مبروك لنادي الزمالك
السبت، 23 مايو 2026 06:39 م
عبد الحليم محمود
في كرة القدم لا تُكتب الحكايات بالأهداف وحدها، بل تُكتب بالفلسفة التي تقف خلف كل فريق، وكأن كل نادٍ مدرسة لها طريقتها الخاصة في فهم اللعبة، بل في فهم الحياة نفسها. ومن هذا المنظور تبدو كرة القدم المصرية مساحة واسعة لاختلاف الرؤى قبل اختلاف النتائج، حيث تتجاور المدارس وتتصادم، ثم تترك لنا في النهاية متعة الفهم قبل متعة الانتصار.
وأنا، ومنذ نعومة أظافري، كنت أرى أن النادي الأهلي يجسد فكرة المساحات الواسعة والضربة القاضية؛ فريق يعرف كيف يختصر المباراة في لحظة حاسمة، وكيف يحسم التفاصيل الكبيرة دون إطالة. لذلك ارتبط اسمه في الذاكرة بنجوم هجوم صنعوا تاريخًا خاصًا، مثل محمود الخطيب الذي كان يسبق الفكرة إلى المرمى، ومحمد ابو تريكه الذي جعل من الهدوء طريقًا للحسم، ومن اللحظة البسيطة قرارًا نهائيًا لا رجعة فيه.
في المقابل، يمثل نادي الزمالك مدرسة مختلفة في التفكير داخل الملعب؛ مدرسة تعتمد على اللعب الجماعي، وإتقان المساحات الضيقة، والدقة في التفاصيل الصغيرة. هو فريق لا يقوم على الفرد بقدر ما يقوم على المنظومة، ولا يراهن على الحلول السريعة بقدر ما يراهن على بناء الهجمة خطوة بخطوة، حتى تكتمل الفكرة في صورتها النهائية.
ومن هنا يظهر الفارق بين المدرستين لا بوصفه صراعًا، بل بوصفه تنوعًا: مدرسة ترى في المساحات الواسعة طريقًا للحسم والإنهاء، وأخرى ترى في المساحات الضيقة طريقًا لصناعة الجمال وبناء النتيجة. وكلاهما يقدم شكلًا مختلفًا من المتعة، ويكشف أن كرة القدم ليست قالبًا واحدًا، بل احتمالات متعددة للفهم والإبداع.
وجاء تتويج نادي الزمالك بلقب الدوري الممتاز للمرة الخامسة عشرة في تاريخه ليؤكد حضور هذه المدرسة بقوة هذا الموسم، بعد منافسة قوية حتى الجولة الأخيرة مع الأهلي وبيراميدز. لم يكن اللقب مجرد رقم يُضاف إلى السجل، بل كان تأكيدًا على أن الالتزام بالفكرة، والدقة في التنفيذ، والعمل الجماعي، يمكن أن يقود إلى القمة حتى في أصعب الظروف.ورغم أنني أهلاوي، فإنني أقولها بوضوح: هذا الإنجاز يستحق الاحترام والتقدير.
وفي النهاية تبقى كرة القدم أكبر من الانتماء الضيق، وأوسع من حدود الفوز والخسارة. نحن لا نشجع فرقًا فقط، بل نشجع طرقًا مختلفة في التفكير، ونختلف لنفهم، ونفهم لنحترم. وفي هذا الاختلاف تكمن متعة اللعبة وجمالها الحقيقي.