الفرنساوي

الأحد، 17 مايو 2026 07:42 ص
الفرنساوي
عبد الحليم محمود

هناك جمل لا تُقال في الدراما، بل تُزرع داخلها مثل فكرة مؤجلة، تظل هادئة حتى تنتهي الحلقة، ثم تبدأ فجأة في الكلام داخل رأسك.
 
وفي  مسلسل "الفرنساوي"، الذي يقوم ببطولته الممثل عمرو يوسف، تبدو البداية وكأنها لا تقدّم مسلسلًا بقدر ما تفتح بابًا لسؤال قديم: ماذا يحدث للإنسان حين يمتلك القدرة على تفسير العدالة؟
 
إهداء العمل إلى روح الكاتب الكبير وحيد حامد لم يكن تفصيلًا عابرًا، خصوصًا مع استدعاء الجملة الأشهر من "طيور الظلام": "القانون زي ما بيخدم الحق بيخدم الباطل". وجمال هذه الجملة أنها لا تتهم القانون، بل تكشف الإنسان. فالنصوص غالبًا تبقى كما هي، أما الذي يتغير فهو اليد التي تستخدمها، والعقل الذي يبررها، والرغبة الخفية في الوصول إلى ما نريد، حتى لو مررناه من باب يبدو مشروعًا.
 
وهنا يدخل خالد، الشخصية التي يقدمها عمرو يوسف، لا كمحامٍ تقليدي يعرف كيف يكسب القضايا فقط، بل كرجل يتحرك داخل منطقة لا تكون فيها الحقيقة واضحة تمامًا، ولا الباطل واضحًا تمامًا أيضًا. هو يعرف كيف يتحدث، وكيف يناور، وكيف يجعل الأشياء تبدو مقنعة، لكن الإنسان لا يخاف دائمًا من أن يُهزم أمام الآخرين، بل من تلك اللحظة التي يهدأ فيها كل شيء، ولا يبقى أمامه إلا صوته الداخلي.
 
في الحلقات الأولى حتى الرابعة، كان المسلسل يتحرك بثقة لافتة. الإيقاع سريع، والحوار يحمل توترًا حقيقيًا، وهناك شعور بأن كل شخصية تخفي أكثر مما تقول. لم يكن التشويق قائمًا على المفاجآت وحدها، بل على ذلك القلق الهادئ الذي يجعل المشاهد يشعر أن كل شخص في هذا العالم يمكن أن يكون بريئًا ومذنبًا في الوقت نفسه، بحسب الزاوية التي تنظر منها.
 
لكن مع الحلقتين الخامسة والسادسة، تباطأ الإيقاع قليلًا، وكأن العمل قرر أن يعود خطوة إلى الخلف ليرتب أوراقه من جديد. بعض الخطوط الدرامية فقدت اندفاعها، وبدا وكأن المسلسل يعيد تقديم نفسه مرة أخرى بعد بداية كانت أكثر حدة وتركيزًا. وربما لا تُعد هذه أزمة حقيقية حتى الآن، لكنها لحظة اختبار مهمة، لأن الأعمال التي تعتمد على التوتر النفسي لا تحتمل الوقوف طويلًا في المكان نفسه.
 
ومع ذلك، يظل "الفرنساوي" مختلفًا لأنه لا يقدّم شخصيات مطمئنة. لا أحد هنا يملك الحقيقة كاملة، ولا أحد يبدو شريرًا بالمعنى السهل. الجميع يتحرك داخل منطقة رمادية، حيث يستطيع الإنسان أن يدافع عن الشيء ونقيضه بالكلمات نفسها، وبالثقة نفسها أيضًا.
 
وربما لهذا يبدو العمل أقرب إلى الحياة من كثير من الأعمال الأخرى. لأن الإنسان لا يعيش دائمًا وفق ما يقوله أمام الناس، بل وفق ما يعرفه في داخله، حتى لو لم يعترف به. هناك دائمًا مساحة لا تصل إليها المحاكم، ولا تسمعها المرافعات، ولا تُكتب في الأحكام. مساحة يبقى فيها الإنسان وحده تمامًا، بلا شهود، وبلا قدرة على المراوغة.
 
وفي تلك اللحظة تحديدًا، لا يعود السؤال: هل كسب القضية؟
 
بل: هل استطاع أن يطمئن إلى نفسه بعد أن كسبها؟
 
فبعض الانتصارات تغلق الملفات، لكنها تترك الإنسان وحيدًا أمام نفسه.

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق