قبل أن تتهموا أبناءنا بفقدان الهوية.. أجيبوا عن هذا السؤال أولاً!
الإثنين، 22 يونيو 2026 01:17 م
شيرين سيف الدين
خرج المتحدث الرسمي لوزارة التربية والتعليم ليقدم تفسيراً لرسوب أعداد كبيرة من طلاب المدارس الدولية في مواد الهوية الوطنية، فقال إن كثيراً من هؤلاء الطلاب لا يجيدون القراءة والكتابة باللغة العربية، ولا يعرفون ما يكفي عن الدين، وإن بعض المدارس تلاعبت في النتائج ونجّحت طلاباً لا يستحقون النجاح، بل إن هناك من ترك أوراق الإجابة فارغة ومع ذلك ظهرت له نتائج نجاح!.. حسناً..
إذا كانت هذه هي الحقيقة، فهناك سؤال منطقي وبديهي يستحق إجابة واضحة من المسؤولين: أليست امتحانات الشهادة الإعدادية في العام الماضي من وضع وزارة التربية والتعليم نفسها؟.. وأليست الوزارة هي التي أشرفت على الامتحانات والتصحيح وإعلان النتائج؟.. إذا كان الطلاب الذين رسبوا هذا العام في الصف الأول الثانوي لا يعرفون القراءة والكتابة بالعربية كما يقال الآن، فكيف نجحوا العام الماضي في امتحانات لم تتدخل مدارسهم في وضعها أو تصحيحها أو إعلان نتائجها؟.. كيف اجتاز هؤلاء الطلاب اختبارات الوزارة الرسمية وانتقلوا إلى الصف الأول الثانوي؟.. هل كانت نتائج الإعدادية التي أعلنتها الوزارة صحيحة أم لا؟.. وهل كانت أعمال التصحيح سليمة أم لا؟.. أم أن هؤلاء الطلاب فقدوا لغتهم العربية وهويتهم الوطنية ودينهم فجأة خلال عام واحد فقط؟..
هذه ليست أسئلة استفزازية، بل أسئلة منطقية يطرحها كل ولي أمر وكل طالب، وكان من المفترض أن تُطرح هذه الأسئلة خلال المداخلة التلفزيونية، بدلاً من التسليم الكامل بفكرة أن طلاب المدارس الدولية لا يعرفون لغتهم ولا دينهم ولا وطنهم.
إن اتهام آلاف الطلاب ليس حلاً، فمن السهل أن نلقي اللوم على الطلاب وأسرهم ومدارسهم، لكن من الصعب أن نعترف بأن هناك مشكلة حقيقية تحتاج إلى مراجعة، هل يعقل أن يكون آلاف الطلاب فجأة غير مؤهلين؟.. هل يعقل أن يكون هذا العدد الضخم من الناجحين في الإعدادية قد تحول خلال عام واحد إلى طلاب فاشلين لا يستحقون النجاح؟
إذا كان هناك تلاعب أو تزوير كما يقال، فمن المسؤول عن اعتماده وإعلانه على موقع رسمي قبل التأكد ومن المسؤول عن تركه يحدث طوال السنوات الماضية؟، وهل يُعقل أن تتحول أخطاء المنظومة إلى اتهامات جماعية لأبناء الوطن؟!
كما تبرز ملاحظة أخرى لا تقل أهمية، فإذا سلمنا جدلاً بصحة الرواية التي قيلت للرأي العام، وأن بعض المدارس كانت تملك السيطرة الكاملة على الامتحانات من وضع الأسئلة إلى المراقبة والتصحيح وإعلان النتائج، فإن المنطق يفرض سؤالاً آخر: إذا كانت هناك مدرسة تنوي بالفعل التلاعب أو التزوير، فهل يعقل أن تختار أكثر الطرق سذاجة وانكشافاً، فتنجح طالباً ترك ورقة الإجابة فارغة بالكامل، لتترك وراءها دليلاً صارخاً يمكن اكتشافه بسهولة؟.. أليس من المنطقي أن أي جهة ترغب في التدليس كانت ستلجأ إلى وسائل أكثر إحكاماً وأقل إثارة للشبهات؟..
كان يمكن - نظرياً - أن يتم تسريب الأسئلة للطلاب مسبقاً والتأكد من حفظ الإجابات قبل الامتحان، وكان يمكن تسهيل الغش داخل اللجان إذا كانت الرقابة غائبة كما يقال، وكان يمكن أن تُكتب إجابات داخل أوراق الامتحان نفسها بحيث تبدو الأوراق مكتملة وطبيعية ولا تثير أي شكوك، أما نجاح طالب بورقة بيضاء بالكامل فهو السيناريو الأكثر سهولة في الاكتشاف والأسرع في الإدانة، وهو ما يجعل الأمر بحاجة إلى شرح وتوضيح دقيق للرأي العام بدلاً من الاكتفاء بإطلاق الاتهامات.
لذلك فإن أولياء الأمور لا يطلبون سوى شيء واحد: الحقائق الكاملة مدعومة بالأدلة والوثائق، وإجابات واضحة على الأسئلة المنطقية التي يطرحها الجميع، فإذا كانت المدارس هي المسؤولة، فأين التحقيقات ونتائجها وأسماء المدارس المخالفة والإجراءات التي اتخذت بحقها؟.. وإذا كان الطلاب هم المشكلة، فكيف اجتازوا بنجاح امتحانات الوزارة الرسمية في العام السابق؟.. وإذا كانت هناك أخطاء في المنظومة، فلماذا يتحمل الطلاب وحدهم نتائجها؟
الحقيقة التي يحاول البعض تجاهلها هي أن أولياء أمور المدارس الدولية لم يعترضوا يوماً على دراسة اللغة العربية أو التربية الدينية أو الدراسات الاجتماعية، بل على العكس، الجميع يؤمن بأن اللغة العربية هي لغة الوطن، وأن الدين والأخلاق وتاريخ مصر جزء أساسي من تكوين شخصية الطالب.. والجميع أشاد وأيد توجيهات سيادة الرئيس بالاهتمام بمواد الهوية الوطنية وعلى رأسها اللغة العربية والدين.. لكن السؤال الحقيقي هو: كيف ندرس هذه المواد؟.. هل الهدف أن يحب الطالب لغته ووطنه؟.. أم أن نحوله إلى ماكينة حفظ؟.. هل ترسيخ الهوية الوطنية يكون بتكديس المناهج والحشو والتكرار؟.. أم بتعليم اللغة بشكل يجعل الطالب قادراً على القراءة والكتابة والتعبير والتفكير؟.. هل المشكلة الحقيقية لدى طلاب المدارس الدولية أنهم لا يجيدون الشعر الجاهلي؟.. أم أن المشكلة أن المناهج نفسها تحتاج إلى تطوير جذري يركز على المهارات والفهم والقيم والهوية الحقيقية؟
إذا أردنا بناء الانتماء، فعلينا أن نعلم الطالب إعمال العقل والتفكير ، أما الحفظ الأعمى فلن يصنع هوية وطنية ولن يبني مواطناً صالحاً ولن يفيده هو ولا الوطن .
نحن لا ندافع عن أي مخالفة إن وجدت، ولا نطلب استثناءً لأحد، وإنما نبحث عن تفسير منطقي متسق مع الوقائع المعلنة، لأن ما يقال اليوم يناقض ما قيل بالأمس، وما حدث هذا العام لا يتفق مع النتائج الرسمية التي أعلنتها الوزارة بنفسها في العام الماضي.
لعلنا نجد إجابات واضحة ومقنعة، فإقناع الناس بالمنطق أسهل كثيراً من مطالبتهم بتصديق روايات تثير أسئلة أكثر مما تقدم من إجابات.
السادة المسؤولون.. بدلاً من اتهام آلاف الطلاب بفقدان الهوية، أجيبوا أولاً عن السؤال البسيط: إذا كان هؤلاء الطلاب لا يعرفون العربية ولا الدين ولا الدراسات الاجتماعية، فكيف نجحوا العام الماضي في امتحانات الوزارة نفسها وانتقلوا إلى الصف الأول الثانوي؟.. ومن المسؤول عن إقرار نتيجة وإعلانها على الموقع الحكومي الرسمي قبل التأكد من صحتها ثم التشكيك فيها وتغيرها؟
وللحديث بقية ..