصري.
والامر الأخر الذى لا يجب أن نغفله أن مصر دولة كبيرة تملك قرارها، وجيشًا قادرًا على حماية حدودها، وشعبًا صلبًا لا ينكسر، وأن الدولة منذ 2014، وهى تنفذ خطة وضعتها، لتقوية قواتها المسلحة بالتدريب والتحديث والتسليح، وأمدادها بأحدث الأسلحة، ليكون جاهزاً لأى مهمة يكلف بها. ومن يتابع ما يحدث اليوم في الشرق الأوسط سيتأكد أن مصر حينما قررت الاستثمار في قواتها المسلحة، كانت محقة، لانها كانت ترى المستقبل.
أما فيما يتعلق بالوضع السياسى، فإن الدولة المصرية كانت مع أشقاءها في دول الخليج، أكثر المنتبهين منذ أشهر لخطورة الموقف المعلق في إيران، وأن استمرار الوضع على حاله ينذر بتجدد المواجهة العسكرية، لكن بوتيرة أقوى وأكبر، لذلك، قامت الدبلوماسية المصرية، بتوجيهات وتعليمات واضحة من الرئيس عبد الفتاح السيسى، التحرك بجهد مخلص ومستنير خلال الأشهر الماضية في محاولة لتجنب هذه الأزمة، من خلال تقريب وجهات النظر والوساطة بين الولايات المتحدة وإيران للوصول لاتفاق، واستندت رؤية مصر إلى أن الحروب دائماً ما يكون لها تأثيرات سلبية، سواء على الشعوب والدول التي تعد الاطراف المباشرة في هذه المواجهات أو شعوب ودول الجوار، وعلى أمن واستقرار المنطقة كلها وخاصة مع تطور وسائل القتال.
وكان الخطاب المصرى، ولا زال، أن التقديرات الخاطئة تترتب عليها تداعيات سلبية على الدول والشعوب، وأن هذه التداعيات يكون لها تأثير كبير على التوازنات القائمة بكل أبعادها الإنسانية والاقتصادية والامنية وغيرها، وهو ما يجب أن يكون هناك تحسب كبير جدا له، وهذا ما ينطبق الأزمة الراهنة التي لها تأثير بالغ على استقرار كل المنطقة، لذلك فإن المطلوب هو عدم التصعيد وتحقيق التهدئة، لكن أحد لم ينتبه إلى أن اندلعت الحرب. واليوم تتحرك القاهرة مجدداً للعمل على إيقاف الحرب، على الرغم من صعوبة تحقيق هدف توقف القتال حاليا.
بالتوازى مع ذلك، فإن الموقف المصرى واضح وحاسم فيما يتعلق برفض الاعتداء على الدول، ودعهما للأشقاء العرب ووقوفها معهم في مواجهة الأزمات وحرصها على أمن واستقرار الدول العربية الشقيقة، وهو ما أكد عليه الرئيس السيسى خلال اتصالاته على مدار الأسبوع الماضى، مع القادة الخليجين، ورئيس وزراء العراق والعاهل الأردني، وجاءت هذه الرؤية استناداً إلى أن أمن دول الخليج من امن مصر، وأن مصر جزء من هذه المنطقة وتتأثر بكل ما يحدث فيها، وتتحسب مِن نتائج الحرب الحالية، سواء من غلق مضيق هرمز وتأثيراته على تدفقات البترول وأسعاره، أو على قناة السويس التي تأثرت حركة الملاحة بها منذ احداث ما بعد 7 أكتوبر 2023، ولم تعد بعد لمسارها الطبيعي، مما تسبّب لمصر بخسائر مادية كبيرة، فضلا عن التأثيرات الاقتصادية السلبية الأخرى المباشرة وغير المباشرة.
وكلى يقين بأن الجهود المصرىة ستتواصل في هذا الاتجاه.
على الجانب الأخر، فقد تعاملت تعاملت خلال السنوات الماضية مع أزمات عالمية متلاحقة من جائحة كورونا إلى تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية وأثبتت قدرتها على الحفاظ على استقرار السوق المحلي، وتأمين مخزون استراتيجي من السلع الأساسية، وضمان توافرها للمواطنين رغم اضطراب الأسواق العالمية، وبالتأكيد فإن هذه السياسات الاستباقية تمنح مصر قدرًا من المرونة في مواجهة أي ضغوط خارجية محتملة نتيجة التصعيد الراهن.
لذلك ووفق الرؤية الاستباقية، فإن مصر، وهى تتحسب لما يحدث اليوم في المنطقة، كانت تعد نفسها جيداً، فالدولة، وفق تأكيدات الرئيس السيسى، وتوجيهات المستمرة للحكومة، درست كل الاحتمالات، وحرصت على تدبير الاحتياطات اللازمة في كافة القطاعات، رغم عدم اليقين بشأن المدى الزمني للأزمة الحالية، التي نأمل تنتهي في أسرع وقت من اجل وضع حد للأضرار الناجمة عنها على كل شعوب المنطقة.. لكن هل هذا يكفى؟.. بالتأكيد أن الأهم في كل ذلك أن يظل المصريين، شعبا ودولة، متكاتفين ومتفهمين ومدركين الظروف الصعبة الخارجة عن إرادتنا، وأن يتأكدوا من أن دولتهم تقوم بدور إيجابي في كل الأزمات ومن اجل تسوية النزاعات الخارجية، وتتعامل مع الأزمات الداخلية بمسئولية وتخطيط علمي، وفي الحالتين بمنهج الصبر والتروي وعدم الاندفاع، لتجنيب مصر وشعبها هذه التداعيات السلبية بقدر الإمكان.
والمؤكد أن الحفاظ على الأمن الداخلي والاستقرار المجتمعي يمثل أولوية قصوى في مثل هذه اللحظات، فنحن نعيش وسط محيط إقليمي مضطرب، يتطلب منا رؤية استراتيجية واضحة وإرادة سياسية حاسمة في حماية مقدرات الدولة، وهو ما يتحقق اليوم، استناداً إلى قرارات اتخذتها القيادة السياسية منذ 2014 وحتى اليوم.
والمؤكد أيضاً أن مصر في الحرب الحالية، وما سبقتها من أزمات أقليمية بل ودولية، تتعامل بوعي واتزان استراتيجي في إطار ثوابت الأمن القومي العربي وقواعده، بما يعكس إدراكا عميقا لطبيعة التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط ومخاطر المرحلة، مع الإشارة هنا إلى نقطة مهمة، وهى أن أحد عناصر القوة في هذا الموقف يتمثل في شبكة العلاقات المصرية التي تتسم بالمصداقية مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، بما يوسع هامش الحركة أمام الدولة المصرية، ويمكنها من التدخل الإيجابي والتأثير في مسارات التفاعلات، ويقلل في الوقت ذاته من كلفة الضغوط، فالدبلوماسية المصرية تتحرك من خلال شبكة علاقات دولية وإقليمية متعددة، تعتمد على نظرية الاتزان الاستراتيجي، والتي عززت موقف وصورة الدولة المصرية باعتبارها نقطة ارتكاز إقليمي قادرة على إحداث التوازن بين أطراف متباينة، وكشريك للحوار لا كمحرض على الصراع.