طلال رسلان يكتب: من القاهرة إلى أبوظبي.. رسائل القوة والتحالف وسط اشتعال المنطقة
السبت، 09 مايو 2026 08:00 م
السياسة المصرية الواضحة: الحفاظ على استقرار الخليج ليس مجرد خيار دبلوماسي بل ضرورة
في توقيت بالغ الحساسية تشهده منطقة الشرق الأوسط، حمل الاتصال الهاتفي بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، الثلاثاء الماضى، رسائل سياسية وأمنية تتجاوز حدود التضامن التقليدي بين دولتين شقيقتين، ليعكس حجم التنسيق الاستراتيجي بين القاهرة وأبوظبي في مواجهة مرحلة إقليمية شديدة التعقيد، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع مخاوف اتساع رقعة الصراع في الخليج والمنطقة بأسرها.
الاتصال الذي جاء عقب الهجمات الإيرانية الأخيرة على الإمارات، كشف بوضوح عن ثبات الموقف المصري تجاه أمن الخليج، ورسخ معادلة تعتبرها القاهرة جزءا من ثوابتها السياسية منذ عقود، وهي أن أمن دول الخليج العربي يرتبط بصورة مباشرة بالأمن القومي المصري، وأن أي تهديد تتعرض له تلك الدول ينعكس بصورة تلقائية على استقرار المنطقة بالكامل.
الرئاسة المصرية أكدت أن الرئيس السيسي أعرب خلال الاتصال عن إدانة مصر الشديدة للاعتداءات الإيرانية التي استهدفت الإمارات، مشددًا على تضامن القاهرة الكامل مع أبوظبي ودعمها لكل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها واستقرارها. لكن خلف هذه الكلمات الدبلوماسية التقليدية، تبدو هناك دلالات أعمق تتعلق بطبيعة التحولات التي تمر بها المنطقة، وحجم المخاوف من انزلاق الأوضاع إلى مواجهة إقليمية واسعة.
والأربعاء، أجرى الدكتور بدر عبد العاطي وزير الخارجية، إتصالا هاتفيا مع الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير خارجية الإمارات، ثمن خلاله الوزيران عمق العلاقات الثنائية والروابط الأخوية بين البلدين الشقيقين والتى عكسها الاتصال بين الرئيس السيسي والشيخ محمد بن زايد، وجدد عبد العاطي إدانة مصر واستنكارها الشديد للاعتداءات الإيرانية على الإمارات، مجددا تضامن مصر الكامل مع الإمارات ووقفها بجانبها في هذا الظرف الدقيق، ومؤكدا دعم مصر الكامل لكل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها واستقرارها.
وشدد وزير الخارجية على الموقف المصري الثابت بأن أمن دولة الإمارات وسائر دول الخليج الشقيقة هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، مشددا على الارتباط العضوي والوثيق بين أمن واستقرار البلدين الشقيقين والمنطقة بأسرها.
العلاقات المصرية الإماراتية لم تعد مجرد علاقات تعاون عربي تقليدي، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى شراكة استراتيجية شاملة، تقوم على تنسيق سياسي وأمني واقتصادي مكثف، خاصة في الملفات المرتبطة بمكافحة الإرهاب وحماية استقرار الدول الوطنية ورفض الفوضى في المنطقة.
ومنذ تولي الرئيس السيسي الحكم في مصر، شهدت العلاقات مع الإمارات تطورًا لافتًا، عززته رؤية مشتركة تجاه العديد من القضايا الإقليمية، إضافة إلى التعاون الاقتصادي والاستثماري الضخم بين البلدين، لذلك فإن الاتصال الأخير بين الرئيس السيسي ومحمد بن زايد لا يمكن قراءته باعتباره مجرد موقف تضامني عابر، بل يأتي في إطار تحالف إقليمي يعتبر أن استقرار الخليج يمثل خط دفاع رئيسيًا عن استقرار الشرق الأوسط بالكامل.
كما أن التحرك المصري السريع سياسيًا ودبلوماسيًا يعكس إدراك القاهرة لخطورة المرحلة الحالية، خاصة مع تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة ووجود مخاوف حقيقية من استهداف منشآت حيوية أو تعطيل حركة الملاحة والطاقة، وهو ما قد ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسواق النفط وأمن البحر الأحمر.
اللافت في الموقف المصري أنه لم يقتصر فقط على الإدانة والتضامن، بل تضمن أيضًا دعوة واضحة لتجنب التصعيد والعمل على احتواء الأزمة سياسيًا، فبحسب التصريحات الرسمية، شدد الرئيس السيسي على ضرورة تكثيف الجهود الرامية إلى تسوية الأزمة ومنع اتساعها، نظرًا لما قد يترتب عليها من تداعيات خطيرة على أمن واستقرار المنطقة، وهو ما أعاد التأكيد عليه الرئيس السيسى، الأربعاء الماضى، خلال اتصاله مع السلطان هيثم بن طارق، سلطان عُمان، بقوله إن أمن واستقرار السلطنة، وسائر الدول العربية، يُعد جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، مع التشديد على أهمية الحفاظ على السلم والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وتجنب التصعيد، والعمل على تسوية الأزمة الراهنة عبر الوسائل السلمية.
هذه الرسالة تعكس طبيعة السياسة المصرية الحالية التي تقوم على مبدأ التوازن بين الحزم في مواجهة التهديدات الأمنية، وبين الحرص على منع الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة قد تدفع المنطقة كلها إلى حالة من الفوضى وعدم الاستقرار.
القاهرة تدرك أن أي تصعيد عسكري واسع في الخليج ستكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد المصري، سواء من خلال اضطراب حركة التجارة والطاقة أو ارتفاع أسعار النفط أو تأثر الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس، لذلك تتحرك الدولة المصرية وفق مقاربة تقوم على دعم الحلفاء والحفاظ في الوقت نفسه على فرص الحلول السياسية.
ويرى مراقبون أن الموقف المصري يحمل أيضًا رسائل ردع غير مباشرة، مفادها أن الدول العربية الكبرى لن تقف صامتة أمام أي تهديد يستهدف استقرار الخليج أو يهدد أمن حلفائها، ورغم أن القاهرة تتبنى دائمًا خطابًا يدعو للحلول السياسية وخفض التوتر، فإنها في الوقت ذاته تؤكد باستمرار رفضها لأي محاولات لفرض واقع إقليمي جديد بالقوة أو استهداف البنية الأمنية لدول المنطقة.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه المنطقة واحدة من أكثر مراحلها توترًا منذ سنوات، مع تصاعد المواجهات والهجمات المتبادلة وتزايد المخاوف من توسع دائرة الصراع لتشمل دولًا جديدة.
وفي هذا السياق، تحاول مصر لعب دور متوازن يجمع بين دعم الاستقرار الإقليمي ومنع الانفجار الشامل، مستفيدة من علاقاتها الإقليمية والدولية الواسعة، فضلًا عن ثقلها السياسي في المنطقة.
الموقف المصري الثابت تجاه أمن الخليج لا يرتبط فقط بالاعتبارات السياسية أو التضامن العربي، بل يقوم أيضًا على حسابات استراتيجية واقتصادية وأمنية عميقة، فدول الخليج تمثل شريكًا اقتصاديًا رئيسيًا لمصر، سواء من خلال الاستثمارات أو العمالة المصرية أو التعاون التجاري والطاقة، كما أن استقرار الخليج ينعكس بصورة مباشرة على استقرار الاقتصاد الإقليمي.
كذلك فإن أي اضطرابات كبيرة في منطقة الخليج قد تؤثر على حركة الملاحة في البحر الأحمر، وهو ما يضع ضغوطًا إضافية على قناة السويس، أحد أهم مصادر الدخل القومي المصري.
ومن هنا، ترى القاهرة أن الحفاظ على استقرار الخليج ليس مجرد خيار دبلوماسي، بل ضرورة ترتبط بحماية مصالحها القومية المباشرة.
وخلال السنوات الأخيرة، تطورت العلاقات المصرية الإماراتية بصورة غير مسبوقة، حيث أصبحت الإمارات أحد أكبر المستثمرين في مصر، كما توسع التعاون بين البلدين في قطاعات متعددة تشمل الاقتصاد والطاقة والبنية التحتية والأمن الغذائي.
وفي المقابل، تمثل مصر بالنسبة للإمارات شريكًا استراتيجيًا رئيسيًا في المنطقة، بالنظر إلى ثقلها السياسي والعسكري والجغرافي.
هذه الشراكة عززت من قدرة البلدين على التنسيق المشترك في التعامل مع الأزمات الإقليمية، وأنتجت حالة من التفاهم السياسي الواضح تجاه العديد من الملفات الساخنة، ولذلك فإن سرعة التحرك المصري عقب الهجمات على الإمارات تعكس طبيعة هذه العلاقة الخاصة، التي باتت تقوم على مفهوم المصير المشترك والمصالح المتبادلة.
الاتصالات المصرية الإماراتية الأخيرة تكشف بوضوح أن المنطقة تقف أمام مرحلة بالغة الخطورة، تتطلب أعلى درجات التنسيق بين الدول العربية الكبرى لمنع انزلاق الأوضاع نحو مزيد من التصعيد.
فالمخاوف لم تعد تتعلق فقط بالهجمات العسكرية المباشرة، بل تمتد إلى اضطراب أسواق الطاقة وتهديد الممرات البحرية الحيوية وارتفاع حدة الاستقطاب السياسي والعسكري في المنطقة.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن القاهرة تسعى إلى لعب دور مزدوج؛ الأول دعم حلفائها بشكل واضح وصريح، والثاني الدفع نحو احتواء الأزمة ومنع تحولها إلى حرب مفتوحة قد تدفع المنطقة إلى سيناريوهات أكثر خطورة.
وفي النهاية، فإن الاتصال بين الرئيس السيسي والشيخ محمد بن زايد لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي أو رسالة تضامن عابرة، بل عكس بوضوح طبيعة التحالفات الجديدة في المنطقة، وحجم التقارب المصري الإماراتي في مواجهة التحديات الإقليمية، كما أكد أن القاهرة لا تزال تعتبر أمن الخليج جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن القومي العربي، في وقت تبدو فيه المنطقة بأكملها أمام اختبار سياسي وأمني بالغ التعقيد.