صفر مستحقات.. 10 يونيو موعد نهائي من الحكومة لقهر كرة الثلج وتصفية ملف مديونيات الشركات البترول الأجنبية

السبت، 06 يونيو 2026 07:07 م
صفر مستحقات.. 10 يونيو موعد نهائي من الحكومة لقهر كرة الثلج وتصفية ملف مديونيات الشركات البترول الأجنبية
هبة جعفر

في خطوة قوية وهامة أعلنت الحكومة المصرية إن 10 يونيو الجارى، الذى يوافق الأربعاء من هذا الأسبوع، سيكون نهاية ملف "مستحقات الشركات الأجنبية العاملة بقطاع البترول"، وذلك قبل الموعد المحدد سابقاً بـ30 يونيو، فبعد أن سجلت هذه المديونيات مستويات حرجة، استطاع الالتزام المالي الحكومي الأخير تحقيق هبوط تاريخي في حجم المستحقات بنسبة تجاوزت 93%، لتقترب مصر رسميًا من إغلاق هذا الملف بالكامل والوصول بالمديونية إلى "صفر مستحقات"، وهي خطوة جوهرية تستهدف إعادة كسب ثقة المستثمرين الاجانب في الاقتصاد المصري وقدرته على الصمود فى ظل الأوضاع الاقتصادية المتأزمة، وتأتي أهمية هذه الخطوة ليس فقط فى الثقة التى تستعدها الدولة ولكن أيضا فى دفع عجلة الإنتاج وفتح المجال أمام استكشافات جديدة، والبحث عن حقول جديدة وبالتالي زيادة الانتاج وتقليص الفجوة بين الانتاج والاستهلاك وبالتالي تقليص فاتورة الاستيراد.

 وبالعودة إلى تاريخ تفاقم المديونية سنجد إنها لم تكن وليدة الصدفة، بل نتاج تداخل عدة عوامل هيكلية واقتصادية محليًا ودوليًا، بدأت بالتباين بين الاسعار والدعم المقدم من الحكومة، بقيام هيئة البترول بشراء حصص الشركاء الأجانب من الغاز والزيت بالعملة الصعبة لضخها في السوق المحلي (خاصة لمحطات الكهرباء والمصانع) بأسعار مدعومة، مما شكل عبئًا ماليًا ضخمًا على ميزانية الوزارة، وتأتي أزمة النقد الأجنبي السابقة كسبب مباشر لارتفاع المديونية، حيث عانت مصر في فترات سابقة من شح السيولة الدولارية، مما دفع الحكومة لإعطاء الأولوية لتوفير السلع الأساسية واستيراد الشحنات الفورية للطاقة، على حساب الانتظام في سداد فواتير الشركاء الأجانب، فضلا عن أن تراجع إنتاج بعض الحقول المتقادمة دفع الدولة لزيادة الاعتماد على حصص الشركاء بالكامل لتلبية احتياجات السوق، مما أدى لتسارع وتيرة تراكم المستحقات.

وفى 2024 ارتفعت مديونية البترول حتى بلغت 6.1 مليار دولار، الأمر الذي دفع الدولة لاتخاذ خطوات حاسمة لغلق الملف، واعتمدت خطة مرنة ومتعددة المحاور لإنهاء الأزمة وضمان عدم عودتها بدأ من اتباع آلية السداد الشهري المنتظم بتحويل دفعات دورية مجدولة وثابتة لشركات النفط، مما يضمن تدفقًا ماليًا مستمرًا للشركاء يمنع تراكم أي فواتير جديدة.

وبدأت خطة "صفر مستحقات" من خلال استغلال التدفقات والنقد الأجنبي وتوجيه جزء مباشر من السيولة الدولارية الناتجة عن الاستثمارات الضخمة وتحسن احتياطي النقد الأجنبي لصالح قطاع الطاقة وتخصيص شحنات من الغاز المسال من مصانع الإسالة (مثل إدكو) وتصديرها لصالح الشركات الأجنبية مباشرة كآلية عينية لتسوية المستحقات، فضلا عن إطلاق سياسات تحفيزية تسمح للشركات بزيادة إنتاجها والاحتفاظ بجزء من الإنتاج الإضافي لتصديره أو بيعه بأسعار تنافسية، وهو ما ظهرت ثماره سريعًا مثل إعلان شركة "دانة غاز" تسلّم كامل مستحقتها المتأخرة والعودة للنمو وضخ استثمارات جديدة بقيمة 100 مليون دولار بدلتـا النيل.

واوضح المهندس كريم بدوى وزير البترول، إن خفض المستحقات والانتظام في السداد حفز عديداً من الشركاء على ضخ مزيد من الاستثمارات اللازمة لزيادة حجم الإنتاج، كما عزز من الثقة، مشيراً في هذا الصدد إلى تراجع قيمة المستحقات من 6.1 مليار دولار في 30 يونيو 2024، إلى 1.3 مليار دولار في مارس 2026، ثم إلى 714 مليون دولار في أبريل 2026، وصولاً إلى 440 مليون دولار في مايو 2026، مؤكداً أنه سيتم الانتهاء من تسوية كامل المستحقات والوصول إلى صفر مستحقات، بحلول 10 يونيو الجارى، قبل الميعاد الذي كان قد تقرر في هذا الصدد للانتهاء منها في 30 يونيو، ووفق هذا المسار تكون مصر قد خفضت المتأخرات بأكثر من 5.6 مليار دولار مقارنة بمستواها في يونيو 2024.

فى السياق نفسه، تطرق "بدوى" إلى خطة الحفر الاستكشافي والتنموي للبحر المتوسط خلال عام 2026، والتواريخ المتوقعة لبدء الإنتاج، من جانب عدد من الشركات العالمية، منها «شل»، و«بي بي»، و«أركيوس»، و«إيني»، و«شيفرون»، و«إكسون موبيل»، واستعرض بدوي، عدداً من الاكتشافات الجديدة الكبيرة، مشيراً إلى من بين هذه الاكتشافات ما حققته شركة "عجيبة" للبترول، حيث حققت كشفاً جديداً مهماً للغاز والزيت الخام في الصحراء الغربية، حيث يعد هذا الكشف من خلال البئر الاستكشافية "بستان جنوب 1" هو الأكبر للشركة خلال آخر 15 عاماً، ومن المتوقع أن يوفر نحو 330 مليار قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، ونحو 10 ملايين برميل من المتكثفات البترولية والزيت الخام، بإجمالي احتياطيات تقدَّر بنحو 70 مليون برميل مكافئ، منوهاً في الوقت نفسه إلى بدء أعمال حفر بئر جديدة بحقل "نرجس" للغاز الطبيعي بالبحر المتوسط، والذي من شأنه أن يسهم في زيادة حجم الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي، وتقليل فاتورة الاستيراد، بما يدعم أمن الطاقة في مصر.

ولفت الوزير إلى ما تم الإعلان عنه مؤخراً من خطط لشركتي "شل"، و"شيفرون" لحفر بئر جديدة "فيلوكس" في غرب المتوسط، فضلاً عن مذكرة التفاهم التي تم توقيعها مؤخراً بمجلس الوزراء بين شركة "إيجاس" وشركة "توتال" لإقامة شراكة استراتيجية لاستكشاف الإمكانات البترولية في منطقة بحرية بغرب المتوسط، كما تناول بدوي مستجدات المسح السيزمي خلال الفترة من يناير إلى مايو الجاري، والذي يتضمن إجمالي أطوال على مراحل، تصل إلى أكثر من 5600 كم، ومساحة تصل إلى 100 ألف كم2.

وفيما يتعلق بتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي رئيسي لتجارة وتداول الغاز الطبيعي في شرق المتوسط، أشار وزير البترول إلى موافقة الجانب القبرصي على خطة تطوير وإنتاج حقل "كرونوس"، والبدء في تصدير أولى شحنات الغاز الطبيعي إلى الأسواق الاوروبية عبر مصر بحلول عام 2028.

وتأتى أهمية غلق ملف "مديونية شركات البترول" ليس فقط فى عودة ثقة المستثمر الأجنبي، لكن الأهم إن قطاع البترول يعتمد بشكل اساسي على عمليات البحث والتنقيب والاستكشافات المستمرة، فالحقول وخصوصًا حقول الغاز البحرية العميقة تحتاج إلى إنفاق مستمر على الحفر والصيانة والتنمية وإدارة الضغط داخل المكامن، وبالتالي تأخر صرف المستحقات المالية للشركات ينعكس على تقليل الإنفاق على اعمال الحفر والصيانة للآبار القائمة بالفعل، وبالتالى تراجع الإنتاج من الغاز والنفط، عندما تحصل الشركات الأجنبية على مستحقاتها تصبح أكثر استعدادًا لتوسيع ميزانيات البحث والاستكشاف وتحريك حفارات جديدة وتسريع تنمية الاكتشافات القائمة. هذا لا يعني أن سداد المستحقات سيؤدي تلقائيًا إلى اكتشافات ضخمة لكنه يفتح الباب أمام زيادة النشاط الاستكشافي وكلما زاد عدد الآبار المحفورة ارتفعت فرص الوصول إلى اكتشافات جديدة أو إضافة إنتاج من حقول قائمة.

وخلال 2025 و2026 بدأت مصر تتحرك لإعادة تنشيط برامج الحفر والتطوير في ظهر وحقول أخرى. حيث ظهرت عمليات تطوير آبار جديدة في ظهر وأن بئر “ظهر-9” اكتمل حفرها في أكتوبر 2025 بإنتاج متوقع يصل إلى 70 مليون قدم مكعبة يوميًا بينما بدأ العمل على بئر “ظهر-13” لإضافة نحو 55 مليون قدم مكعبة يوميًا، كما أعلنت إيني خططًا لاستثمار 8 مليارات دولار في مصر خلال خمس سنوات لتوسيع الحقول القائمة والبحث عن فرص جديدة.

 وتكمن أهمية "تصفير الحسابات" أيضا فى تحقيق مصر لدورها السابق بتحقيق الاكتفاء الذاتى من الملف لا ترتبط بالشركات الأجنبية فقط، لكنها مرتبطة بتوازن سوق الطاقة في مصر فتراجع إنتاج الغاز خلال السنوات الأخيرة أجبر الدولة على تقليص صادرات الغاز الطبيعي المسال وزيادة الاعتماد على الاستيراد لتلبية الطلب المحلي، خاصة في أوقات الذروة الصيفية، الأمر الذي اثر على مكانة مصر والتي كانت مصدرًا إقليميًا للغاز أصبحت تعتمد بشكل أكبر على الواردات بسبب تقادم بعض الحقول وبطء الاستثمار في مصادر جديدة مع انخفاض إنتاج الغاز بأكثر من 40% مقارنة بمستوى مارس 2021 حتى مايو 2025.

تصفير المستحقات يأتي بالتوازي مع محاولات لجذب شركات كبرى إلى جولات حفر جديدة في البحر المتوسط. ففي سبتمبر 2025 وقعت الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية "إيجاس" اتفاقًا مبدئيًا مع "بي بي"  لحفر خمس آبار غاز جديدة في البحر المتوسط ضمن استراتيجية وزارة البترول لزيادة البحث والإنتاج في ظل تراجع الإنتاج المحلي وارتفاع الطلب، كما وقعت مصر اتفاقيات استكشاف أخرى مع شركات عالمية بينها شل وإيني وأركيوس إنرجي.

كل زيادة في إنتاج الغاز المحلي تعني تقليل الحاجة إلى استيراد شحنات غاز مسال أو وقود لتشغيل محطات الكهرباء والصناعة، لذلك فانتهاء ملف المستحقات هو استثمار غير مباشر في خفض فاتورة الاستيراد مستقبلًا فإذا عادت الشركات إلى الحفر والتنمية بوتيرة أسرع يمكن لمصر أن تقلل الضغط على العملة الأجنبية من باب واردات الطاقة.

وتمتلك مصر بنية تحتية نادرة في شرق المتوسط تشمل محطتي إسالة الغاز في إدكو ودمياط وشبكة نقل محلية واسعة وموقعًا قريبًا من أوروبا واتفاقات إقليمية مع دول مثل قبرص لذلك فإن استقرار الإنتاج المحلي مهم للحفاظ على دور مصر كمركز إقليمي لتداول وتسييل الغاز خاصة مع خطط تصدير الغاز القبرصي عبر مصر إلى أوروبا بحلول 2028.

 وترتكز استراتيجية وزارة البترول فى الفترة القادمة على ستة محاور رئيسية تشمل زيادة الإنتاج المحلي، وتعظيم القيمة المضافة في أنشطة التكرير والبتروكيماويات، والانطلاق بقطاع التعدين، وتحقيق المزيج الأمثل للطاقة بالتعاون مع وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، وتعزيز معايير السلامة وحماية البيئة، ودعم التعاون الإقليمي لترسيخ مكانة مصر كمركز إقليمي لتداول الطاقة تحقيق تقدم ملحوظ في أعمال البحث والاستكشاف والتنمية بما أسهم في تلبية الاحتياجات المحلية وتقليل الاستيراد.

وتم توسيع قاعدة الفرص الاستثمارية من خلال طرح مزايدات عالمية جديدة بمناطق مختلفة ليصل إجمالي الفرص المتاحة إلى 64 فرصة استثمارية عبر بوابة مصر الرقمية للاستكشاف، كما أطلقت حزمة من المحفزات الخاصة بزيادة إنتاج الغاز والزيت الخام من خلال تطبيق نماذج اتفاقيات أكثر مرونة واستخدام أحدث تقنيات المسح السيزمى، بما يشجع الاستثمار في المناطق مرتفعة المخاطر ويعزز من فرص الاستكشاف وزيادة الإنتاج بصورة تدريجية ومستدامة.

وتستهدف شركات إينى وبى بى وأركيوس ضخ استثمارات خلال الخمس سنوات المقبلة تقدر بنحو 16.7 مليار دولار، إلى جانب مواصلة شركات شل وإكسون موبيل وشيفرون وأباتشى تنفيذ خططها الاستثمارية في مصر، لافتاً إلى وضع برنامج استكشافى طموح يستهدف حفر 484 بئراً استكشافياً خلال خمس سنوات بإجمالى استثمارات تقدر بنحو 5.2 مليار دولار، من بينها 101 بئر خلال العام  الجاري.

 

 

 

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة