حين لا يفتقدك أحد!
الإثنين، 29 يونيو 2026 10:46 ص
عبد الحليم محمود
في زغرب، عاصمة كرواتيا، ماتت امرأة.. جملة عادية جدًا. لكن العادي أحيانًا هو أكثر الأشياء غرابة.
امرأة تُدعى هيدفيجا جوليك، ماتت في شقتها، وبقيت هناك اثنين وأربعين عامًا دون أن يسأل أحد أين هي. اثنان وأربعون عامًا.. رقم لا يبدو حقيقيًا. جيل كامل وُلد وتزوج ومات، وهي في مكانها الأول، كأن الزمن مرّ من فوقها ولم يلمسها. الغريب ليس الموت؛ فالموت يحدث كل يوم ولا أحد يتوقف كثيرًا عنده. الغريب أن أحدًا لم يقل: أين ذهبت؟!.
وحين فكرت في الأمر، لم أفكر في امرأة في زغرب، بل في شيء آخر تمامًا، في هذا العالم الذي أصبح فيه الإنسان قريبًا جدًا من الجميع، وبعيدًا جدًا عن أي أحد. ثم جاءت التقارير، كأنها تأتي متأخرة دائمًا، لتشرح ما شعرنا به قبل أن نفهمه. في عام 2026 تتحدث تقارير عالمية بهدوء شديد عن أن واحدًا من كل ستة أشخاص يعيش نوعًا من الوحدة لا يُرى؛ ليس حزنًا عابرًا، بل عزلة طويلة تشبه أن تكون موجودًا ولا أحد ينتبه لوجودك.
ومن الغريب أن الشباب ليسوا خارج الصورة، بل داخلها تمامًا. الذين يفترض أنهم الأكثر اتصالًا هم الأكثر شعورًا بالانقطاع. شيء يشبه المفارقة، أو ربما يشبه السخرية. وفي تقارير أخرى، لا تحتاج إلى أسماء كثيرة، يقال ببساطة إن العلاقات أصبحت أكثر عددًا وأقل عمقًا: نحن نعرف كثيرين، لكننا لا نُسأل كثيرًا.
وفي منطقتنا العربية، تظهر دراسات اجتماعية حديثة تقول الشيء نفسه تقريبًا، ولكن بلغة أبسط: الروابط القديمة تتراجع، الجيرة تخف، والأسرة تضيق، والحياة تميل أكثر إلى الداخل، إلى شاشة صغيرة. وفي مصر كان الأمر مختلفًا دائمًا؛ كان الشارع يعرفك قبل أن تعرف نفسك، وكان المقهى امتدادًا للبيت، وكان السؤال البسيط: “إزيك؟” ليس سؤالًا، بل حياة كاملة.
الآن أصبح السؤال يحتاج إلى وقت، والزيارة تحتاج إلى ترتيب، والصمت أصبح أسهل من الكلام. العجيب أننا لم نعد وحدنا كما كنا، لكننا أيضًا لم نعد مع بعضنا كما كنا. وهنا تظهر هيدفيجا مرة أخرى، لا كقصة قديمة، بل كمرآة صغيرة: امرأة ماتت ولم يلاحظها أحد. لكن السؤال الحقيقي ليس عنها… بل عنا نحن. كم شخصًا يمكن أن يختفي اليوم ولا يلتفت إليه أحد؟ وأنا لا أقصد الموت طبعًا، بل أقصد الحياة.