حين تتحول النتيجة الرسمية إلى لغز.. من ينصف أبناء المدارس الدولية؟

الأربعاء، 17 يونيو 2026 02:59 م
حين تتحول النتيجة الرسمية إلى لغز.. من ينصف أبناء المدارس الدولية؟
شيرين سيف الدين

من عادتي، في كثير من مقالاتي، الإشادة بما تحقق من إنجازات خلال عهد السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، إيمانًا مني بأن الدولة المصرية خاضت معارك كبيرة من أجل البناء والتنمية، وأن الرئيس يحرص كل الحرص على مصالح جميع المواطنين بمختلف فئاتهم، ويسعى إلى تخفيف الأعباء عنهم وتحقيق العدالة بينهم، ولهذا فإن ما يدفعني إلى كتابة هذه الكلمات اليوم ليس الرغبة في الهجوم أو الانتقاد من أجل الانتقاد، وإنما شعور عميق بالحيرة والقلق والغصة تجاه ما تعرض له عدد كبير من طلاب المدارس الدولية وأسرهم خلال الأيام الماضية.
 
القصة ببساطة أن وزارة التربية والتعليم أعلنت نتائج اختبارات المواد الخاصة بالمناهج المصرية، وهي اللغة العربية والتربية الدينية والدراسات الاجتماعية، عبر موقعها الرسمي، متضمنة نجاح أعداد كبيرة من الطلاب ودرجاتهم التفصيلية، ولم يكن الأمر مجرد نتيجة متداولة على صفحات التواصل الاجتماعي، بل نتيجة رسمية صدرت عن الجهة المنوط بها التصحيح والمراجعة والاعتماد، بل وسدد أولياء الأمور رسوماً مالية للحصول عليها من خلال المنصة الرسمية للدولة.
 
وبناءً على تلك النتائج، تصرفت الأسر بشكل طبيعي ومنطقي؛ فمع انتهاء العام الدراسي، سافر بعض الطلاب خارج البلاد، وقام آخرون بتوزيع كتبهم الدراسية أو التخلص منها، وبدأ الجميع التخطيط لإجازة صيفية ظنوا أنهم استحقوها بعد عام طويل وشاق.
 
ثم جاءت الصدمة.. رسائل بريد إلكتروني تخبر أولياء الأمور بأن أبناءهم قد رسبوا، وأن عليهم دخول امتحانات الدور الثاني في المنهج كاملاً، وليس فقط في الجزء الذي تعثروا فيه. بل إن نجاحهم السابق في اختبارات الفصل الدراسي الأول، وما حصلوا عليه من أعمال سنة، لن يُعتد به عند احتساب النتيجة النهائية.
 
هنا يبرز السؤال الذي ينتظر الجميع إجابته: كيف يحدث هذا؟!
 
كيف تعتمد الوزارة نتيجة رسمية، وتنشرها على موقعها الإلكتروني، وتحصل رسوماً مالية مقابل استخراجها، ثم تعود لتقول إن هناك أخطاء تستوجب إعادة التصحيح وإلغاء ما سبق إعلانه؟
 
إذا كانت هناك شكوك في سلامة إجراءات التصحيح منذ البداية، فلماذا أُعلنت النتائج أصلاً؟ ولماذا لم تُحجب حتى انتهاء التحقيقات والمراجعات؟ وكيف يُطلب من الطلاب وأسرهم تحمل تبعات خطأ إداري أو تنظيمي لم يكن لهم أي دور فيه؟!
 
الأكثر إثارة للاستغراب أن ما حدث لم يُطبق على جميع المدارس الدولية بالمعايير نفسها، بل إن هناك حديثاً متداولاً عن اختلاف في آليات التعامل مع بعض المدارس دون غيرها، سواء فيما يتعلق بوضع الامتحانات أو إجراءات التفتيش والمراجعة اللاحقة، وإذا صح ذلك، فإننا نكون أمام أزمة أخرى تتعلق بمبدأ تكافؤ الفرص والمساواة بين الطلاب.
 
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: "هل ينجح هؤلاء الطلاب أم يرسبون؟" بل: على من تقع المسؤولية؟..
 
هل يتحملها الطالب الذي أدى الامتحان وفق القواعد المعلنة؟ أم ولي الأمر الذي وثق في نتيجة رسمية صادرة عن الوزارة؟ أم المدرسة التي التزمت بما وصلها من تعليمات؟ أم أن هناك خللاً إدارياً يجب الاعتراف به ومعالجته بشفافية ومحاسبة؟.. وإذا كان الخطأ قد وقع بالفعل، فمن غير المقبول أن يتحول الأبناء إلى ضحايا له.
 
ولا بد هنا من الإشارة إلى أن طلاب التعليم الدولي يعيشون بالفعل حالة من الضغوط المتزايدة نتيجة التعديلات المتلاحقة في الأنظمة الدراسية، وفرض دراسة المناهج الحكومية المصرية كاملة بصورة تختلف عما كان معمولاً به لسنوات طويلة، رغم أنهم التحقوا في الأصل بمنظومة تعليمية مختلفة اختارتها أسرهم عن قناعة وتحمّلت تكلفتها الباهظة.
 
إن أولياء أمور هؤلاء الطلاب لا يحصلون على تعليم مجاني لأبنائهم، بل يتحملون التكلفة كاملة، بما يوفر على الدولة آلاف، وربما ملايين، الأماكن داخل المدارس الحكومية. كما أن المدارس الدولية تسدد ما عليها من ضرائب ورسوم، فضلاً عن أن أولياء الأمور أنفسهم هم من دافعي الضرائب الذين يعتمدون في كثير من الخدمات الأساسية على الإنفاق من مواردهم الخاصة، ومع ذلك يؤدون واجباتهم تجاه وطنهم برضا وإيمان بأهمية دعم الدولة ومساندة الفئات الأكثر احتياجاً، لكن المواطن، مهما كانت قدرته المادية، يحتاج إلى شيء واحد لا غنى عنه: الشعور بالعدل والاستقرار والوضوح.
 
فما الرسالة التي تصل إلى طفل اجتهد طوال عام دراسي كامل، ثم أُبلغ بنجاحه رسمياً، قبل أن يكتشف فجأة أنه راسب؟ وما الشعور الذي يعتري أسرة رتبت حياتها وفق معطيات صادرة عن جهة رسمية، ثم وجدت نفسها مطالبة بإعادة الاستعداد لامتحانات مصيرية خلال أسابيع قليلة؟ وكيف يمكن أن نطالب أبناءنا بالثقة في المؤسسات إذا كانت القرارات نفسها قابلة للتبدل بعد اعتمادها؟
 
إن الجمهورية الجديدة التي نحلم بها جميعاً تقوم على الكفاءة والشفافية واحترام المواطن، لا على ترك الأسر تواجه مصيرها وسط حالة من الغموض وتبادل المسؤوليات.
 
من هنا، فإنني أناشد السيد وزير التربية والتعليم بفتح تحقيق عاجل وشفاف في هذه الواقعة، وإعلان أسبابه للرأي العام، وتوضيح الكيفية التي سمحت بإعلان نتائج رسمية ثم التراجع عنها، وتحديد المسؤول عن ذلك، مع مراعاة عدم تحميل الطلاب وأسرهم ثمن أخطاء لم يرتكبوها.
 
كما أناشد السيد رئيس مجلس الوزراء التدخل العاجل للنظر بعين الاعتبار والرحمة إلى هؤلاء الطلاب وأسرهم، والتحقق من تفاصيل الأزمة التي تسببت في حالة من الصدمة والغم لدى الكثير من البيوت المصرية، خاصة أن بعض الطلاب أصبحوا مطالبين بإعادة امتحانات في منهج كامل خلال فترة زمنية قصيرة بسبب تعديل النتيجة بعد ظهورها بحوالي ثلاث أسابيع في حين أن اعلان الرسوب  في وقتها كان يمكن أن يعطي الطالب فترة أطول للدراسة ، مع التهديد بإعادة العام الدراسي بأكمله حال عدم اجتيازها، رغم نجاحهم في اختبارات نظمهم التعليمية الدولية.
 
إن بناء الإنسان المصري لا يتحقق فقط بالمناهج الجديدة أو تطوير الأبنية المدرسية، وإنما أيضاً بترسيخ الإحساس بالعدالة، واحترام الثقة التي يمنحها المواطن لمؤسسات دولته.
 
فهل يعقل أن تتغير النتائج بعد اعتمادها؟ وهل يجوز أن يدفع الأطفال ثمن أخطاء الكبار؟ وهل تساعد مثل هذه الممارسات، إذا ثبتت، في تعزيز الانتماء للوطن وترسيخ شعور المواطن بأن دولته تنصفه وتحمي حقوقه؟
 
إننا لا نطلب امتيازات خاصة، ولا نسعى إلى معاملة استثنائية، وإنما نطالب فقط بما يجب أن يكون حقاً أصيلاً لكل مواطن: الوضوح، والعدل، وتحمل كل جهة لمسؤولياتها.
 
فالرحمة ليست ضعفاً، والإنصاف ليس ترفاً، والاستماع إلى أنين الأسر ليس تنازلاً عن هيبة الدولة، بل هو أحد أهم أسباب قوتها.
 
إرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة