حرب بلا نهاية
الخميس، 26 مارس 2026 04:30 م
عبد الحليم محمود
العالم يراقب من بعيد بينما يضغط القادة أزرار الموت من مكتباتهم
عندما كنت صغيرًا، وأنا أتصفح صفحات جريدة الأهرام، وقع نظري على مقال عن حرب النجوم، تلك الحرب التي كانت تبدو في عالم الخيال العلمي حيث القادة يطلقون الصواريخ وهم يجلسون في مقصوراتهم أو على مكاتبهم كما لو كانوا يلعبون لعبة إلكترونية، وكان ذلك يزرع في ذهني شعورًا غريبًا عن المستقبل، واليوم، وقد تحققت تلك الصورة بطريقة لم أكن لأتخيلها حينها، نشهد نتنياهو جالسًا في مكتبه محاطًا بالقادة والمستشارين، يحدد الأهداف ويضغط على الشاشات ليضربها بصواريخ دقيقة، وكأن الحرب كلها لعبة بلاستيشن ضخمة، بينما ملايين البشر في إسرائيل وإيران يعيشون تحت ضغط مستمر من الخوف والقلق، فالمدنيون يحاولون حماية حياتهم وأطفالهم وسط دوي الصواريخ وانفجارات المنشآت الحيوية التي تهتز بها الأرض تحت أقدامهم، دون أن يكون لهم سوى الحذر والترقب في كل لحظة.
الحرب لم تعد مقتصرة على القصف التقليدي أو الاشتباكات العسكرية المباشرة، بل امتدت لتشمل المنشآت النووية الإيرانية والبنية التحتية الاقتصادية، وأصبح مضيق هرمز محور التوتر الاستراتيجي للعالم، إذ تهدد الهجمات استقرار أسواق الطاقة وترفع أسعار النفط والغاز بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي، وفي الوقت نفسه، يعيش المدنيون في طهران وتل أبيب حياة يومية مليئة بالمخاطر؛ فالمدارس تغلق أبوابها، والمستشفيات تعج بالجرحى، والأسواق الممتلئة بالناس الباحثين عن أبسط مقومات الحياة تصبح ساحة مواجهة بين روتين الحياة والتهديد المستمر، وكل ضربة تتخطى حدود الجغرافيا لتؤثر على السياسة والاقتصاد في العالم كله، مما يجعل كل يوم جديد اختبارًا للقدرة على الصمود أمام واقع لم يعد فيه شيء مضمونًا.
ويزداد المشهد تعقيدًا حين نرى أن هذه الحرب التي يُدار معظمها عن بعد، تتداخل فيها السياسة مع الاقتصاد، وأن الابتسامة العابرة على وجه القائد الذي يضغط زر الإطلاق قد تعني دمار حياة عائلة بأكملها، وأن الخريطة الاستراتيجية التي يُرسمها المخططون العسكريون في غرف العمليات لا تقل خطورة عن القنابل نفسها، فكل قرار ينعكس على الملاحة في المضايق، وعلى حركة التجارة والطاقة، وعلى الأمن الإقليمي في دول الجوار التي تحتضن قواعد أمريكية، لتصبح الحرب شاملة ليس بمعنى المساحة الجغرافية فحسب، بل بمعنى التأثير المباشر على حياة البشر والاستقرار الاجتماعي والسياسي، وما يزيد المشهد مأساوية هو أن المدنيين غالبًا لا يملكون سوى الانتظار والرهبة والحرص على البقاء وسط هذه الدوامة المتسارعة التي لا تعرف توقفًا.
أما العالم كله، فيراقب هذا الصراع الذي أصبح أشبه بحرب بلا نهاية، فكل صاروخ يُطلق، وكل منشأة تُقصف، وكل خطوة سياسية تُتخذ من وراء الشاشات تحمل أثرها المباشر على حياة الناس واقتصاد الدول، وتعيد صياغة مفهوم الأمان والاستقرار، لتصبح الحرب تجربة جماعية يعيشها الجميع، ليس فقط من هم في قلب المعركة، بل من يتابع الأخبار ويتأثر بأسعار النفط والغاز، ومن يشاهد المدن تتداعى من بعيد وهو يعلم أن أي لحظة قد تحمل انفجارًا جديدًا، وأن القيادة التي تجلس في مكاتبها بعيدة آلاف الكيلومترات قد تحسم مصير الملايين بضغطة زر، لتكشف الحرب عن هشاشة الإنسان أمام السياسة، وعن الثمن الباهظ الذي يدفعه العالم بأسره نتيجة الصراع الذي لا يبدو له نهاية.