محمد الشرقاوى يكتب: تفكيك حسم.. من كمين العجيزي إلى الطائرة الرئاسية مسار تصعيد يكشف عمق العنف في عقل الإخوان الإرهابي

الأحد، 29 مارس 2026 02:52 م
محمد الشرقاوى يكتب: تفكيك حسم.. من كمين العجيزي إلى الطائرة الرئاسية مسار تصعيد يكشف عمق العنف في عقل الإخوان الإرهابي
الإرهابى على محمود محمد عبد الونيس

تمكنت وزارة الداخلية من ضبط خلية إرهابية اليوم الأحد تضم قادة من حركة حسم، وعلى رأسها الإرهابي علي محمود محمد عبد الونيس القيادي بحركة حسم الإرهابية والذي استعرض في اعترافاته المخططات الإرهابية التي كان ينوي تنفيذها ضد الدولة المصرية.
 
وذكر بيان هام لوزارة الداخلية، استكمالًا لجهود ملاحقة عناصر حركة حسم الإرهابية التابعة لجماعة الإخوان الإرهابية المتورطين في إعداد مخطط يستهدف الإضرار بمقدرات الدولة من خلال القيام بسلسلة من العمليات العدائية، والدفع بعضوي الحركة (أحمد محمد عبد الرزاق أحمد غنيم، إيهاب عبد اللطيف محمد عبد القادر) لتنفيذ عمليات تستهدف المنشآت الأمنية والاقتصادية بالبلاد، وما أسفرت عنه الجهود الأمنية بتاريخ 17/7/2025 من مداهمة مقر اختبائهما بمحافظة الجيزة.
 
واعتراف الإرهابى علي محمود عبد الونيس بعد القبض عليه، بفشله في استهداف مساعد وزير الداخلية ووزير البترول، وأنه تم تدريبيه على استخدام الصواريخ في قطاع غزة، ناهيك عن التتخطيط لاستهداف كمين العجيزي وقسم شرطة طنطا واغتيال اللواء عادل رجائي.
 
ويعيد بيان الداخلية، تسليط الضوء على البنية المعقدة للتنظيمات المسلحة التي نشأت في البيئة الإخوانية بعد عام 2013، وعلى رأسها الشبكات المرتبطة بالقيادي الهارب يحيى موسى، الذي يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز مهندسي التحول نحو العمل المسلح وإدارة عملياته من الخارج.
 
ومنذ عام 2013، لم تكن حركة "حسم" مجرد تنظيم تقليدي يسعى إلى السيطرة أو الانتشار، بل جاءت كصيغة متطورة لما يمكن تسميته بـ"العنف الشبكي منخفض الكثافة"، معتمداً على استراتيجيات "العمل المقاوم"، التي شكلت بموجبها جماعة الإخوان اللجان النوعية بالمحافظات، وهي تعتمد على خلايا صغيرة، مرنة، يصعب تتبعها، وتعمل وفق منطق الضربات المحدودة ذات التأثير الرمزي الكبير، وهو نمط برز بوضوح في العمليات التي شهدتها مصر خلال عام 2016، والتي شكّلت في مجموعها ملامح استراتيجية قائمة على الاستنزاف التدريجي وإرباك الأجهزة الأمنية، دون الانخراط في مواجهة مفتوحة.
 
وفي هذا السياق، يمكن قراءة هجوم كمين العجيزي بمحافظة المنوفية في أغسطس 2016، الذي اعترف به علي عبدالونيس بالتخطيط والتنفيذ- بوصفه لحظة إعلان عن دخول مرحلة "الاشتباك المنخفض"؛ حيث استهدف الهجوم نقطة أمنية ثابتة عبر تنفيذ سريع ومباغت، ثم انسحاب فوري، وهو ما يعكس إدراك المنفذين لطبيعة التوازنات الأمنية، وسعيهم لتحقيق أكبر أثر بأقل تكلفة. 
 
ولم يكن تبني لواء الثورة للعملية مجرد إعلان مسؤولية، بل كان أيضًا رسالة بأن هناك أكثر من واجهة تنظيمية تتحرك ضمن إطار واحد، بما يربك المشهد ويصعّب من عملية التتبع.
 
وبعد أقل من شهرينر من عملية الكمين، جاء اغتيال العميد عادل رجائي أمام منزله ليكشف عن تطور نوعي في طبيعة الأهداف، فالعملية لم تستهدف فردًا عاديًا، بل قائدًا عسكريًا له دور مباشر في ملفات حساسة، أبرزها العمليات في شمال سيناء وتدمير الأنفاق على الحدود، وقد حمل الاغتيال دلالات تتجاوز الفعل المادي، ليصبح رسالة مزدوجة: انتقامية من جهة، وردعية من جهة أخرى، مفادها أن التنظيمات المسلحة قادرة على الوصول إلى قيادات نوعية خارج مسارح العمليات التقليدية.
 
غير أن أخطر ما يكشف عنه هذا المسار هو الانتقال التدريجي من استهداف الأفراد إلى التفكير في استهداف رأس الدولة ذاته، وهو ما ظهر في التحقيقات المرتبطة بمخططات استهداف الطائرة الرئاسية، فوجود هذا الهدف ضمن أجندة التنظيم يعكس نقلة من تكتيك "النكاية والإنهاك" إلى محاولة إحداث "صدمة استراتيجية"، وهو تطور لا يرتبط فقط بقدرة التنفيذ، بل بطبيعة التفكير داخل هذه الشبكات، التي باتت تمزج بين العمل العنقودي المحدود والطموحات القصوى.
وفي قلب هذا التحول، يبرز دور يحيى موسى بوصفه حلقة الوصل بين الإطار الفكري والتنفيذ العملياتي، فالإرهابي الهارب، وفق ما تكشفه التحقيقات والتقارير، لم يكن مجرد عنصر تنظيمي، بل كان فاعلًا في إعادة تشكيل بنية العنف بعد 2013، عبر تبني نموذج يقوم على الإدارة عن بُعد، وتوزيع الأدوار بين خلايا منفصلة ظاهريًا لكنها متصلة وظيفيًا، ومن خلال هذا النموذج، لم يعد مهمًا أن تحمل كل عملية اسم «حسم» تحديدًا، بقدر ما أصبح الأهم هو استمرار الفعل نفسه، حتى لو تغيّرت الواجهة.
 
هذا ما يفسر التداخل الواضح بين «حسم» و«لواء الثورة»، حيث تبدو الحدود بين التنظيمين ضبابية، سواء على مستوى الأفراد أو التكتيكات أو الخطاب، فالتشابه في طبيعة العمليات، والتزامن الزمني، والتكامل الإعلامي، كلها مؤشرات على وجود بنية أوسع من مجرد تنظيمين منفصلين، أقرب إلى شبكة متعددة الأذرع تُدار بمنطق توزيع الأدوار وتفادي الضربات الأمنية.
 
ورغم ذلك، فإن قراءة هذا المسار لا تكتمل دون الإشارة إلى أن هذا النموذج، على مرونته، واجه قيودًا بنيوية واضحة، فالعنف منخفض الكثافة، رغم قدرته على الإزعاج والاستنزاف، لم يتمكن من التحول إلى تهديد استراتيجي شامل، في ظل تماسك مؤسسات الدولة وتطور قدراتها في الرصد والاختراق، وهو ما جعل هذه التنظيمات تتحرك في دائرة محدودة، تعيد إنتاج نفسها دون أن تنجح في تحقيق اختراق حقيقي في بنية الدولة.
 
في المحصلة، تكشف عملية ضبط الخلية الأخيرة أن "حسم" لم تنتهِ بالكامل، لكنها أيضًا لم تعد كما كانت، فهي اليوم أقرب إلى بقايا شبكة تحاول الحفاظ على الحد الأدنى من الفاعلية، في ظل بيئة أمنية أكثر إحكامًا، وهو ما يجعل التهديد قائمًا، لكنه محكوم بسقف منخفض، لا يتجاوز حدود العمليات المحدودة ذات الطابع الرمزي، أكثر من كونه مشروعًا قادرًا على إعادة تشكيل المشهد السياسي أو الأمني في مصر.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق