ما لا تدركه كله لا تتركه كله

الأحد، 12 أبريل 2026 03:26 م
ما لا تدركه كله لا تتركه كله
شيرين سيف الدين

لم تكن القرارات الأخيرة المتعلقة بتنظيم مواعيد غلق وفتح المحال مجرد إجراءات مرتبطة بظرف اقتصادي عابر، بل كشفت لنا أن تنظيم الحياة العامة ليس رفاهية، بل ضرورة لحياة أكثر توازنًا، فقد اعتاد المجتمع المصري عبر عقود طويلة على نمط حياة يمتد حتى ساعات الفجر، خاصة في المدن الكبرى. صحيح أن هذا النمط أصبح جزءًا من شخصية مصر الاجتماعية والسياحية، لكن ذلك لا يمنع من محاولة تنظيمه بشكل أكثر عقلانية بما يحقق التوازن بين حق الناس في العمل والترفيه، وحقهم أيضًا في الراحة والهدوء.
 
إن من أكثر المشكلات التي يعاني منها سكان المدن المصرية اليوم هي تحوّل كثير من المناطق السكنية إلى مساحات صاخبة تمتد فيها حركة المقاهي والمحال حتى ساعات متأخرة من الليل، فأصبحت الشقق السكنية التي يفترض أن تكون ملاذًا للراحة، محاطة بضجيج دائم، وزحام مستمر، واحتلال عشوائي للأرصفة، مما يؤثر بشكل مباشر على جودة الحياة اليومية، وهو ما دعى الكثير من القادرين للهرب من مساكنهم والانتقال للعيش بين أسوار مجتمعات سكنية مغلقة ومنظمة، فيما يضطر غير القادرين للبقاء وسط هذه البيئة المزعجة فما باليد حيلة ! 
 
ولهذا يمكن التفكير في نظام بسيط ومتوازن لتنظيم المواعيد، فمثلًا يمكن أن تغلق الأنشطة التجارية والمقاهي والمطاعم الموجودة داخل المناطق السكنية أو أسفل العقارات السكنية في أيام العمل عند الساعة الثانية عشرة منتصف الليل، وهو توقيت معقول يسمح بممارسة النشاط التجاري والمكسب دون أن يمتد الضجيج إلى ساعات الفجر.
 
أما في عطلات نهاية الأسبوع والأعياد والمناسبات والعطلة الصيفية للمدارس والجامعات، فيمكن أن تكون المواعيد أكثر مرونة، لتظل روح مصر الاجتماعية حاضرة كما اعتاد الناس، دون أن يشعر أحد بأن الحياة قد أُغلقت في وجهه.
 
هذا التنظيم ليس قرار إداري تعسفي، بل إنه قرار إنساني واجتماعي سيؤثر إيجابيًا في نمط حياة المواطن نفسه، فحين تتراجع الضوضاء الليلية، ويصبح الليل وقتًا طبيعيًا للراحة، يستطيع الناس النوم في ساعات مناسبة، والاستيقاظ للعمل بنشاط، وهنا تنعكس الفائدة مباشرة على الإنتاجية وجودة الخدمات والعمل في مختلف القطاعات.
 
كما أن لهذه القضية بعدًا اجتماعيًا آخر مهم، ففتح المقاهي حتى ساعات الفجر في المناطق السكنية يجعل كثيرًا من الشباب والطلاب والموظفين يقضون ساعات طويلة من الليل خارج منازلهم، حتى في أيام الدراسة والعمل، ومع مرور الوقت يتحول السهر المتأخر إلى عادة يومية تؤثر سلبًا على قدرتهم على الاستيقاظ مبكرًا، وعلى مستوى تركيزهم في الدراسة أو أدائهم في العمل، ومن الطبيعي أن يؤدي ذلك في النهاية إلى تراجع الإنتاجية وضعف التحصيل الدراسي، وهو أمر ينعكس على المجتمع كله وليس على الأفراد فقط.
 
وفي الوقت نفسه، يجب أن نعترف بأن مصر بلد ذو طبيعة خاصة، وواحدة من مزاياها السياحية أنها مدنها الكبيرة لا تنام، لذلك فإن الحفاظ على هذا الطابع أمر مهم، لكن في المكان المناسب، فالمناطق السياحية والترفيهية المخصصة — حيث لا توجد كثافة سكنية — يمكن أن تظل مفتوحة لساعات متأخرة، بل وربما طوال الليل، فهذه الأماكن تخدم السياحة والاقتصاد، وتدفع ضرائب كبيرة للدولة، كما أنها بطبيعتها مهيأة لاستقبال هذا النوع من النشاط، وبذلك نحقق المعادلة الصعبة.. مناطق هادئة للسكن.. ومناطق نابضة للحياة والسياحة.
 
إن تجربة الإغلاق المبكر خلال فترة الأزمة الأخيرة — رغم صعوبتها — أثبتت أن المجتمع قادر على التكيف مع التغيير، حتى وإن كان ذلك على مضض في البداية، وربما يمكن الآن استثمار هذه التجربة بتقديم حل وسط متوازن، توقيتات أفضل من ظروف الأزمة، لكنها في الوقت نفسه أكثر انضباطًا من الفوضى السابقة.
 
ومن الأفكار التي يمكن أن تدعم هذا الاتجاه أيضًا، إلزام المقاهي والمحال بعدم احتلال الأرصفة وتركها للمشاة، تطبيق معايير للضوضاء خاصة في المناطق السكنية، تشجيع إنشاء مناطق ترفيهية وتجارية مخططة خارج الكتل السكنية لتكون متنفسًا للأنشطة الليلية وتدرج تطبيق المواعيد حتى يعتاد المجتمع عليها دون صدمة مفاجئة.
 
فالمسألة في النهاية ليست مجرد ساعة إغلاق أو فتح، بل هي فكرة تنظيم الحياة نفسها، وحين يشعر المواطن أن النظام يراعي حقه في العمل والسكن والترفيه والراحة ، تتحسن علاقته بالمدينة التي يعيش فيها.
 
ربما لن نستطيع تغيير كل شيء دفعة واحدة، لكن البداية ممكنة ، عملا بمبدأ ما لا يُدرك كله… لا يُترك كله.
 
فخطوة صغيرة نحو تنظيم الحياة قد تصنع فارقًا كبيرًا في حياة المواطن، وإنتاجية المجتمع، وترسم صورة أكثر تحضرا للمدن المصرية.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة