الكلاب.. المرآة التي تكشف المدينة

الخميس، 09 أبريل 2026 04:13 م
الكلاب.. المرآة التي تكشف المدينة
عبد الحليم محمود

في أحد أزقة القاهرة القديمة، كان هناك كلب بلدي يقف عند زاوية ضيقة، يراقب المارة بعينين تقولان: هل ستؤذونني اليوم أم سأتمكن من العيش بسلام؟..  لم يسرع أحد لمساعدته، ولم يهدأ أحد من خوفه. لم يعرف هذا الكلب ما هي حملات التحصين، لكنه يعرف شيئا آخر، أن البشر في أغلب الأحيان أكثر تهديداً له من أي مرض او قانون.
 
وهنا تبدأ القصة الحقيقة، ليست عن الكلب، بل عن المدينة التي تسمح له أن يعيش كظل مهجور، بينما تنفق على استيراد كلاب اجنبية لتزيين حدائقها أو التباهي بها.
 
وقد أعلنت وزارة الزراعة ممثلة في الهيئة العامة للخدمات البيطرية، عن استمرار حملتها القومية لمكافحة مرض السعار، بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني، في إطار خطة الدولة للسيطرة على ظاهرة الكلاب الحرة بأساليب إنسانية وعلمية.
 
وخلال الفترة من 1 يناير وحتى 30 مارس 2026، تم تحصين 18955 كلباً ضد مرض السعار، وأجريت عمليات تعقيم لـ1735 كلباً، ضمن برنامج متكامل للحد من تكاثر الحيوانات الضالة. هذه الأرقام الكبيرة لا تعكس مجرد حملة رسمية، بل حياة أقل خوفا في الشوارع، ومساحات أمان إضافية للأطفال والمواطنين.
 
حين ننظر الي ما فعلته هولندا، ندرك أن المسالة لم تكن رحمة عابرة، بل نظام دقيق لا يترك شيئا للصدفة: تسجيل الزامي لكل كلب ، غرامات صارمة على التخلي عنه، وملاجئ تعيد التأهيل قبل إعادة الايواء، وكل ذلك ضمن منظومة تطبق بدقة. أما المانيا فهي أكثر صرامة:  ضريبة سنوية،  اختبارات سلوكية، تدريب الزامي، ومراكز إيواء تدار باحتراف، لا تترك الحيوان يتيه بين الشارع والمنزل وفي تركيا، اختاروا التعايش المنظم:  الكلاب تُحصر في بيتها بعد تحصينها وتعقيمها وترقيمها، فتظل موجودة دون أن تتحول الي خطر.
 
والمفارقة التي لا نلتفت اليها كثيراً، اننا نترك الكلاب البلدي الاقدر على التكيف مع بيئتنا مصيرها الشوارع، بينما ننفق على استيراد سلالات اجنبية تحتاج إلى عناية مضاعفة، وكأننا لا نثق فيما نملك أو لا نحسن استثماره، مع أن هذه الكلاب إذا أُعيد تأهيلها وتدريبها، يمكن أن تتحول بسهولة من عبء الي قيمة، ومن مصدر خوف الي عنصر نفع، بل وقد تفتح باباً اقتصادياً معتبراً. كما يحدث في الولايات المتحدة وكندا، حيث تربي الكلاب وتدرب وفق معايير دقيقة تسمح باستخدامها في مجالات متعددة، بل وتداولها كقيمة مضافة لا كعبء ينبغي التخلص منه.
 
إن ما نحتاجه ليس زيادة في الأعداد بقدر ما نحتاج الى تغيير في التفكير. المشكلة ليست في الكلاب التي تعيش بيننا، بل في المدن التي لا تحسن إدارة ما يعيش فيها. وإذا كانت بعض المجتمعات قد نجحت لأنها نظمت ما تملك. فإن السؤال الذي ينبغي أن نوجه به أنفسنا ليس كيف نتخلص من الكلاب، بل متي سنتعلم كيف ندير ما نملك، ونحمي ما هو أضعف منا، قبل أن نفكر في استيراد ما هو أجمل.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة