القضاء على الإرهاب بالأمن والفكر والتنمية
السبت، 27 يونيو 2026 07:00 م
لم يكن التحدي الأكبر الذي واجه الدولة المصرية بعد عام 2013 سياسيًا فقط، بل أمنيًا أيضًا، ففي الوقت الذي كانت فيه الدولة تحاول استعادة الاستقرار، تصاعدت وتيرة العمليات الإرهابية بصورة غير مسبوقة، ووجدت مصر نفسها أمام موجة عنف استهدفت مؤسسات الدولة وقواتها الأمنية وعددًا من المرافق الحيوية.
وخلال تلك السنوات، تحولت العمليات الإرهابية من حوادث متفرقة، إلى تهديد يومي فرض نفسه على المشهد العام، كرد فعل لسقوط جماعة الإخوان، وذلك من خلال هجمات على الكمائن الأمنية، وتفجيرات استهدفت منشآت ومقار حكومية، ومحاولات مستمرة لإرباك الدولة واستنزاف قدراتها الأمنية والاقتصادية.
كان واضحًا أن الهدف لم يكن مجرد تنفيذ عمليات متفرقة، بل خلق حالة مستمرة من عدم الاستقرار، ودفع الدولة إلى معركة استنزاف طويلة تعرقل قدرتها على استعادة التوازن والانطلاق نحو مرحلة جديدة من البناء والتنمية.
ومثلت شبه جزيرة سيناء التحدي الأمني الأكبر خلال تلك المرحلة، فمع تصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية المسلحة، تحولت المنطقة إلى واحدة من أخطر بؤر المواجهة في المنطقة بأكملها.
استغلت تلك التنظيمات طبيعة المنطقة الجغرافية، وتعقيداتها الأمنية، وحاولت فرض واقع جديد قائم على السيطرة والنفوذ وإضعاف حضور الدولة، وتعرضت قوات الجيش والشرطة لسلسلة من الهجمات العنيفة التي استهدفت الكمائن ونقاط الارتكاز الأمنية، في محاولة لإثبات أن التنظيمات المسلحة قادرة على فرض وجودها على الأرض.
وفي بعض الفترات، بدا المشهد شديد التعقيد، فالتنظيمات الإرهابية لم تكن تعتمد فقط على السلاح، بل استفادت من شبكات تهريب ودعم لوجستي وبيئة إقليمية مضطربة ساعدتها على الحركة وإعادة التموضع.
ولهذا لم تكن المعركة في سيناء مجرد مواجهة مع مجموعات مسلحة، بل كانت معركة لمنع تحويل جزء من الأراضي المصرية إلى منطقة خارجة عن السيطرة، أو إلى نموذج مشابه لما شهدته دول أخرى في المنطقة خلال سنوات الفوضى.
من رد الفعل إلى المبادرة
كان التحدي الرئيسي أمام الدولة في بداية المواجهة، هو احتواء التهديد ومنع تمدده، لكن مع مرور الوقت، تغيرت طبيعة المعركة.
فبدلًا من الاكتفاء بالتعامل مع الهجمات بعد وقوعها، انتقلت الدولة إلى مرحلة المبادرة والملاحقة الاستباقية، وتم تنفيذ عمليات أمنية وعسكرية واسعة النطاق كالعملية الشاملة في سيناء بمشاركة رجال القوات المسلحة والشرطة، استهدفت البنية الأساسية للتنظيمات المسلحة، ومخازن السلاح، ومناطق الاختباء، وشبكات الدعم والتمويل.
ولم تكن هذه العمليات مجرد تحركات أمنية تقليدية، بل جزءًا من استراتيجية أوسع هدفت إلى تفكيك القدرات التنظيمية للإرهابيين ومنعهم من إعادة بناء شبكاتهم مرة أخرى.
ومع الوقت، بدأت نتائج هذه السياسة تظهر تدريجيًا، سواء من خلال تراجع قدرة التنظيمات على الحركة أو من خلال انخفاض حجم العمليات مقارنة بسنوات الذروة، وصولاً إلى القضاء بشكل كامل على الإرهاب وفرض هيبة الدولة والاستقرار في كافة ربوعها.
أحد الدروس التي فرضتها سنوات المواجهة هو أن الإرهاب لا يُهزم بالسلاح فقط، فإلى جانب العمليات الأمنية والعسكرية، اتجهت الدولة إلى تنفيذ عدد كبير من مشروعات التنمية والبنية الأساسية، خصوصًا في سيناء والمناطق الحدودية، انطلاقًا من قناعة بأن تثبيت الاستقرار يتطلب تعزيز حضور الدولة على الأرض، وليس فقط ملاحقة العناصر المسلحة.
ولهذا شهدت سيناء خلال السنوات الماضية تنفيذ مشروعات واسعة شملت الطرق والمحاور الجديدة وشبكات المرافق والخدمات، إلى جانب الأنفاق التي ساهمت في ربط شبه الجزيرة بالوادي والدلتا بصورة أكبر.
ولم تكن هذه المشروعات مجرد أعمال تنموية بالمعنى التقليدي، بل كانت جزءًا من استراتيجية أشمل هدفت إلى خلق واقع مختلف عن ذلك الذي سعت التنظيمات الإرهابية إلى فرضه.
وإذا كانت سنوات المواجهة قد شهدت تراجعًا تدريجيًا في نشاط التنظيمات الإرهابية على الأرض، فإن المؤشرات الدولية بدأت تعكس هذا التحول بصورة واضحة خلال السنوات الأخيرة، فوفقًا لما أعلنه المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، انتقلت مصر في مؤشر الإرهاب العالمي من مستوى التهديد الإرهابي المتوسط إلى مستوى التهديد المنخفض، بعدما جاءت في المركز الثاني والثلاثين عالميًا في نسخة المؤشر لعام 2026، مقارنة بالمركز التاسع والعشرين في عام 2025، وهو ما اعتبرته الحكومة انعكاسًا لتحسن الأوضاع الأمنية واستمرار جهود مكافحة الإرهاب.
ولا تتوقف أهمية هذه الأرقام عند مقارنة عامي 2025 و2026 فقط، بل تظهر بصورة أوضح عند العودة إلى سنوات الذروة، ففي مارس 2025، أشارت الهيئة العامة للاستعلامات إلى أن مصر تراجعت 16 مركزًا على مؤشر الإرهاب العالمي مقارنة بالسنوات السابقة، بعدما كانت تحتل المركز الثالث عشر عالميًا في عام 2014، قبل أن تصل إلى المركز التاسع والعشرين في عام 2024.
وتعكس هذه المؤشرات مسارًا ممتدًا من المواجهة الأمنية والعمليات الاستباقية التي نفذتها القوات المسلحة ووزارة الداخلية على مدار سنوات، خصوصًا في شمال سيناء، والتي أسهمت في تقليص قدرات التنظيمات الإرهابية وإضعاف قدرتها على تنفيذ هجمات واسعة النطاق كما كان الحال خلال سنوات الذروة.
وبين أرقام 2014 ومؤشرات 2026، تبدو الصورة أكثر وضوحًا: فالدولة التي واجهت واحدًا من أخطر التحديات الأمنية في تاريخها الحديث، نجحت في تقليص مستوى التهديد بصورة انعكست على الأرض أولًا، ثم سجلتها المؤشرات الدولية لاحقًا.
وبعد أكثر من عقد من المواجهة، قد تختلف التقديرات حول كثير من الملفات، لكن ما يصعب إنكاره هو أن الدولة نجحت في استعادة السيطرة وتقليص الخطر الذي مثّلته التنظيمات الإرهابية خلال سنوات الذروة، وأن هذه النتيجة جاءت بعد سنوات من العمل الأمني والتنموي والتضحيات التي قدمها آلاف المصريين دفاعًا عن استقرار وطنهم.