خطة إنقاذ القلاع الصناعية

السبت، 06 يونيو 2026 08:46 م
خطة إنقاذ القلاع الصناعية
محمد فزاع

تشغيل 4 الاف مصنع متعثر وخطة عاجلة لإعادة العمل بـ 6 آلاف آخرين

حزم تمويلية وتيسيرات غير مسبوقة ساعدت في نجاح خطة الإنقاذ وتوفير 365 ألف فرصة عمل

الحكومة تراهن المدن الصناعية الجديدة لتقليل الفاتورة الاستيرادية وتحقيق مستهدف 100 مليار دولار صادرات بحلول 2030

إحياء النصر للسيارات بداية قوية لتوطين صناعة السيارات والصناعات المغذية مع التوسع في الصناعات المرتبطة بالسيارات الكهربائية

مدبولى: هدفنا دعم الصناعة الوطنية وزيادة معدلات التصدير وإزالة العقبات التي تواجه المستثمرين والمصنعين

 

وسط تحديات اقتصادية عالمية معقدة، وضغوط متزايدة فرضتها اضطرابات الأسواق الدولية وارتفاع تكاليف الاستيراد والطاقة، وضعت الدولة المصرية ملف الصناعة على رأس أولوياتها باعتباره المسار الأسرع لتحقيق النمو، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود.

ومن هنا، تحركت الحكومة بتوجيهات مباشرة من الرئيس عبد الفتاح السيسي، لإعادة تشغيل المصانع المتعثرة والمغلقة، ليس فقط باعتبارها منشآت إنتاجية توقفت عن العمل، وإنما باعتبارها أصولًا اقتصادية قادرة على العودة سريعًا لدعم الصناعة الوطنية وتوفير فرص العمل وزيادة الصادرات.

وخلال السنوات الأخيرة، تحولت قضية المصانع المتعثرة إلى مشروع دولة متكامل، شاركت فيه وزارات الصناعة والتنمية المحلية والبيئة والقطاع المصرفي، من أجل إعادة الحياة إلى آلاف المصانع التي توقفت نتيجة أزمات تمويلية وتشغيلية وإدارية تراكمت لسنوات.

ومع اتساع نطاق التدخل الحكومي، بدأت النتائج تظهر بصورة واضحة على الأرض، بعدما نجحت الدولة في إعادة تشغيل أكثر من 4 آلاف مصنع حتى الآن، مع وضع خطة عاجلة لإعادة تشغيل نحو 6 آلاف مصنع آخر خلال المرحلة المقبلة.

شملت هذه الجهود مصانع وكيانات صناعية أُعيد تشغيلها أو تطويرها، وكانت في مقدمتها شركة النصر للسيارات التي عادت للإنتاج بعد توقف دام أكثر من 15 عامًا، وتشمل إنتاج الأتوبيسات والميني باص، مع خطط للتوسع في تصنيع السيارات الكهربائية، كما شملت شركة النصر للمسبوكات المتخصصة في إنتاج مواسير الزهر لمشروعات البنية التحتية، وشركة سمنود للوبريات التي استأنفت نشاطها الإنتاجي لتعزيز قطاع النسيج والأقمشة، ومصنع الفيروسيليكون (شركة كيما) الذي أُعيد تشغيله بعد توقف نحو خمس سنوات، والشركة المصرية لبلوكات الأنود الكربونية بالعين السخنة، التي أُعيد تشغيلها بطاقة إنتاجية كبيرة وتصدير أول شحنة، بالإضافة إلى 25 مصنعًا متعثرًا في قطاعات متعددة مثل الزراعة والأسمدة والأعلاف والزجاج، أُعيد تشغيلها بدعم مالي وتقني من مبادرات مصرفية.

وتكشف هذه التحركات عن تحول مهم في فلسفة إدارة الاقتصاد المصري، يقوم على تعظيم الاستفادة من الطاقات الإنتاجية القائمة بدلًا من البدء من الصفر، خاصة أن إعادة تشغيل المصانع المتوقفة أقل تكلفة وأكثر سرعة في تحقيق العائد الاقتصادي والاجتماعي، سواء من حيث زيادة الإنتاج المحلي أو توفير فرص العمل أو تقليل فاتورة الواردات.

كما تعكس الجولات الميدانية المكثفة التي أجراها الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، مؤخراً، داخل المناطق الصناعية المختلفة، حجم الاهتمام الحكومي بمتابعة تنفيذ خطط التطوير والتشغيل على أرض الواقع، في ظل رهان واضح على القطاع الصناعي باعتباره أحد أهم القطاعات القادرة على قيادة النمو الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة، والوصول بالصادرات المصرية إلى مستهدف 100 مليار دولار بحلول عام 2030.

 

المصانع المتعثرة.. من أزمة مزمنة إلى أولوية على طاولة الدولة

ملف المصانع المتعثرة تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد الملفات الاستراتيجية التي تحظى بمتابعة مباشرة من الدولة، في ظل إدراك متزايد بأن الصناعة تمثل العمود الفقري الحقيقي لأي اقتصاد قادر على النمو والاستمرار، ومن هذا المنطلق، وضعت الحكومة خطة واسعة لإعادة تشغيل المصانع المغلقة والمتوقفة، باعتبارها خطوة ضرورية لاستعادة عجلة الإنتاج، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وتعزيز قدرة المنتج المحلي على المنافسة.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن إجمالي عدد المصانع المتعثرة التي خضعت للحصر على مستوى الجمهورية بلغ نحو 11 ألف مصنع، تنوعت مشكلاتها بين تعثرات تمويلية، وأزمات تشغيلية، وصعوبات مرتبطة بتوفير المواد الخام والطاقة، إلى جانب مشكلات إدارية وقانونية عطلت استمرار عدد كبير منها لسنوات طويلة، ومع اتساع حجم الأزمة، تحركت الدولة وفق رؤية تعتمد على التدخل السريع لمعالجة جذور التعثر، بدلًا من الاكتفاء بالحلول المؤقتة.

واعتمدت الحكومة في هذا الملف على آلية عمل متكاملة، شاركت فيها وزارات الصناعة والتنمية المحلية والبيئة، بالتنسيق مع البنك المركزي والقطاع المصرفي، بهدف توفير حلول تمويلية وفنية وإجرائية تسمح بإعادة المصانع إلى دائرة الإنتاج مرة أخرى، وشملت هذه التحركات مبادرات للتمويل منخفض الفائدة، وإعادة جدولة المديونيات، وتقديم تيسيرات ضريبية وإجرائية، إلى جانب تسريع إجراءات التراخيص وتوصيل المرافق للمناطق الصناعية.

وتؤكد الحكومة أن إعادة تشغيل المصانع المتوقفة يمثل خيارًا اقتصاديًا أكثر كفاءة من إنشاء مصانع جديدة بالكامل، خاصة أن هذه المنشآت تمتلك بالفعل بنية تحتية وخطوط إنتاج وعمالة مدربة، ما يجعل إعادة تأهيلها أسرع من حيث العائد الاقتصادي والزمني. كما أن عودة هذه المصانع للعمل تسهم بصورة مباشرة في دعم سلاسل الإمداد المحلية، وتوفير احتياجات السوق، وتقليل الضغط على العملة الأجنبية الناتج عن الاستيراد.

وشدد الدكتور مصطفى مدبولي خلال جولاته الصناعية الشهر الماضى، على أن الدولة تتحرك وفق هدف واضح يتمثل في دعم الصناعة الوطنية وزيادة معدلات التصدير، مؤكدًا أن الحكومة مستمرة في إزالة العقبات التي تواجه المستثمرين والمصنعين، وتقديم مختلف أوجه الدعم للقطاع الصناعي باعتباره أحد أهم القطاعات القادرة على دفع الاقتصاد الوطني خلال المرحلة المقبلة.

 

4 آلاف مصنع يعودون للإنتاج.. أرقام تعكس تحركًا واسعًا على الأرض

بدأت نتائج التحرك الحكومي في ملف المصانع المتعثرة تظهر بصورة واضحة خلال الفترة الأخيرة، بعدما نجحت الدولة في إعادة تشغيل أكثر من 4 آلاف مصنع متوقف ومتعثر في مختلف المحافظات، في خطوة تعكس حجم الجهود المبذولة لإعادة دمج الطاقات الصناعية المعطلة داخل الاقتصاد الوطني، وتحويلها مرة أخرى إلى وحدات إنتاج قادرة على دعم السوق المحلية وزيادة معدلات التشغيل والتصدير.

وتكشف الأرقام الرسمية عن أن الدولة تمكنت من إعادة تشغيل نحو 1420 مصنعًا حتى نهاية عام 2025، إلى جانب تشغيل 1235 مصنعًا ضمن خطة عاجلة جرى تنفيذها خلال نحو 14 شهرًا، فضلًا عن إعادة تشغيل 987 مصنعًا في مراحل سابقة عبر تدخلات مباشرة لمعالجة الأزمات التمويلية والتشغيلية التي واجهتها تلك المنشآت، وتعكس هذه المؤشرات انتقال الدولة من مرحلة حصر المشكلات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي والحلول الواقعية على الأرض.

ولم تتوقف نتائج هذه التحركات عند حدود إعادة دوران خطوط الإنتاج فقط، بل امتدت لتشمل سوق العمل بصورة مباشرة، بعدما ساهمت عودة هذه المصانع إلى النشاط في توفير فرص عمل لنحو 365 ألف عامل، سواء داخل المصانع الكبيرة أو المتوسطة أو الصغيرة، وهو ما مثل دفعة قوية للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، خاصة في ظل التحديات العالمية التي فرضت ضغوطًا على أسواق العمل في العديد من الدول.

كما أسهمت إعادة تشغيل المصانع في تعزيز ثقة المستثمرين والعمال في قدرة الدولة على حماية القطاع الصناعي، بعدما نجحت الحكومة في التدخل لمعالجة أزمات استمرت لسنوات، سواء عبر توفير التمويل، أو إعادة هيكلة الديون، أو حل مشكلات التراخيص والطاقة والمرافق، وهو ما انعكس على عودة عدد من المصانع للعمل بطاقات إنتاجية مرتفعة، مع وضع خطط توسعية جديدة تستهدف زيادة الإنتاج والتصدير خلال السنوات المقبلة.

وتؤكد الحكومة أن هذه النتائج ليست نهاية المطاف، وإنما خطوة ضمن خطة أكبر تستهدف إعادة تشغيل نحو 6 آلاف مصنع آخر خلال المرحلة المقبلة، عبر استمرار برامج الدعم المالي والفني، والتوسع في الشراكة مع القطاع الخاص، وتقديم حوافز جديدة للصناعة المحلية، بما يعزز مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي، ويرفع من قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة التحديات الخارجية.

 

مدبولي من قلب المصانع: الصناعة قاطرة النمو والقطاع الخاص شريك أساسي

وحرص الدكتور مصطفى مدبولي خلال الفترة الأخيرة على توجيه رسائل واضحة تعكس حجم الرهان الحكومي على القطاع الصناعي، عبر سلسلة من الجولات الميدانية المكثفة داخل المدن والمناطق الصناعية، والتي شملت افتتاح وتفقد عدد من المصانع بمدينة السادات بمحافظة المنوفية، ومدينة السادس من أكتوبر بمحافظة الجيزة، في تحرك يعكس اهتمامًا مباشرًا بمتابعة واقع الصناعة على الأرض، والوقوف على احتياجات المستثمرين وخطط التوسع والإنتاج، وخلال جولته الأخيرة التي شملت 7 مصانع متنوعة، أكد رئيس الوزراء أن ما تشهده المصانع المصرية حاليًا يمثل طفرة حقيقية في معدلات الإنتاج والتوسع، مشيرًا إلى أن الدولة بدأت تجني ثمار برامج دعم الصناعة والتصدير التي جرى تنفيذها خلال السنوات الماضية، مشيراً إلى أن جميع المصانع التي شملتها الجولة لديها خطط توسعية تمتد حتى عام 2030، وهو ما يعكس ثقة متزايدة لدى المستثمرين في مستقبل الاقتصاد المصري وقدرة الصناعة المحلية على النمو والمنافسة.

ووصف رئيس الوزراء المصانع التي تفقدها بأنها "قلاع صناعية"، موضحًا أنها تمثل قطاعات استراتيجية متنوعة تشمل الصناعات الغذائية، والمشروبات، والكابلات الكهربائية، والحديد والصلب، والمنتجات الكيماوية، والصناعات الهندسية، وهي قطاعات تراهن الدولة عليها لتعزيز الإنتاج المحلي وزيادة الصادرات وتقليل الفاتورة الاستيرادية.

وتوقف مدبولي بشكل خاص أمام تجربة إحدى الشركات المصرية العاملة في قطاع المشروبات الغازية، والتي نجحت في تأسيس علامة تجارية محلية تنافس كبرى العلامات العالمية، مؤكدًا أن هذه النماذج تعكس قدرة الشباب المصري على اقتحام الأسواق العالمية وتحقيق نجاحات كبيرة، وأشار إلى أن الشركة أصبحت تصدر منتجاتها إلى أكثر من 48 دولة حول العالم، بالتوازي مع تغطية احتياجات السوق المحلية، وهو ما اعتبره نموذجًا عمليًا لما تستهدفه الدولة من دعم الصناعة الوطنية وزيادة معدلات التصدير.

كما شدد رئيس الوزراء على أن الحكومة تتحرك وفق رؤية واضحة تستهدف الوصول بالصادرات المصرية إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2030، مؤكدًا أن الصناعة والتصدير يمثلان العنصر الأهم في دعم الاقتصاد الوطني خلال المرحلة المقبلة، مضيفا أن الحكومة تحرص خلال الجولات الميدانية على الاستماع المباشر للمستثمرين وأصحاب المصانع، من أجل التعرف على المشكلات التي تواجههم والعمل على حلها بصورة فورية، بما يسهم في تسريع وتيرة الإنتاج والتوسع الصناعي، وأكد مدبولي أن الدولة تؤمن بشكل كامل بأهمية دور القطاع الخاص في عملية التنمية، ولذلك تعمل على تعظيم مساهمته في الأنشطة الاقتصادية المختلفة، من خلال تهيئة بيئة أعمال محفزة، وتقديم التيسيرات اللازمة للمستثمرين، وتشجيع التوسع في التصنيع المحلي، بما يساهم في توفير فرص العمل وزيادة تنافسية الاقتصاد المصري إقليميًا ودوليًا.

 

النصر للسيارات.. عودة قلعة صناعية بعد سنوات التوقف

وتمثل شركة النصر لصناعة السيارات واحدة من أبرز النماذج التي تعكس توجه الدولة لإعادة إحياء القلاع الصناعية التاريخية، بعدما عادت الشركة إلى دائرة الإنتاج مجددًا عقب سنوات طويلة من التوقف، في خطوة تحمل دلالات اقتصادية وصناعية كبيرة، خاصة مع ارتباط اسم الشركة لعقود طويلة بفكرة الصناعة الوطنية الثقيلة، وقدرة الدولة المصرية على بناء قاعدة صناعية قادرة على المنافسة.

وعلى مدار السنوات الماضية، ظلت "النصر للسيارات" تمثل حلمًا مؤجلًا لإعادة إحياء صناعة السيارات المصرية، قبل أن تبدأ الدولة خطة واسعة لتطوير الشركة وإعادة تشغيل خطوط الإنتاج، ضمن استراتيجية تستهدف توطين صناعة السيارات والصناعات المغذية لها، وزيادة نسب المكون المحلي، وتقليل الاعتماد على الواردات، بالتوازي مع التوسع في الصناعات المرتبطة بالسيارات الكهربائية والتكنولوجيا الحديثة.

ويقام المجمع الصناعي للشركة على مساحة ضخمة تصل إلى نحو 862.5 ألف متر مربع، باستثمارات تبلغ 3.5 مليار جنيه، فيما تصل الطاقة الإنتاجية المستهدفة إلى 600 وحدة سنويًا من الأتوبيسات والميني باص، بالإضافة إلى إنتاج 20 ألف سيارة ركوب سنويًا، مع نسب مكون محلي تصل إلى 63.5% للأتوبيس السياحي، و70% للميني باص، و45% لسيارات الركوب، وهي أرقام تعكس حجم الرهان على الشركة كمركز صناعي متكامل لصناعة المركبات في مصر.

كما يوفر المجمع الصناعي نحو 1600 فرصة عمل مباشرة، في وقت تعمل فيه الدولة على تعظيم الاستفادة من هذه القلاع الصناعية الكبرى، ليس فقط لتوفير احتياجات السوق المحلية، وإنما أيضًا لفتح أسواق تصديرية جديدة للمنتج المصري، خاصة في ظل التوسع في اتفاقيات التجارة الإقليمية والدولية.

وخلال زيارته للمجمع الصناعي بحلوان، أكد المهندس خالد هاشم، وزير الصناعة، أن صناعة السيارات تأتي على رأس الصناعات التي توليها الدولة اهتمامًا بالغًا، باعتبارها من الصناعات ذات القيمة المضافة المرتفعة، والتي تمتلك فيها مصر مزايا تنافسية كبيرة، موضحاً أن الوزارة تعمل حاليًا على تقديم مختلف أوجه الدعم للشركات المصنعة من أجل زيادة الإنتاج ورفع معدلات التصدير، إلى جانب إزالة التشوهات الجمركية، وتعزيز البنية التحتية الخاصة بالسيارات الكهربائية.

وأشار المهندس مصطفى كمال، مدير عام هندسة المصانع بالشركة، إلى أن المرحلة الحالية تشهد تطويرًا تدريجيًا للمعدات وخطوط الإنتاج، ضمن خطة تستهدف رفع كفاءة التشغيل وتحسين الأداء الفني بما يتماشى مع خطط التطوير المستقبلية، مؤكدًا أن الشركة تسعى لاستعادة مكانتها التاريخية كواحدة من أهم القلاع الصناعية في مصر والمنطقة.

 

التمويل والتسهيلات.. كيف دعمت الدولة عودة المصانع للإنتاج؟

واعتمدت الدولة في خطتها لإعادة تشغيل المصانع المتعثرة على محور رئيسي تمثل في توفير التمويل اللازم وتخفيف الأعباء المالية عن المصانع، إدراكًا منها أن جزءًا كبيرًا من التعثر الذي أصاب آلاف المنشآت الصناعية خلال السنوات الماضية كان مرتبطًا بأزمات السيولة، وارتفاع تكلفة التشغيل، وتراكم المديونيات، وصعوبة الحصول على التمويل اللازم لاستمرار الإنتاج أو تحديث خطوط التشغيل.

ومن هذا المنطلق، تحركت الحكومة بالتنسيق مع البنك المركزي والقطاع المصرفي لإطلاق حزم تمويلية ومبادرات دعم بمليارات الجنيهات، استهدفت إعادة الحياة للمصانع المتوقفة، والحفاظ على استمرارية المصانع العاملة، خاصة في القطاعات الصناعية الأكثر ارتباطًا بالإنتاج والتشغيل والتصدير.

وشملت هذه المبادرات توفير قروض منخفضة الفائدة، وإعادة جدولة المديونيات، ومنح فترات سماح للمشروعات المتعثرة، إلى جانب إتاحة برامج تمويل مرنة للمصانع الصغيرة والمتوسطة.

كما اتجهت الدولة إلى تبني حلول أكثر مرونة لمعالجة التعثر، تضمنت دخول بعض البنوك كشركاء مؤقتين في عدد من الكيانات الصناعية، بهدف توفير السيولة اللازمة لإعادة التشغيل، وهي خطوة اعتبرها خبراء الصناعة تحولًا مهمًا في طريقة التعامل مع أزمة المصانع المتوقفة، حيث انتقلت الدولة من فكرة تحصيل المديونيات فقط، إلى الحفاظ على الكيان الصناعي نفسه باعتباره أصلًا إنتاجيًا قادرًا على العودة وتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد.

ولم تغب وزارة التنمية المحلية عن المشهد في خطة الدولة لإعادة الحياة إلى المصانع المغلقة أو المتعثرة؛ حيث تلعب الوزارة دورًا محوريًا في ترجمة توجيهات القيادة السياسية على أرض الواقع داخل المحافظات.

وتعد الوزارة حلقة الوصل التنفيذية بين السياسات المركزية، واحتياجات المستثمرين بالمناطق الصناعية، إذ تضطلع بدور أساسي في إزالة المعوقات التي تواجه المصانع المتعثرة، خاصة تلك المرتبطة بالمرافق والتراخيص والإجراءات الإدارية، حيث وجهت الوزارة المحافظين بتكثيف أعمال الحصر الميداني للمصانع المتوقفة جزئيًا أو كليًا، مع إعداد قواعد بيانات محدثة تتضمن طبيعة التحديات التي تواجه كل مصنع، تمهيدًا لوضع حلول عاجلة بالتنسيق مع الجهات المختصة.

واتخذت وزارة التنمية المحلية عدداً من الإجراءات العاجلة لدعم عودة المصانع للإنتاج، أبرزها تسريع إجراءات استخراج وتجديد التراخيص الصناعية، وحل مشكلات توصيل المرافق الأساسية: الكهرباء، المياه، الصرف، والطرق، وإزالة التعديات والإشغالات داخل المناطق الصناعية والتنسيق مع أجهزة الحماية المدنية والبيئة لتوفيق أوضاع المصانع.

وتعتمد الوزارة في ذلك على لجان مشتركة بالمحافظات، تضم ممثلين عن الاستثمار والصناعة والجهات المعنية، بما يضمن سرعة اتخاذ القرار وحل المشكلات دون تعقيدات بيروقراطية.

وفي هذا السياق، أكد عبد المنعم الجمل، رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، أن ما اتخذته الدولة من إجراءات لدعم وإنقاذ الشركات المتعثرة يعكس إدراكًا حقيقيًا لأهمية الصناعة باعتبارها قاطرة التنمية الاقتصادية وأحد أهم مصادر توفير فرص العمل، موضحاً أن هذه الإجراءات شملت حزمًا تمويلية، وتيسيرات إجرائية، ومنح مهل زمنية للمشروعات، إلى جانب إطلاق مبادرات لإعادة الهيكلة، وهو ما ساعد عددًا كبيرًا من المصانع على العودة للإنتاج مرة أخرى.

وأشار الجمل إلى أن الدولة تتجه أيضًا لإنشاء صندوق لإعادة هيكلة وتمويل المصانع المتعثرة، في خطوة تستهدف بناء آلية مستدامة لمعالجة الأزمات الصناعية بصورة مؤسسية، بدلًا من التدخلات المؤقتة، بما يضمن سرعة التحرك في مواجهة أي تعثرات مستقبلية قد تواجه القطاع الصناعي.

وبالتوازي مع الدعم المالي، عملت الحكومة على تبسيط الإجراءات الإدارية أمام المستثمرين، وتسريع استخراج التراخيص الصناعية، وتذليل العقبات المرتبطة بالمرافق والطاقة والاشتراطات التشغيلية، في إطار خطة تستهدف تحسين بيئة الاستثمار الصناعي وزيادة جاذبية السوق المصرية أمام الاستثمارات المحلية والأجنبية.

وأسهمت هذه السياسات في إعادة الثقة إلى القطاع الصناعي، سواء لدى المستثمرين أو العمال، بعدما شعر كثير من أصحاب المصانع بأن الدولة تتعامل مع الصناعة باعتبارها أولوية استراتيجية، وليست مجرد قطاع اقتصادي تقليدي، وهو ما انعكس على عودة التوسعات الإنتاجية داخل عدد كبير من المصانع، بالتوازي مع خطط لزيادة التصدير وفتح أسواق جديدة أمام المنتج المصري.

 

الصناعة الخضراء.. البيئة تدخل على خط إنقاذ المصانع المتعثرة

لم تعد جهود إعادة تشغيل المصانع المتعثرة تقتصر فقط على توفير التمويل أو حل الأزمات الإدارية، بل امتدت لتشمل بعدًا جديدًا يرتبط بالتحول نحو الصناعة النظيفة والتوافق البيئي، في ظل المتغيرات العالمية المتسارعة التي أصبحت تفرض معايير بيئية صارمة على حركة التجارة والتصدير، وهو ما دفع الدولة إلى دمج البعد البيئي داخل خطط إعادة التأهيل والتطوير الصناعي.

وفي هذا الإطار، تبنت وزارة البيئة رؤية تقوم على تحويل ملف التوافق البيئي من عبء على المصانع إلى فرصة لتحسين كفاءة التشغيل وتقليل التكلفة وزيادة القدرة التنافسية للمنتج المصري، خاصة مع تصاعد أهمية معايير خفض الانبعاثات الكربونية في الأسواق الأوروبية والعالمية، وفي مقدمتها آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية المعروفة بـ CBAM.

واعتمدت الوزارة على تقديم حزم متكاملة من الدعم الفني والتمويل الميسر للمصانع، من خلال برامج متخصصة أبرزها برنامج التحكم في التلوث الصناعي (EPAP)، الذي يوفر تمويلات ميسرة ومنحًا للمصانع المتعثرة من أجل تحديث خطوط الإنتاج، وإحلال المعدات القديمة بأخرى أكثر كفاءة وأقل استهلاكًا للطاقة، بما يسهم في خفض الانبعاثات وتحسين كفاءة التشغيل وتقليل الأعباء التشغيلية على المصانع.

كما توسعت الدولة في تطبيق مفاهيم "الإنتاج الأنظف"، التي تعتمد على تقليل التلوث من المنبع، عبر تشجيع المصانع على استخدام خامات صديقة للبيئة، وإعادة تدوير المخلفات الصناعية، وتحسين استغلال الموارد الطبيعية داخل العملية الإنتاجية، بما يحول المخلفات من عبء اقتصادي وبيئي إلى مصدر دخل إضافي للمصانع.

وفي خطوة تعكس توجه الدولة نحو التحول الرقمي للصناعة، أطلقت وزارات التنمية المحلية والبيئة والصناعة المنظومة الإلكترونية لسجل البيانات البيئية الموحدة للقطاع الصناعي، بهدف إنشاء قاعدة بيانات دقيقة للمنشآت الصناعية على مستوى الجمهورية، وربط الجهات الحكومية المعنية عبر منصة إلكترونية موحدة، بما يسهم في متابعة الانبعاثات الكربونية، وتحسين كفاءة الرقابة والتخطيط البيئي والصناعي.

وأكدت الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، أن هذه المنظومة ستوفر صورة دقيقة عن الانبعاثات الناتجة عن القطاع الصناعي، بما يساعد الدولة على متابعة خطط خفض الانبعاثات وتحسين جودة الهواء والمياه وتعزيز كفاءة استخدام الموارد الطبيعية، في إطار دعم أهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030.

 

صناعة تقود الاقتصاد.. كيف تستهدف الدولة بناء قاعدة إنتاجية مستدامة؟

وتكشف التحركات الحكومية الأخيرة في ملف الصناعة عن توجه استراتيجي أوسع لا يقتصر فقط على إعادة تشغيل المصانع المتعثرة، وإنما يستهدف بناء قاعدة صناعية قوية ومستدامة قادرة على قيادة الاقتصاد المصري خلال السنوات المقبلة، في ظل قناعة متزايدة بأن الصناعة تمثل الطريق الأكثر قدرة على تحقيق النمو وتوفير العملة الأجنبية وخلق فرص العمل وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

ومن هذا المنطلق، تعمل الدولة على تنفيذ خطة متكاملة تقوم على توطين الصناعات الاستراتيجية، وتعميق التصنيع المحلي، وزيادة نسب المكون المحلي داخل المنتجات المختلفة، بالتوازي مع جذب استثمارات جديدة ونقل التكنولوجيا الحديثة إلى السوق المصرية، بما يسمح بتحويل مصر إلى مركز صناعي إقليمي قادر على المنافسة في الأسواق الدولية.

وخلال جولاته الصناعية الأخيرة، أكد الدكتور مصطفى مدبولي أن الدولة تراهن بشكل أساسي على قطاع الصناعة باعتباره أحد أهم القطاعات القادرة على دفع عجلة النمو الاقتصادي، إلى جانب قطاعات الزراعة والسياحة والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، مشددًا على أن الحكومة مستمرة في توفير البنية التحتية والمرافق والتيسيرات المطلوبة لدعم الصناعة المحلية وزيادة تنافسيتها.

وشدد رئيس الوزراء على أن الحكومة تعمل على إزالة مختلف التحديات التي تواجه المستثمرين، سواء المرتبطة بتوفير مستلزمات الإنتاج أو التمويل أو الإجراءات، مع التركيز على تشجيع القطاع الخاص المحلي والأجنبي على ضخ استثمارات جديدة داخل السوق المصرية، في إطار خطة تستهدف زيادة الصادرات وتقليل الفاتورة الاستيرادية.

وفي السياق نفسه، أكد الدكتور مهندس صلاح سليمان جمبلاط، وزير الدولة للإنتاج الحربي، أن الدولة تعمل وفق توجيهات القيادة السياسية على زيادة معدلات تعميق التصنيع المحلي وجذب الاستثمارات وتطوير الأداء الصناعي، مشيرًا إلى أن وزارة الإنتاج الحربي تمتلك أكثر من 260 خطًا إنتاجيًا متنوعًا، وأكثر من 12 ألف ماكينة ومعدة حديثة، بما يعكس حجم القدرات التصنيعية التي تمتلكها الدولة المصرية، موضحاً أن الوزارة تستهدف خلال السنوات المقبلة مضاعفة حجم الصادرات الصناعية وزيادة مساهمة القطاع الصناعي في دعم الاقتصاد القومي، إلى جانب التوسع في تنفيذ المشروعات القومية والتنموية بالتعاون مع القطاع الخاص، مؤكدًا أن الصناعة الوطنية أصبحت تمثل أحد أهم عناصر القوة الاقتصادية للدولة المصرية.

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة