آلة الكذب لم تتوقف.. خريطة التحريض الإخوانى ضمت منصات إعلامية فضائية وجيوش إلكترونية رقمية وشبكات تمويل

السبت، 20 يونيو 2026 08:00 م
آلة الكذب لم تتوقف.. خريطة التحريض الإخوانى ضمت منصات إعلامية فضائية وجيوش إلكترونية رقمية وشبكات تمويل
طلال رسلان

شهدت الدولة المصرية عقب ثورة 30 يونيو 2013 وتلبية القوات المسلحة للنداء الشعبي في 3 يوليو من العام نفسه، تحولاً جذرياً في استراتيجية جماعة الإخوان الإرهابية. بعد سقوط مشروعها في الحكم، انتقلت الجماعة من تنظيم يمارس العمل السياسي والاجتماعي كغطاء، إلى شبكة معقدة تمارس "حرب الجيل الرابع والخامس". قامت هذه الاستراتيجية على بنية تحتية عابرة للحدود، تستهدف تدمير الروح المعنوية للشعب المصري، ضرب الاقتصاد الوطني، وتفكيك الجبهة الداخلية عبر شائعات ممنهجة وتحريض مباشر على العنف.

تمثلت هذه الخريطة في مثلث تدميري يتكون من: منصات إعلامية فضائية، جيوش إلكترونية رقمية، وشبكات تمويل معقدة وغامضة تمر عبر واجهات اقتصادية وجمعيات خيرية في أوروبا وآسيا. يستعرض هذا التقرير الموسع بالأرقام، التواريخ، والوقائع خريطة التحريض الإخواني ضد مصر على مدار أكثر من عقد من الزمان، مع الالتزام التام برصد الآلية التنظيمية والتمويلية دون التطرق للمسميات السياسية لبعض الدول التي شكلت ملاذاً آمناً لهم في فترات معينة.

خريطة القنوات الفضائية التحريضية

شكلت الفضائيات رأس الحربة في الهجوم الإخواني على الدولة المصرية فور إسقاط حكمهم شعبياً، فقامت بتأسيس منظومة إعلامية كاملة في الخارج، ضمت عشرات القنوات التي تبث عبر أقمار صناعية أوروبية ونيلية (عبر الترددات القريبة) بهدف الوصول إلى كل بيت مصري، وتمثلت المرحلة الأولى لذلك مرحلة ما يسمى "الصدمة والعنف المباشر"، أواخر 2013 وحتى 2015، وتمثلت هذه المرحلة في إطلاق قنوات مثل "رابعة" و"أحرار 25" و"مصر الآن"، واتسم الخطاب الإعلامي هنا بالدموية والتحريض الصريح على القتل، حيث كانت هذه القنوات تبث بيانات ما كان يُعرف بـ "تحالف دعم الشرعية" وحركات العنف المسلح مثل "حسم" و"لواء الثورة". سُجلت في هذه المرحلة آلاف الساعات الإيجارية لبث الفضائيات بتمويلات ضخمة لتهديد رجال الشرطة والجيش والقضاة بالأسماء والعناوين.

وبدأت المرحلة الثانية من 2015 إلى 2021، وهى "مرحلة المأسسة والإنتاج الضخم"، فبعد إغلاق القنوات البدائية نتيجة ضغوط قانونية دولية، انتقلت الجماعة إلى مرحلة القنوات المؤسسية الكبرى: "الشرق"، "مكملين"، و"وطن"، وتم ضخ ميزانيات تُقدر بعشرات الملايين من الدولارات سنوياً، وتم الاستعانة بإعلاميين هاربين وفنانين لتقديم محتوى يدمج بين "السياسة" و"الكوميديا السوداء" لجاذبية أوسع.

أما المرحلة الثالثة (2021 - 2026)، وهى "التشتت والهروب إلى المنصات البديلة"، فنتيجة لتغيرات الجيوسياسية الإقليمية والتضييقات الأمنية في مقار بثها الرئيسية، أُجبرت هذه القنوات على إغلاق مكاتبها وتشتيت بثها بين عواصم أوروبية (مثل لندن) والاعتماد الكامل على البث الرقمي، وتحويل الاستديوهات التقليدية إلى "استديوهات شقق سكنية" تدار عبر الإنترنت.

 

آليات التزييف الفضائي الموثقة

ورصدت تقارير "المرصد الإعلامي المصري" والهيئة الوطنية للإعلام آلاف الاختراقات المهنية لقنوات الإخوان، ومنها فبركة المشاهد السينمائية من خلال استخدام استوديوهات مجهزة بجدران خضراء (الكروما) لتصوير تجمعات على أنها مظاهرات في ميادين مصرية (مثل ميدان التحرير أو ميادين السويس)، فضلاً عن تزييف الأصوات بتركيب هتافات معادية على مقاطع فيديو لتجمعات جماهيرية طبيعية مثل مباريات كرة القدم أو الأسواق المزدحمة، بالإضافة إلى الاجتزاء من السياق وأخذ تصريحات المسؤولين المصريين حول خطط الإصلاح الاقتصادي واجتزائها لإظهار الدولة بمظهر العاجز أو المستهدف للمواطن.

 

خريطة المنصات الرقمية والجيوش الإلكترونية

مع تراجع جدوى التلفزيون التقليدي ونمو جيل الشباب، نقلت جماعة الإخوان الإرهابية ثقلها التدميري إلى الفضاء السيبراني، وصُممت هذه المنصات لتكون أسرع انتشاراً، وأصعب في التتبع، وأكثر قدرة على اختراق عقول الشباب، فلم تكتفِ الجماعة بصفحاتها الرسمية، بل أنشأت ما يُعرف إعلامياً بـ "المواقع الرديفة والصفحات الشبحية". وهي صفحات تظهر على أنها "اجتماعية"، "رياضية"، "ترفيهية"، أو حتى "دينية عامة"، تجمع ملايين المتابعين، وعند حدوث أي أزمة اقتصادية أو سياسية في مصر، تتحول فجأة وضمن خطة موحدة لبث سموم التحريض والتشكيك.

وشملت أبرز الشبكات الرقمية المرصودة، شبكة رصد الإخبارية التي تعد الذراع الرقمي الأقدم، وتخصصت منذ 2013 في صياغة الأخبار بعناوين تحريضية وموجهة، واعتمدت على نشر الشائعات الاقتصادية (مثل شائعات إفلاس البنوك، بيع قناة السويس، وتنازل مصر عن موانئها)، بالإضافة إلى منصات "العمق" و"الشارع السياسي"، وهى مراكز دراسات مموهة على الإنترنت تنشر تقارير "سوداوية" عن الوضع المالي والاجتماعي في مصر بهدف ضرب تصنيف مصر الائتماني وتنفير المستثمرين الأجانب.

كما بدأت الجماعة منذ عام 2022 التركيز الشديد على المقاطع التي لا تتجاوز 60 ثانية، مستهدفة الفئة العمرية من (15 - 25 عاماً) عبر استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد أصوات مفبركة لمسؤولين، أو تركيب نصوص تحريضية على موسيقى حماسية أو حزينة.

 

تكتيك "الهاشتاجات الممنهجة  (Trending Operations)

وتعتمد الجماعة على غرف عمليات رقمية مركزية (تدار من عواصم أوروبية وآسيوية) لإطلاق وسم (هاشتاغ) يومي ضد مصر. يسير التكتيك وفق الخطوات التالية:

التوليد المركزي: اختيار عنوان مثير يمس حياة المواطن اليومية (مثل: #ارحل، #مصر_تجوع، #انزل_الشارع).

التفعيل عبر البوتات (Bots): استخدام آلاف الحسابات الوهمية المؤتمتة التي تغرد بمعدل 50 تغريدة في الدقيقة للوصول بالهاشتاغ إلى "التريند" في مصر خلال أقل من ساعة.

التلقيم الإعلامي: تأخذ القنوات الفضائية (الشرق ومكملين وغيرها) هذا الهاشتاغ وتصنع منه برامج كاملة وتقول: "الشعب المصري يشعل مواقع التواصل"، في حلقة دائرية تزييفية مغلقة.

وطبقاً لبيانات المركز الإعلامي لمجلس الوزراء في تقاريره السنوية، تضاعف معدل الشائعات الرقمية بشكل مرعب. في عام 2014 كان معدل الشائعات شهرياً يقدر ببضع عشرات، بينما في الأعوام بين (2020 - 2025) رصدت الأجهزة المعنية ما يزيد عن 20 شائعة سنوياً، استهدفت القطاعات التالية:

القطاع الاقتصادي (45%): شائعات إلغاء الدعم، نقص السلع الاستراتيجية (القمح، الزيت)، وانهيار العملة المحلية.

قطاع الخدمات (30%): شائعات خصخصة التعليم، بيع المستشفيات الحكومية، وإلغاء مجانية التعليم الأساسي.

الأمن القومي والسياسة الخارجية (25%): شائعات تتعلق بالتنازل عن أراضٍ في سيناء، أو التفريط في حقوق مصر المائية.

 

التمويل وشركات الواجهة

لا يمكن لآلة إعلامية ورقمية بهذا الحجم أن تستمر لأكثر من 12 عاماً دون تدفقات مالية هائلة ومستدامة. نظراً للملاحقات الأمنية والقانونية لتجفيف منابع الإرهاب، ابتكرت الجماعة شبكة تمويل معقدة عابرة للقارات تعتمد على غسل الأموال، الشركات العقارية، والجمعيات الخيرية الواجهية.

وتعتمد الجماعة في تمويل منصاتها التحريضية على ما يُعرف بـ "التنظيم الدولي للإخوان"، والذي يدير أصولاً مالية ضخمة تتركز في سويسرا، لوكسمبورج، بريطانيا، وجزر الكايمان. تُقدر هذه الثروة وفقاً لتقارير استخباراتية مالية دولية بمليارات الدولارات، تدار عبر آليتين، صناديق الاستثمار العقاري والتجاري، حيث تمتلك الجماعة شبكات من الشركات العقارية في دول أوروبية وآسيوية تحقق أرباحاً رأسمالية سنوية ضخمة. يتم توجيه جزء ثابت من هذه الأرباح (تحت بند التبرعات أو عقود الاستشارات القانونية والإعلامية) لشركات الإنتاج الفني التي تدير قنوات الإخوان، فضلاً عن نظام "الحوالة" غير الرسمي، للهروب من نظام "سويفت" الدولي للمراقبة المالية، تستخدم الجماعة شبكات تجار العملة والذهب لنقل الأموال السائلة إلى داخل مصر أو إلى مكاتب الإعلاميين في الخارج عبر قنوات غير مصرفية.

وتم رصد عشرات الجمعيات والمراكز الإسلامية في أوروبا (تحت مسميات مثل: الإغاثة الإسلامية، التضامن الإنساني، مراكز حقوق الإنسان) تقوم بجمع تبرعات وأموال الزكاة من الجاليات المسلمة في الغرب، ثم تقوم بتحويل هذه الأموال عبر عقود وهمية مع "شركات إنتاج محتوى رقمي" أو "مراكز تدريب إعلامي" تابعة لعناصر الإخوان، لتتحول أموال العمل الخيري إلى رواتب للمذيعين والممولين للجيوش الإلكترونية.

ومنذ عام 2018، ومع تشديد القوانين الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب، لمت الجماعة شمل أموالها عبر الفضاء الرقمي. رصدت النيابة العامة المصرية في عدة قضايا (مثل القضية رقم 930 لسنة 2019 حصر أمن دولة عليا، المعروفة إعلامياً بـ "خلية الأمل"، وقضايا لاحقة حتى 2024) قيام قيادات التنظيم بالخارج بتحويل أموال لعناصرهم في الداخل عبر عملات مشفرة مثل البيتكوين (Bitcoin) وتيدر (USDT). يتم تسييل هذه العملات عبر منصات غير مرخصة وشراء أدوات لوجستية (هواتف حديثة، خطوط إنترنت فضائي، كاميرات) لإدارة العمليات التحريضية الميدانية وتصوير الأزمات.

 

الانقسام الداخلي وأثره على وهن الآلة الإعلامية

لا يمكن قراءة خريطة التحريض الحالية دون فهم حالة "التآكل الذاتي" التي يمر بها التنظيم. منذ عام 2021، دبت الخلافات المالية والتنظيمية العنيفة بين أقطاب الجماعة بالخارج، وانقسم التنظيم إلى جبهات متناحرة تتصارع على أموال التمويل، حيث كشفت التسريبات المتبادلة بين عناصر الإخوان الإرهابية مثل تسريبات قيادات جبهة لندن ضد جبهة إسطنبول، عن سرقة ملايين الدولارات المخصصة لدعم القنوات الفضائية والشباب الهاربين، وأدى هذا الصراع إلى إغلاق العديد من المنصات الفرعية لعدم دفع الرواتب، وطرد عشرات الشباب العاملين في "مزارع التوت الإلكترونية" بالخارج، مما دفع بعضهم للاعتراف علناً بآليات التزييف التي كانوا يقومون بها بناءً على أوامر القيادات.

ووصلت الآلة الإعلامية للإخوان إلى مرحلة من "الإنهاك" لفقدانها الموثوقية؛ حيث إن تكرار الوعود بسقوط الدولة أو حدوث ثورة طوال 12 عاماً دون تحقق أي شيء، جعل المتلقي المصري (وحتى المتعاطف القديم) يصاب بحالة من الإحباط والرفض التام لتصديق هذه المنصات، مما جعل تأثيرها ينحصر في "فقاعة رقمية" معزولة عن الواقع المصري الفعلي.

كما نجحت مصر في تفكيك هذه الخريطة وتحييد خطرها عبر استراتيجية متكاملة قامت على محاور رئيسية، المحور الأمني والقانوني (تجفيف المنابع)، من خلال إصدار قوائم الإرهاب الوطنية وتحديثها بشكل دوري لربط عناصر الإعلام التحريضي بالخارج بالجرائم الجنائية في الداخل، وتأسيس "وحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب" بالبنك المركزي المصري، والتي نجحت بالتعاون مع جهات دولية في تتبع الحسابات المصرفية الخارجية للشركات الواجهة للإخوان وتجميد أصولها.

المحور التكنولوجي والرقمي، من خلال تطوير آليات الرصد الفوري لشائعات وسائل التواصل الاجتماعي عبر المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، وإصدار ردود علمية وموثقة بالأرقام والصور خلال ساعات قليلة من انطلاق الشائعة، وكذلك التعاون القانوني مع إدارة منصات التواصل الاجتماعي العالمية (مثل ميتا، إكس، وجوجل) لإغلاق آلاف الحسابات الوهمية والمقاطع المفبركة القائمة على التحريض على العنف والارهاب، لكونها تخالف معايير المجتمع الدولي.

محور الوعي والتنمية والمكاشفة، حيث تبنت الدولة مبدأ "المكاشفة والمواجهة بالحقائق"، حيث يتم عرض المشكلات الاقتصادية والتحديات بكل شفافية في المؤتمرات الرئاسية والبرلمانية، مما سحب البساط من تحت أقدام قنوات الجماعة التي كانت تتغذى على الغموض، كما أن إطلاق المشروعات القومية الكبرى والمبادرات الاجتماعية (مثل مبادرة "حياة كريمة") التي غيرت واقع الريف المصري، لتصبح هذه الإنجازات على الأرض هي الرد العملي والأقوى الذي أفشل آلة التحريض الإعلامي.

وتوضح خريطة تحريض جماعة الإخوان الإرهابية ضد مصر منذ عام 2013 وحتى اليوم، أن التنظيم قد استنفد كافة أدواته التقليدية والحديثة في محاولة الهجوم على الدولة المصرية. بدأت الجماعة بقنوات فضائية تطلب القتل والتفجير علناً، ثم انتقلت إلى منصات رقمية تعتمد على التزييف والذكاء الاصطناعي والحروب الاقتصادية النفسية، مدعومة بشبكة مالية معقدة حاولت التخفي وراء العمل الاستثماري والخيري.

إلا أن النتيجة بعد مرور أكثر من عقد من الزمان تؤكد فشل هذا المخطط؛ حيث صمدت مؤسسات الدولة المصرية، وتعمق وعي المواطن الذي بات قادرا على فرز الشائعة وتفكيكها، وتشرذمت الجماعة بالخارج إلى جبهات متطاحنة تبحث عن النجاة المالية والشخصية، مما يثبت أن قوة الحقائق على الأرض كانت -وستظل دائماً- أقوى من كل مطابخ التزييف وأموال التحريض العابر للحدود.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق