"الماريونيت" يعود إلى الحياة من بوابات المترو.. وزارة الثقافة تنقل سحر العرائس إلى قلب الشارع المصري
الخميس، 14 مايو 2026 05:27 م
أ ش أ
أعادت وزارة الثقافة، في مشهد يمزج بين سحر الماضي وروح الحاضر، إحياء فن العرائس المتحركة «الماريونيت» عبر عروض فنية داخل محطات مترو الأنفاق، في خطوة مبتكرة تستهدف الوصول بالفنون إلى المواطنين في أماكنهم اليومية، وتحويل محطات النقل إلى مساحات نابضة بالإبداع والبهجة.
وتعكس المبادرة رؤية ثقافية جديدة تقوم على كسر النمط التقليدي للعروض الفنية، وعدم انتظار حضور الجمهور إلى المسارح وقاعات العرض، بل الذهاب إليه في قلب الشارع المصري، حيث الحركة اليومية والزحام والإيقاع السريع للحياة، لتصبح الثقافة جزءًا من تفاصيل اليوم العادي للمواطن.
ويُعد فن «الماريونيت» أحد أقدم وأرقى فنون العرائس المتحركة في العالم، ويعتمد على تحريك الدمى بخيوط دقيقة تمنحها قدرة مدهشة على التعبير والحركة، بما يخلق حالة فنية تجمع بين التمثيل والموسيقى والاستعراض البصري. وقد ارتبط هذا الفن عبر عقود طويلة بذكريات أجيال كاملة من المصريين، خاصة مع ازدهار مسرح العرائس في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حين أصبح جزءًا أصيلًا من الوجدان الثقافي المصري.
وشهدت مصر عبر تاريخها الحديث اهتمامًا كبيرًا بفنون العرائس، التي لعبت دورًا مهمًا في تشكيل وعي الأطفال وتقديم رسائل تربوية وفنية بصورة مبسطة وجذابة، لتظل عروض العرائس إحدى علامات النوستالجيا الفنية المرتبطة بذكريات الطفولة والبهجة العائلية.
وعن التجربة، يؤكد المخرج محمد نور مدير فرقة مسرح القاهرة للعرائس الأسبق أن مبادرة وزارة الثقافة المصرية لإحياء فن العرائس المتحركة داخل محطات مترو الأنفاق تمثل تجربة فنية وإنسانية تستهدف جمهورًا واسعًا في مساحة يومية تجمع مختلف فئات المجتمع، مشيرًا إلى أن محطات المترو تعد “ملتقى لكل الناس” في أثناء تنقلاتهم اليومية.
وأوضح نور، لوكالة أنباء الشرق الأوسط، أن طبيعة المكان تفرض نوعًا مختلفًا من العروض الفنية يعتمد على السرعة والبساطة والخفة، نظرًا لأن جمهور المترو يعيش حالة دائمة من الحركة والانتظار والانتقال من رحلة إلى أخرى، لافتًا إلى أن هذه الفقرات الفنية القصيرة تضيف بعدًا حضاريًا وترفيهيًا يخفف من مشقة التنقل اليومي ويمنح الركاب حالة من المتعة البصرية والفنية.
وفيما يتعلق بدور المبادرة في إعادة تقديم فن العرائس للأجيال الجديدة، أشار نور إلى أن ما يُقدَّم داخل محطات المترو يظل في إطار الفقرات التعريفية والترفيهية المبسطة، وليس عروضًا مسرحية متكاملة بتقنياتها الفنية المعروفة، مشيرا إلى أن مسرح العرائس يعتمد على منظومة فنية متكاملة تشمل النص الدرامي، والإضاءة، والموسيقى، والإخراج، وتقنيات التحريك، إلى جانب البناء الدرامي الكامل للشخصيات، وهو ما يصعب تقديمه داخل فضاء سريع ومفتوح مثل محطات المترو.
وتحدث نور عن طبيعة فن العرائس، مؤكدًا أنه فن قائم بالأساس على الخيال والفانتازيا والإبهار، كما يحمل في جوهره طابعًا ساخرًا يرتبط بقضايا المجتمع وهمومه، لافتا إلى أن البدايات الأولى لفن الأراجوز كانت تقوم على التعبير عن نبض الشارع وانتقاد الظواهر المجتمعية بصورة ساخرة، قبل أن يتطور لاحقًا إلى شكل مسرحي متكامل يمتلك أدواته وتقنياته الخاصة.
وأشار إلى أن فن العرائس لم يعد مقتصرًا على الطفل فقط، بل أصبح فنًا دراميًا قادرًا على مخاطبة مختلف الفئات العمرية والقضايا الإنسانية والاجتماعية، من خلال عروض تعتمد على عناصر المسرح الحديثة كافة.
وفي سياق توظيف الفن في نشر الوعي والقيم المجتمعية، أكد نور أن فن العرائس يحمل رسائل تربوية وثقافية مهمة، موضحًا أن الاهتمام الرسمي بهذا الفن في مصر يعود إلى إدراك دوره التوعوي والتربوي، خاصة في مخاطبة الأطفال عبر شخصيات محببة وقريبة منهم.
وأضاف أن العلاقة الوجدانية بين الطفل والعرائس تتيح تقديم القيم والمعلومات بصورة غير مباشرة، من خلال الحكايات والشخصيات الدرامية، بعيدًا عن أسلوب الوعظ المباشر، بما يساعد على ترسيخ السلوكيات الإيجابية وتقديم نماذج إنسانية مؤثرة يقتدي بها الأطفال.
وتأتي إعادة تقديم «الماريونيت» داخل محطات المترو لتربط بين عبق الماضي وروعة الإنجاز الحديث، في ظل ما تشهده مصر من طفرة ضخمة في مشروعات النقل والبنية التحتية، وعلى رأسها شبكة مترو الأنفاق التي أصبحت واحدة من أكبر وأهم مشروعات النقل الجماعي في الشرق الأوسط. فداخل هذه المحطات الحديثة، يجد المواطن نفسه أمام مشهد فني غير متوقع يعيد إليه دفء الذكريات وسط إيقاع المدينة المتسارع.
وتحمل الفكرة بعدًا إنسانيًا وثقافيًا واضحًا، إذ تسعى إلى رسم البهجة على وجوه المواطنين، وخاصة الأطفال والجيل الجديد، من خلال عروض بسيطة وقريبة ومباشرة، تُقدم بأقل التكاليف وأسرع الوسائل، لكنها تحمل أثرًا نفسيًا وثقافيًا كبيرًا.
كما تمثل هذه العروض محاولة لإعادة الأطفال إلى التفاعل الحي والمباشر مع الفنون، بعيدًا عن العزلة التي فرضتها شاشات الهواتف المحمولة والتلفزيون، حيث يمنح فن العرائس تجربة بصرية وإنسانية مختلفة تقوم على التفاعل والانبهار اللحظي والمشاركة الوجدانية.
وتؤكد هذه التجربة أن الثقافة قادرة على التجدد والخروج من الأطر التقليدية، عبر أفكار مبتكرة تلامس الناس بصورة مباشرة، وتعيد للفنون دورها الحقيقي في صناعة الوعي والجمال ونشر السعادة في المجتمع.
بدوره ، أكد المخرج وفنان العرائس ناصر عبد التواب ، الذي شارك في المبادرة ، أن مبادرة وزارة الثقافة لإعادة إحياء روح مسرح العرائس من خلال تقديم عروضه داخل محطات مترو الأنفاق، تُعد من المبادرات المهمة التي تسهم في توصيل المنتج الثقافي والفني إلى مختلف فئات الجمهور.
وأشار إلى أن تجربة تقديم العروض داخل المترو كانت تجربة مميزة وثرية بالنسبة له، خاصة أنه شارك ضمن كتيبة الفنانين المشاركين في هذه التجربة من خلال عروض لفن الأراجوز.
وأوضح أنه شارك في المبادرة سواء مع فرقة الأراجوز المصري والعرائس التابعة لقصر ثقافة العمال بشبرا الخيمة بالهيئة العامة لقصور الثقافة، أو من خلال المركز القومي لثقافة الطفل، مؤكدًا أن هذه العروض لا تقتصر على الجانب الترفيهي فقط، بل تحمل أيضًا رسائل تربوية وثقافية تسهم في الحفاظ على الهوية الثقافية المصرية.
وأضاف أن فن العرائس يعد أحد أهم فنون الشارع التي كان لها حضور وتأثير كبير في الماضي، معربا عن أمله في أن تعيد هذه المبادرات الفن إلى مكانته الطبيعية في الشارع المصري و تصل عروضه إلى كل ربوع مصر،سواء في المدن أو القرى، بالريف أو الحضر.
وأشار إلى أن الفنون تمثل ضرورة إنسانية مهمة، خاصة بالنسبة للأطفال، لافتًا إلى أن فن العرائس يمتلك قدرة خاصة على جذب الطفل بعيدا عن شاشات الهواتف المحمولة، كما يساعد على تنمية الخيال والوجدان والإبداع لديه.
وأكد أن فن العرائس، بكل أشكاله وليس الماريونيت فقط، يظل فنا قائما على الدفء الإنساني، ويتطلب مهارة كبيرة من الفنان القادر على بث الروح والمشاعر في عروسة صامتة الملامح، لتعبر عن الفرح أو الحزن عبر حركة الأصابع أو الخيوط، وهو ما يمنح هذا الفن سحره وتأثيره الخاص لدى الجمهور.