من نار الإرهاب إلى بوابة التعمير.. شمال سيناء تتنفس تنمية ومشروعات على كل شبر بأرض الفيروز (صور)
السبت، 27 يونيو 2026 10:40 م
لم تكن السنوات التي سبقت عام 2013 عادية في شمال سيناء. فالمحافظة التي تمثل البوابة الشرقية لمصر عاشت ظروفًا أمنية معقدة تصاعدت بعد 30 يونيو 2023 مع سقوط جماعة الإخوان الإرهابية، وانتشار الجماعات المسلحة، وتزايد الهجمات على الأكمنة وخطوط الغاز والمنشآت الحيوية، وصولًا إلى مرحلة أصبحت فيها بعض المناطق، خاصة في رفح والشيخ زويد، مسرحًا لمواجهات شبه يومية، وبينما كان المواطن السيناوي يحاول الحفاظ على حياته ومصدر رزقه، وجد نفسه عالقًا بين خطر الإرهاب ومتطلبات المواجهة الأمنية، وما تبعها من عمليات إخلاء ونزوح في بعض المناطق الحدودية.
بين عامي 2013 - 2018 تقريبًا، عاشت أجزاء واسعة من شمال سيناء سنوات قاسية من المواجهات الأمنية والإرهاب. مدن مثل العريش والشيخ زويد ورفح شهدت نزوحًا للسكان، وتضررًا للممتلكات، وتعطلًا للحياة الاقتصادية والاجتماعية، وفقدت عشرات العائلات أبناءها أو منازلها أو مصادر رزقها، وشهدت شمال سيناء أعنف موجة إرهابية في تاريخها الحديث، تعرضت الكمائن العسكرية والشرطية لهجمات متكررة، كما شهدت مدن العريش والشيخ زويد ورفح عمليات تفجير واغتيالات واستهدافًا للمدنيين المتعاونين مع الدولة.
يؤكد عدد من أبناء شمال سيناء إن سنوات ما قبل 2013 شهدت معاناة مزمنة بسبب نقص الخدمات وفرص العمل وضعف الاستثمارات، وهو ما خلق بيئة استغلتها الجماعات المتشددة في تجنيد بعض الشباب أو فرض نفوذها في مناطق معينة، ويروي سليمان غانم أحد أبناء الشيخ زويد، 55 سنة: كنا نشعر أننا بعيدون عن قلب الدولة. الخدمات قليلة، والفرص محدودة، ثم جاءت سنوات الفوضى بعد 2011 فأصبح الوضع أكثر تعقيدًا، ومع تصاعد نشاط تنظيمات إرهابية دخلت المحافظة مرحلة غير مسبوقة من العنف".
ويقول احمد سليم سواركة أحد سكان مدينة الشيخ زويد: كان الخروج بعد المغرب مخاطرة حقيقية. كثير من الأسر كانت تخشى التنقل بين المدن.
وخلال سنوات المواجهة، وجد المواطن السيناوي نفسه في وضع بالغ الصعوبة.، فمن جهة كانت الجماعات الإرهابية تستهدف المتعاونين مع الدولة، ومن جهة أخرى فرضت الظروف الأمنية قيودًا على الحركة والتنقل والتجارة، ويقول محمد الحماية، تاجر من الشيخ زويد: "كنا نخشى الذهاب إلى المزارع أو السفر بين المدن. النشاط الاقتصادي كان شبه متوقف".
دفعت هذه التطورات الدولة إلى إطلاق عمليات عسكرية واسعة انتهت بإطلاق العملية الشاملة "سيناء 2018"، للقضاء على البنية الرئيسية للتنظيمات المسلحة، بالتوازي مع تنفيذ مشروعات تنموية واسعة في شمال وجنوب سيناء، بدأت المؤشرات الأمنية في التحسن تدريجيًا. وتراجعت الهجمات الإرهابية بصورة كبيرة مقارنة بالسنوات السابقة، وعادت مؤسسات الدولة إلى العديد من المناطق التي كانت تمثل بؤرًا ساخنة
ومع تواصل العملية الشاملة، بمشاركة القوات المسلحة والشرطة المدنية واتحاد قبائل سيناء ، تم السيطرة على كافة ربوع سيناء واجتثاث جذور الإرهاب وتجفيف منابع الجماعات والعناصر الإرهابية المسلحة حتى آخر نقطقة بمنطقة شمال غرب سيناء وتم في بداية عام 2023 إعلان سيناء خالية من الإرهاب بصورة تامة وشاملة.
اليوم، وبعد أن تخلصت الدولة بجهود القوات المسلحة والشرطة المدنية بمشاركة أبناء القبائل ، تشهد سيناء مرحلة جديدة من البناء والتعمير بعد ان بسطت الدولة سيطرتها التامة وعادت كافة مظاهر ومقومات الأمن والأمان، وغدت سيناء واحة للتنمية الحقيقية، وبدات الملحمة العمرانية، وتواصلت جهود الدولة لتُشق الطرق الجديدة، وتُبنى التجمعات التنموية، وتُقيم الجامعات والمستشفيات ومحطات التحلية والموانئ، لإعادة تشكيل الواقع الاقتصادي والاجتماعي من جديد.
مع تحسن الوضع الأمني بدأت الدولة تنفيذ واحدة من أكبر خطط التنمية في تاريخ سيناء. وتشير البيانات الحكومية إلى تنفيذ مشروعات بمليارات الجنيهات في قطاعات الطرق والإسكان والكهرباء والمياه والخدمات والتجمعات التنموية، ومن أبرز ما شهده الإقليم:تطوير شبكة الطرق والمحاور. إنشاء تجمعات تنموية جديدة. مشروعات إسكان بدوي. تطوير ميناء العريش.إنشاء محطات تحلية المياه.، تطوير المستشفيات والوحدات الصحية، التوسع في المدارس والجامعات. دعم المشروعات الزراعية والاستصلاح.
وأطلقت الدولة خطة تنموية طويلة المدى حتى عام 2030 تتضمن مئات المشروعات التنموية والاستراتيجية، حيث انتقلت شمال سيناء بدرجة كبيرة من مرحلة مواجهة الإرهاب إلى مرحلة بناء التنمية، حيث تمضي الدولة المصرية في تنفيذ مخططات استراتيجية شاملة على أرض الفيروز، وبدأت الدولة خطة لتطوير ميناء العريش البحري، بصفته الميناء الوحيد على البحر المتوسط في شمال سيناء، ويهدف المشروع إلى تحويل الميناء إلى مركز إقليمي للنقل واللوجيستيات، ليكون بوابة رئيسية لخدمة حركة التجارة بين قارتي أوروبا وآسيا، وذلك ضمن خطة أوسع لتحويل مصر إلى مركز عالمي لتجارة الترانزيت وربط مناطق الإنتاج الصناعي والتعديني في سيناء بالأسواق الدولية.
وشملت أعمال التطوير الجارية والمخططة تقسيم الميناء إلى مرحلتين وحوضين، حيث تم الانتهاء من الأسبقية الأولى والثالثة بنسبة 100%، وتضمنت: إنشاء حاجز أمواج رئيسي بطول 1250 مترًا وحاجز ثانوي بطول 250 مترًا ،تنفيذ أرصفة بحرية متنوعة (رصيف سيناء 250م، رصيف تحيا مصر 915م، والرصيف السياحي 1000م) ،بناء 13 مبنى إدارياً وخدمياً تشمل مقرات للجمارك، والشرطة، والخدمات اللوجيستية، ومنطقة معامل وورش. وتشمل المرحلة الثانية (الحوض الشرقي) تستهدف إنشاء أرصفة جديدة بطول 1908 أمتار، مع مد حواجز الأمواج القائمة لتعزيز حماية الميناء.
كما تعد "المنطقة اللوجيستية بالعريش" حجر الزاوية في هذا المشروع، حيث تقام على مساحة ضخمة تصل إلى 603 أفدنة. صُممت المنطقة لتضم ساحات متطورة للتخزين والتحميل والتفريغ، بالإضافة إلى ثلاجات تبريد وتجميد عملاقة لخدمة تجارة الترانزيت. وتستهدف المنطقة دعم "ممر العريش–طابا" اللوجيستي، وتوفير فرص عمل مباشرة لأبناء سيناء، ودمج اقتصاد شبه الجزيرة بشكل أكبر في الاقتصاد القومي.
ويتضمن المشروع إنشاء 4 صوامع تخزين وتداول متطورة للأسمنت (الأبيض والرمادي) بسعة إجمالية 40 ألف طن، لتعزيز قدرة الميناء على تصدير المنتجات السيناوية مثل الرخام والملح والرمل والأسمنت. ولتحقيق التكامل اللوجيستي، يتم تنفيذ وصلة سكة حديد بطول 12 كم تربط الميناء بشبكة السكك الحديدية القومية عبر خط (بئر العبد/ العريش/ طابا)، مما يربط الميناء بموانئ البحر الأحمر وخليج العقبة، ويقلل من تكلفة وزمن نقل البضائع بشكل جذري.
ويعد مشروع تطوير مطار العريش الدولي من أهم المشروعات التنموية في مدينة العريش بشمال سيناء، حيث يتمثل مشروع تطوير مطار العريش الدولي في إنشاء حقل الطيران المدني على مساحة 823 فدانا.، و يشمل المشروع عددا من المكونات؛ ومنها إنشاء مبنى ركاب يسع 800 راكب/ ساعة بمسطح 17500 متر مربع، ويتكون من (صالة سفر، وصالة وصول، وصالة VIP، وصالة خدمة الحجاج).
وبالإضافة إلى مبنى الركاب، يضم المشروع مبنى كبار الزوار VIP بمسطح 3500 متر مربع ببوابة خاصة وترمك انتظار طائرات خاص وطريق مستقل وصالة لعقد المؤتمرات الدولية والترجمة الفورية. وبالإضافة إلى ذلك، يتضمن مشروع تطوير المطار صالة المستقبلين والمودعين والتي تسع 190 زائرا بمسطح 480 مترا مربعا، الى جانب إنشاء مسجد بمسطح 605 أمتار ويسع 400 مصلي، وكذا ساحة انتظار الحافلات والسيارات وتسع 85 حافلة و350 سيارة.
ويشمل مشروع تطوير مطار العريش الدولي إنشاء عدد 2 محطة أرصاد جوية؛ وهما محطة أرصاد طبقات الجو العليا، ومحطة أرصاد الطبقات السطحية. فضلا عن إنشاء عدد 30 مبنى إداريا وخدميا لصالح المطار؛ وهي (مبيت الشرطيات – ميس جنود – مخزن سلاح – مبنى مخازن – مبنى صيانة – مبنى الجراج – مبنى المخلفات – محطة كهرباء فرعية لصالة الركاب – مبنى ساحة المبردات – محطة الطاقة – 4 محطات كهرباء فرعية – محطتا إنارة ممرات).
كما يشمل مشروع تطوير مطار العريش (ممر رئيسي بطول 3 كيلو مترات وعرض 45 مترا – ممر مساعد بطول 3 كيلو مترات وعرض 30 مترا – وصلات بطول 1 كيلو متر – ترمك رئيسي بمسطح 86892 مترا مربعا يسع عدد 10 طائرات تصميمية (A-320) - طرق خدمة بطول 14.6 كيلو متر)، وذلك بإجمالي حقل طيران بمسطح 480.000 متر مربع ، علاوة على أعمال تنسيق الموقع العام، وأعمال البنية التحتية والشبكات، لافتا إلى إنشاء جميع الشبكات من (مياه – ري – حريق – صرف مطر – اتصالات – كهرباء).
كما تشمل المشروعات التي انشئها الدولة، انشاء كوبري معدني للسكة الحديد أعلى قناة السويس بالفردان بطول 640 متر على امتداد الكوبري الحالي ورفع كفاءة وتطوير الكوبري القائم ليحمل سكتين لمرور حركة قطارات نقل الركاب والبضائع، وربط الكوبري غرب القناة بخط سكك الحديدية ( بنها - بورسعيد) وشرق القناة بخط (الفردان - رفح)، كما تم إعادة تطوير وتأهيل خط الفردان – بئر العبد والإنتهاء من تطوير عدد (6) محطات ( القنطرة شرق – جلبانة – بلوظة – رمانه - نجيلة – بئر العبد ) وإنشاء عدد ( 2 ) محطة جديدة ( 30 يونيو – السلام ) وكذلك وصلة بالوظة (شرق بورسعيد) حيث يمثل هذا المشروع نقلة نوعية في خدمة المجتمعات العمرانية والتنموية في شمال سيناء ودعم حركة تنقل المواطنين ونقل البضائع والخدمات اللوجستية باستخدام القطارات من وإلى سيناء.
ويجري حالياً تنفيذ مشروع خط ( بئر العبد – العريش – طابا ) والذي يعد أحد أضخم مشروعات البنية التحتية في قطاع النقل بسيناء حيث يمتد بطول إجمالي يبلغ 353 كم شاملا التفريعات، ويضم 22 محطة ويجري تنفيذه على مرحلتين، الأولى في المسافة بين (بئر العبد – العريش) بطول 81 كم + 12 كم تفريعات بإجمالي عدد7 محطات ( السادات – التلول – شهداء الروضة – مصنع الملح – المساعيد – وسط العريش – مطار العريش) ويشمل 18 عمل صناعي ( 9 كباري سيارات – 4 مزلقانات - 4 أنفاق - كوبري سكة حديد ) حيث تم تسليم مواقع العمل للشركة المنفذة والانتهاء من أعمال الجسات والتصميمات الخاصة بالمحطات وجاري استكمال باقي إجراءات التنفيذ.
والمرحلة الثانية، تشمل مد السكك الحديدية إلى طابا ورأس النقب بطول 260 كم والمرحلة الثالثة، في المسافة بين (العريش – طابا) بطول 260 كم، وبإجمالي 15 محطة ( الطويل – الريسان – مصنع الأسمنت – بغداد – الحسنة – محطة 1– محطة 2 - نخل – محطة 3 – الريد – التمد – محطة 4 – محطة 5 - رأس النقب – مطار طابا) ويشمل 33 عمل صناعي ( 20 كوبري سيارات - مزلقان - 12 نفق ).
تعكس هذه المشروعات حجم الجهود التي تبذلها الدولة المصرية لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة في سيناء، حيث تمثل شبكات الطرق والانفاق والسكك الحديدية الجديدة شريانا حيويا لتعزيز الربط الجغرافي والاقتصادي مع باقي محافظات الجمهورية ، وتؤكد أن معركة البناء والتنمية لاتزال مستمرة وفي القلب منها شبه جزيرة سيناء باعتبارها ورمزا لعزة وكرامة أمتنا المصرية جيلاً بعد جيل.


