الدكتور جمال القليوبي خبير البترول لـ"صوت الأمة": نعيش مرحلة "جس نبض" لأسعار البترول.. ولا بديل عن إعادة تقويم السلوك الاقتصادي للمواطنين

السبت، 11 أبريل 2026 10:30 م
الدكتور جمال القليوبي خبير البترول لـ"صوت الأمة": نعيش مرحلة "جس نبض" لأسعار البترول.. ولا بديل عن إعادة تقويم السلوك الاقتصادي للمواطنين
حوار : هبة جعفر

 

استمرار الترشيد سيساهم فى تعديل كامل للمنظومة وتقليل الاستهلاك وزيادة الانتاج والتعامل مع الاوضاع بشكل سليم

 

في الوقت الذى أكد فيه فاتح بيرول، رئيس وكالة الطاقة الدولية، إن أزمة النفط والغاز الناجمة عن حصار مضيق هرمز، هي "أخطر من أزمات أعوام 1973 و1979 و2002 مجتمعة"، وأن "العالم لم يشهد قط انقطاعًا في إمدادات الطاقة بهذا الحجم"، كشفت شركة النفط والغاز الإيطالية العملاقة "إيني" الثلاثقاء الماضى، عن بئر جديد للغاز تم اكتشافه قبالة سواحل البحر المتوسط المصرية بقدرة إنتاجية تبلغ نحو تريليوني قدم مكعب، وقالت الشركة إن الموقع يقع في منطقة التمساح على بعد 70 كيلومترا من شاطئ البحر المتوسط، وتشير التقديرات الأولية إلى وجود حوالي تريليوني قدم مكعب من الغاز في الموقع و130 مليون برميل من المكثفات المصاحبة، في كشف واعد يقع على عمق مياه 95 مترًا، وعلى مسافة 70 كيلومترًا من الشاطئ، و10 كيلومترات فقط من تسهيلات إنتاج قائمة.

ونجحت شركة بترول بلاعيم "بتروبل" في حفر البئر الاستكشافية "دينيس غرب 1" بمنطقة دينيس البحرية قبالة سواحل بورسعيد، التي تستثمر فيها شركة إيني كمشغل رئيسي، وأظهرت التسجيلات الكهربية وجود طبقات حاملة للغاز، وتقديرات تشير إلى احتياطيات قدرها 2 تريليون قدم مكعب و130 مليون برميل متكثفات بترولية.

ووصفت وزارة البترول الكشف بأنه "واعد" و"هام"، ويأتي في إطار "السياسات التحفيزية التي تبنتها الوزارة وسداد مستحقات الشركاء، بما يدعم زيادة الإنتاج وتعويض التناقص الطبيعي وخفض فاتورة الاستيراد"، لافتة إلى أنه تجري حاليا أعمال تجهيز البئر للاختبار وتحديد معدلات الإنتاج، ومن المقرر وضعه على خريطة الإنتاج عقب استكمال أعمال التنمية التي تشمل إنشاء منصة إنتاج بحرية وحفر آبار تقييمية وتنموية.

كل هذه الأمور التي أضيف إليها تزايد حدة التوترات الجيوسياسية في المنطقة، مع بدأ الهدنة وتعليق العمليات العسكرية فى المنطقة لمدة أسبوعين، أبرزت تساؤلات ملحة حول مستقبل أسعار الطاقة وموقع مصر من هذه التحولات، لذلك التقت "صوت الأمة" بالدكتور جمال القليوبي، استاذ هندسة الطاقة والخبير في الشؤون البترولية، ليضع لنا النقاط على الحروف فيما يخص خريطة النفط العالمية، وأسباب أزمة الطاقة المحلية، والحلول المقترحة لمواجهة أعباء الصيف القادم.. وإلى نص الحوار..

 

في ظل الأوضاع الراهنة، كيف ترى ملامح الخريطة البترولية العالمية في مرحلة ما بعد الحرب؟

الواقع يشير إلى أن الوضع سيبقى متأزماً لفترة؛ فاستمرار غلق مضيق هرمز يؤثر بشكل مباشر وعنيف على سلاسل الإمداد العالمية القادمة من منطقة الخليج، هذا النقص سيعيد أسعار النفط حتماً إلى حاجز الـ 110 دولارات، وقد تلامس الـ 125 دولاراً للبرميل، أضافة إلى ذلك تضرر البنية التحتية النفطية نتيجة القصف المتبادل، وهو ما يتطلب من الدول العربية فترة تتراوح بين 3 إلى 5 أشهر لإعادة الإحلال والتجديد، ما يعني استمرار نقص الإمدادات "بالقوة القهرية" وتصبح قدرتها على عملية الضخ أو التخزين قد تكون صعبة، وبالتالي سوف تلجأ أيضاً الدول العربية إلى نقص الإمدادات في السوق العالمي لحين الانتهاء من عملية الإصلاح نفسها، وبالتالي سوف يكون لها أيضاً تأثير على معدل النقص لدى السوق العالمي وتستمر أسعار النفط أيضا فوق الـ 95 دولار حتى انتهاء الإصلاحات.

 

هل هناك أمل في عودة الأسعار لمعدلاتها الطبيعية قريباً؟

الأمر مرهون بنتائج المفاوضات، إذا تم الالتزام بفتح المضيق للملاحة الدولية وفقاً لمواثيق الأمم المتحدة وقانون البحار، وتوقفت الأعمال العدائية، قد نشهد حالة من "التشبع" في السوق خلال شهر، وهو ما قد يعيد الأسعار إلى مستويات الـ 90 دولاراً. لكن حتى اللحظة، نحن في مرحلة "جس نبض" للسوق العالمي.

 

على المستوي المحلي.. لماذا بادرت مصر برفع أسعار الوقود فور اندلاع الأزمة بشكل أسرع من غيرها؟

نحن نستورد نحو 53% من احتياجاتنا من السلع الوقودية، نحو ملياري دولار شهريًا، وتنتج 75% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي، فيما يتم استيراد النسبة المتبقية، والاستهلاك اليومي يبلغ نحو 6.3 مليار قدم مكعب، يذهب أكثر من نصفه لتشغيل محطات الكهرباء، بينما تتوزع النسبة الأخرى على المصانع كثيفة الاستخدام للطاقة، والمنازل، ومحطات تموين السيارات، وصناعة البتروكيماويات والأسمدة.

وفى بداية الأزمة، مصر بدأت فى متابعة الأحداث خاصة إن الموازنة العامة للدولة مقدرة على سعر 75 دولاراً للبرميل، ومن الناحية الحسابية، فإن كل زيادة قدرها 5 دولارات في السعر العالمي تكلف الدولة عجزاً إضافياً يقدر بـ 10 مليارات جنيه، وبالتالي نتحدث عن متوسطات وصلت من خلال الأسبوع الأول لمستوى عجز وصل لـ 55 مليار جنيه لذا كان لابد من قرار استثنائي بتحريك الأسعار، لتقليص حجم الفجوة في الموازنة العامة وتفادي تفاقم العجز

 

اذا سنظل على سياسة ترشيد الاستهلاك إلى متي؟

استمرار الترشيد الاستهلاكي قد يستمر لمدة شهر، لأن الأحداث مازالت قائمة ولا نعلم هل ستنتهي إم مؤقتة فنحن مازلنا مترقبين، هل ستنجح التفاوض؟، وهل سيأتي التفاوض بنوع من القبول لدى الطرفين أم سيحصل فيها نوع من التوقف مرة أخرى؟، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية بكل قوتها ما زالت موجودة في الخليج ولم تطرح مرور أو عودة البارجات مرة أخرى إلى قواعدها، وبالتالي ما زال هناك تأهب لهذه المفاوضات وطبقاً لهذا سيبقي الوضع كما هو خاصة إن هذا الوضع هام جدا للاقتصاد المصري واتمني استمرارها ليس فقط خلال الاوضاع الحالية أنا اسميها "العودة إلى السلوك الاقتصادي السليم"، سلوك المواطن الاقتصادي مطلوب حاليا، مصر دولة تستورد الوقود من الخارج والفاتورة عالية جدا والمواطنين لن يقبلوا بارتفاع الأسعار طبقاً للسوق العالمي من وقت لأخر، وبالتالي لابد من إعادة تقويم السلوك الاقتصادي للمواطنين، لانه سيساهم فى تعديل كامل للمنظومة وتقليل الاستهلاك وزيادة الانتاج والتعامل مع الاوضاع بشكل سليم، خاصة إن معدلات التعامل فى الصباح أهم وافضل للدولة.

وهناك نوع من ترشيد الغاز الطبيعي، هو فى غاية الأهمية لأن توفير جزء من الغاز الطبيعي في الكهرباء  سيوفر علينا تشغيل محطات وبالتالي توجيه إلى أماكن أخرى مختلفة مثل الأسمدة والبتروكيماويات لها تأثير مهم جداً في الاقتصاد المصري.

 

وما هي الدروس المستفادة من الأزمة؟

 الدولة تعاملت بشكل سريع من خلال رؤية متكاملة ترتكز على 3 آليات رئيسية، تشمل تأمين واستدامة إمدادات الكهرباء للمواطنين بأقصى درجة مٌمكنة، والحفاظ على استقلال الاقتصاد الوطني عبر تقنين الاستيراد، خاصة في قطاع الطاقة، إلى جانب التعامل مع تداعيات الصدمات الجيوسياسية وتأثيرها على أسواق الطاقة عالميًا، كما وضعت الحكومة خطة لإدارة هذه المرحلة الحرجة، تتضمن ترشيد استهلاك الكهرباء، التي تستهلك نحو 55% من إنتاج الغاز الطبيعي يوميًا، بما يعادل حوالي 3.3 مليار قدم مكعب، وهو ما يمثل عبئًا كبيرًا على الموازنة، ونجحنا فى إن نعرف كيف ندير هذه الأزمة، ثانيا كمواطنين لا بد من تدريبنا على استخدام الأسلوب الاقتصادي في نمط الحياة.

 

وماذا عن أزمة الطاقة التي نعاني منها حالياً؟ وما هي أسبابها الحقيقية؟

السبب الرئيسي هو الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك. نحن نستهلك 6.3 مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي، بينما إنتاجنا المحلي لا يتجاوز 4.7 مليار، ويتم استيراد الفارق. كما أن إنتاجنا من السلع الوقودية يغطي 47% فقط من الاستهلاك، 55% من السلع الوقودية يتم استيرادها من خارج البلاد، ومنذ عام 2017 الدولة تعمل على مسارات بديلة لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري ليصل إلى 55% بحلول عام 2030، عبر التوسع في طاقة الرياح والشمس، وعلى مستويات إنتاجية مستهدفة في 2030 (39 ألف ميجاوات)، 28 ألف ميجاوات من الرياح و11 ألف ميجاوات من الطاقة الشمسية وبالتالي التزام خطة الحكومة في الذهاب إلى الانتهاء من المشروعات القومية للطاقة المتجددة ومشروع الهيدروجين الأخضر، وسيستخدم في إنتاج وتحليل المياه لإنتاج الهيدروجين الذي يمكن أن يستخدم بديلاً كوقود داخل محطات الكهرباء لتقليل الانبعاثات الكربونية (زيرو انبعاثات كربونية)، والوصول بقدرات من استخدام الغاز الطبيعي من بدائل الغاز الطبيعي وهو الهيدروجين، بالإضافة إلى مفاعل الضبعة النووي الذي سيبدأ تشغيله التجريبي في 2027 بقدرة تصل إلى 5000 ميجاوات على أن يتم الانتهاء من الاربع بوحدات بحلول 2030.

 

هل اكتشافات الآبار الجديدة قادرة على تعويض هذا النقص؟

هناك خطة مكثفة للبحث والتنقيب تستهدف حفر 484 بئراً خلال ثلاث سنوات 101 بئر حفزي بنهاية 2026، خاصة إن قطاع البترول مُصر على زيادة عملية البحث والتنقيب والاستكشاف، وبالتالي نحن أمام خطة طجويلة الأجل ويمكن عملية البحث والتنقيب تأتي باكتشافات اقتصادية تستطيع أن تعين الاقتصاد المصري في خلال السنوات القادمة، وبالتالي خطة الطاقة المتجددة وسلة الطاقة مطلوبة لدى دولة مصر.

 

تعليقك على قرار دفع مستحقات الاستثمارات الخاصة بالشركات الأجنبية والتعاقدات التي قامت بها الحكومة المصرية؟

من القرارات الهامة جدا وساهم فى دفع حركة البحث والاكتشاف، فالشركات منذ حصولها على باقى المستحقات قامت بضخها فى خطط البحث والتنقيب وخطط الإنتاج، وبالتالي نتج عنها اكتشافات كثيرة كان أخرها منذ اربعة ايام وبالتالي القرار كان خطوة فى سبيل تحقيق خطة الدولة بزيادة الاستكشافات وأيضا لابد من توجيه جزء من ايرادات الدولة من خلال وزارة المالية يتم توجيه لصالح مستحقات الشركات.

 أما بالنسبة لحقل "ظهر"، فما يحدث فيه هو "تناقص طبيعي" تدريجي يتماشى مع العمر الافتراضي للخزان، وهذا أمر تقني طبيعي يحدث في كل الحقول.

 

ما هي "الروشتة" التي تقدمها لوزارة البترول لضمان استقرار الأوضاع؟

نصيحتي تتلخص في ثلاث نقاط.

الأولى هي ضرورة بناء مخزون استراتيجي من المواد البترولية يتخطى الـ 6 أشهر لحماية الاقتصاد من الهزات الجيوسياسية المفاجئة، وهذا يعتمد على إقامة خزانات سطحية أو إقامة أنفاق تخزينية أو إقامة أحواض تخزينية في مناطق الصحراء الغربية.

 والثانية هي الالتزام التام بسداد مستحقات الشركاء الأجانب بانتظام، لأن ذلك يحفزهم على ضخ استثمارات جديدة في عمليات البحث والتنقيب.

والثالثة: التركيز على مناطق عمليات الحفر وخاصة فيما يخص مناطق الصحراء الغربية ومنطقة البحر المتوسط، لأن هذه المناط واعدة وتحتوي على احتياطي كبير بالنسبة للصحراء الغربية من الزيت الخام وبالنسبة للبحر المتوسط الغاز الطبيعي، وبالتالي عملية البحث والتنقيب في هاتين المنطقتين هما الحل الأمثل للحصول على كميات اقتصادية من النفط.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة