سقوط البنادق.. الانشقاقات تأكل الدعم السريع
الخميس، 14 مايو 2026 05:18 م
هشام السروجى
منذ اندلاع الحرب السودانية، بدت ميلشيات الدعم السريع وكأنها القوة الأكثر قدرة على المناورة والتمدد السريع داخل الجغرافيا السودانية، فخلال الأسابيع الأولى سيطرت على مساحات واسعة من الخرطوم، وفرضت حضورًا عسكريًا كثيفًا في دارفور والجزيرة، واستفادت من حالة الارتباك داخل مؤسسات الدولة.
لكن بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، بدأت صورة القوة الصلبة والمتماسكة تتعرض لتصدعات متتالية، كان أبرز مظاهرها موجة الانشقاقات المتزايدة داخل صفوفها.
هذه الانشقاقات تعد بمثابة مؤشر سياسي وعسكري على أزمة أعمق تتعلق بطبيعة تكوين الدعم السريع نفسه، وحدود قدرته على الاستمرار كقوة موحدة في حرب طويلة ومعقدة.
في البدايات، اعتمد الدعم السريع على معادلة بسيطة لكنها فعالة: المال والسلاح والولاء القبلي.
فالقوة التي نشأت أساسًا من رحم الميليشيات القبلية في دارفور، لم تُبنَ وفق نموذج جيش عقائدي أو مؤسسة عسكرية نظامية، بل على شبكة واسعة من التحالفات المحلية والمصالح الاقتصادية والروابط العشائرية.
هذه البنية منحتها سرعة هائلة في التوسع والتجنيد، لكنها في الوقت نفسه جعلتها أكثر هشاشة من الداخل عند تغير موازين القوة.
ومع تحول الحرب من معارك خاطفة إلى حرب استنزاف طويلة، بدأت التناقضات الداخلية تظهر تدريجيًا، حيث الخسائر البشرية ارتفعت، والضغوط الدولية تصاعدت، والاتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين أصبحت عبئًا سياسيًا وأخلاقيًا على بعض الحواضن القبلية والاجتماعية التي وفرت للدعم السريع جزءًا مهمًا من شرعيته المحلية.
وسط هذا المشهد، جاءت انشقاقات بعض القادة الميدانيين لتكشف حجم التصدع الحقيقي داخل البنية الداخلية للقوات.
كان انشقاق أبو عاقلة كيكل من أخطر الضربات التي تلقاها الدعم السريع.
كيكل، الذي يمتلك نفوذًا واسعًا في ولاية الجزيرة، عاد إلى صفوف الجيش السوداني في أكتوبر 2024 بعد فترة تحالف مع الدعم السريع عبر قوات “درع السودان”. أهمية الخطوة لم تكن فقط في انتقال قائد ميداني، بل في انتقال شبكة نفوذ محلية كاملة معها. وبعد هذا الانشقاق بفترة قصيرة، بدأت قوات الدعم السريع تفقد جزءًا مهمًا من سيطرتها في الجزيرة وود مدني، ما جعل كثيرًا من المراقبين يعتبرون تلك اللحظة بداية التراجع البنيوي الحقيقي داخل المشروع العسكري للدعم السريع.
ثم جاءت انشقاقات أخرى في كردفان ودارفور لتؤكد أن الأزمة لم تعد معزولة.
اللواء النور أحمد آدم “النور القُبة” أعلن انشقاقه في توقيت حساس كانت فيه قوات الدعم السريع تواجه ضغوطًا عسكرية متزايدة. التقارير لمتداولة ربطت خطوته بحالة استياء داخلية بسبب ضعف الإمدادات، وتراجع فرص الحسم، واتساع الفجوة بين القيادات العليا والمقاتلين على الأرض.
الأمر نفسه تكرر مع علي رزق الله المعروف بـ“السافنا”، أحد أبرز الوجوه المثيرة للجدل داخل الدعم السريع، والذي لم يكتفِ بالانشقاق، بل دعا علنًا إلى إنهاء الحرب، في دلالة على ظهور تيار داخلي بدأ يشكك في جدوى استمرار القتال نفسه.
وفي شمال كردفان، برز اسم بشارة الهويرة ضمن سلسلة الانشقاقات التي حملت دلالة مختلفة؛ إذ أظهرت أن الجيش السوداني بدأ ينجح تدريجيًا في اختراق البيئات التقليدية الحاضنة للدعم السريع، وليس فقط مواجهته عسكريًا.
أما أحدث الانشقاقات المتداولة حتى مايو 2026 فكان انشقاق أبكر مايري، قائد “المجموعة 15” بقطاع كردفان، الذي أعلن انضمامه إلى الجيش بكامل قواته وعتاده، في توقيت يتزامن مع تضييق الخناق على خطوط إمداد الدعم السريع وتزايد الضغوط حول الفاشر وكردفان.
اللافت في هذه الانشقاقات أن معظمها خرج من مناطق النفوذ القبلية والمحلية التي شكلت العمود الفقري للدعم السريع، وهذا يعني أن الأزمة لم تعد مجرد تراجع عسكري، بل أزمة ثقة داخلية تتعلق بتوزيع النفوذ والموارد ومستقبل القوة نفسها بعد انتهاء الحرب.
فالكيانات المسلحة ذات الطبيعة الشبكية والقبلية تستطيع التمدد بسرعة في لحظات الفوضى -تنظيم "داعش" نموذجًا- لكنها تواجه صعوبة أكبر في الحفاظ على التماسك خلال الحروب الطويلة. ومع كل تراجع ميداني، يصبح الولاء أكثر هشاشة، وتتحول التحالفات من روابط ثابتة إلى حسابات بقاء ومصلحة.
وفي المقابل، يحاول الجيش السوداني استثمار هذه الانشقاقات ليس فقط لتحقيق مكاسب عسكرية مباشرة، بل لتفكيك الدعم السريع من الداخل عبر تقديم نفسه باعتباره الطرف الأكثر قدرة على البقاء وإعادة تشكيل الدولة السودانية مستقبلًا، حيث يملك الشرعية الدولية والمحلية، ويُعلي من القيمة الوطنية علر المصالح الشخصية والولاءات الخارجية.
لكن رغم ذلك، لا يعني تزايد الانشقاقات أن الدعم السريع اقترب بالضرورة من الانهيار الكامل، فالقوة ما زالت تمتلك مصادر تمويل، وشبكات إمداد، ونفوذًا واسعًا في أجزاء من دارفور، كما أنها بدأت تعتمد بشكل أكبر على حرب الاستنزاف والطائرات المسيّرة والضربات غير التقليدية وتجنيد المزيد من المرتزقة، لتعويض خسائرها الميدانية.
ومع ذلك، فإن المؤكد أن الدعم السريع لم يعد ذلك الكيان المتماسك الذي ظهر في بداية الحرب.
فالانشقاقات الحالية تكشف أن الحرب السودانية دخلت مرحلة جديدة: مرحلة إعادة تفكيك التحالفات، وصراع مراكز القوى داخل المعسكرات نفسها، لا مجرد مواجهة مباشرة بين الجيش والدعم السريع.
وفي بلد شديد التعقيد مثل السودان، غالبًا لا تبدأ نهاية الميلشيات المسلحة بالهزيمة العسكرية المباشرة، بل تبدأ حين يتآكل الإيمان الداخلي بإمكانية الانتصار.