بركان الغضب ينفجر في وجه "الإرهابية".. الانقسامات والفساد المالى والملاحقات الأوربية تضرب "الإخوان"
السبت، 04 يوليو 2026 09:24 م
طرد "الجماعة" من السلطة كشف المستور وأطلق حروباً داخلية حول النفوذ والموارد والقيادة
13 عاماً من الشتات تسببت في تآكل الهياكل الإخوانية وانهيار منظومة "السمع والطاعة ووحدة الصف" وخروج الخلافات من الغرف المغلقة
منذ أن اقتلع المصريون جماعة الإخوان الإرهابية من السلطة في أعقاب ثورة 30 يونيو 2013، دخل التنظيم المرحلة الأكثر تعقيدًا في تاريخه الحديث، فبعد عام واحد فقط من وصوله إلى الحكم، وجد نفسه أمام انهيار متسارع في بنيته التنظيمية، وانقسامات حادة بين قياداته، وتراجع ملحوظ في حضوره السياسي والإعلامي، بالتزامن مع تحولات إقليمية أعادت رسم خريطة التحالفات في المنطقة، وأفقدته كثيرًا من مساحات الحركة التي اعتمد عليها لسنوات.
وخلال ثلاثة عشر عامًا، لم تعد أزمة الجماعة الإرهابية مقتصرة على خسارة السلطة، بل امتدت إلى صراعات على القيادة والتمويل، وانشقاقات متتالية بين جبهاتها في الداخل والخارج، وتراجع نفوذها في عدد من الدول التي كانت تمثل مراكز رئيسية لنشاطها، فضلًا عن فقدانها جانبًا كبيرًا من قدرتها على الحشد والتأثير، في ظل تضييق الخناق على أذرعها السياسية والإعلامية والتنظيمية.
وفي الذكرى الثالثة عشرة لثورة 30 يونيو، لا يقتصر تقييم تلك المرحلة على التحولات التي شهدتها الدولة المصرية، وإنما يمتد إلى قراءة ما آلت إليه جماعة الإخوان الإرهابية بعد أكثر من عقد على خروجها من الحكم؛ فمن تنظيم تمكن من الوصول إلى السلطة مستفيدًا من حالة الاضطراب التي أعقبت أحداث عام 2011، إلى كيان يعاني التشرذم والانقسام، ويواجه أزمات تنظيمية وسياسية وإقليمية متراكمة، تبرز تساؤلات حول العوامل التي قادت إلى هذا التحول، وكيف أسهمت الصراعات الداخلية، وتراجع الدعم الخارجي، وفقدان أدوات التأثير، في إعادة تشكيل واقع الجماعة، وتحويلها إلى تنظيم يعيش واحدة من أكثر مراحل الشتات في تاريخه.
الوجه الأول.. سقوط السلطة
لم تُسقط ثورة 30 يونيو رئيسًا فحسب، بل أطاحت بالمشروع السياسي الذي سعت جماعة الإخوان الإرهابية إلى ترسيخه بعد وصولها إلى الحكم في يونيو 2012. فخلال عام واحد فقط، انتقلت الجماعة من تقديم نفسها باعتبارها القوة القادرة على إدارة الدولة وتحقيق أهداف ثورة يناير 2011، إلى مواجهة موجة غضب شعبي غير مسبوقة، انتهت بخروج الملايين إلى الشوارع للمطالبة بإنهاء حكمها، في مشهد شكّل نقطة فاصلة في تاريخ التنظيم، وبداية مرحلة جديدة عنوانها السقوط المتتالي.
دخلت الجماعة السلطة وهي تمتلك أكبر كتلة تنظيمية في مصر، وسيطرت على مؤسسة الرئاسة، وحققت حضورًا مؤثرًا داخل البرلمان قبل حله، إلا أن عامها في الحكم شهد تصاعدًا في حدة الاستقطاب السياسي، واتساعًا لدائرة الخلاف مع مؤسسات الدولة والقوى المدنية والثورية، وزادت حالة الاحتقان مع إصدار الإعلان الدستوري في نوفمبر 2012، الذي منح الرئيس المعزول -آنذاك - محمد مرسي سلطات استثنائية، وأثار موجة واسعة من الاعتراضات، اعتبرتها قوى سياسية وقضائية محاولة لتغليب إرادة الجماعة على مؤسسات الدولة، بينما اندلعت احتجاجات واسعة أمام قصر الاتحادية وعدد من المحافظات، لتدخل البلاد مرحلة من الانقسام السياسي الحاد.
وفي الوقت الذي كانت فيه الجماعة تراهن على تماسك تنظيمها وقدرته على تجاوز الأزمات، كانت حالة السخط الشعبي تتسع بصورة متسارعة، فقد أطلقت حملة "تمرد" مبادرة لجمع توقيعات لسحب الثقة من الرئيس والدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة، قبل أن تتحول في غضون أسابيع إلى واحدة من أكبر حملات التعبئة السياسية في تاريخ مصر الحديث، فمع حلول 30 يونيو 2013، خرجت حشود ضخمة في القاهرة والمحافظات مطالبة بإنهاء حكم الإخوان، معتبرة أن الجماعة أخفقت في إدارة الدولة، وفشلت في تحقيق التوافق الوطني الذي وعدت به عقب وصولها إلى السلطة.
وجاء بيان القوات المسلحة في الثالث من يوليو 2013 ليضع نهاية لتجربة حكم الجماعة، معلنًا خارطة طريق تضمنت عزل محمد مرسي، وتعطيل العمل بالدستور، وتشكيل إدارة انتقالية للبلاد، وبذلك فقدت الجماعة، خلال عام واحد فقط، السلطة التي اعتبرتها تتويجًا لمسيرة امتدت لعقود، لتتحول من تنظيم يحكم الدولة إلى تنظيم يواجه إجراءات قانونية وأمنية واسعة، شملت توقيف عدد كبير من قياداته، وفي مقدمتهم المرشد العام وأعضاء مكتب الإرشاد، بينما غادر آخرون إلى الخارج، لتبدأ مرحلة جديدة من العمل من المنفى.
ولم تكن خسارة السلطة مجرد هزيمة سياسية عابرة، بل كشفت حدود قدرة الجماعة على إدارة الدولة، وأطاحت بصورة التنظيم الذي روّج لنفسه باعتباره الأكثر جاهزية للحكم. كما كشفت أن الرهان على الانضباط التنظيمي لم يكن كافيًا لتعويض غياب التوافق السياسي، وأن تجربة العام الواحد انتهت إلى فقدان الجماعة الغطاء الشعبي الذي أوصلها إلى السلطة، ليتحول التنظيم من مشروع يسعى إلى تثبيت أقدامه داخل مؤسسات الدولة، إلى كيان منشغل بالدفاع عن بقائه وإدارة أزماته الداخلية.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت جماعة الإخوان الإرهابية تدفع ثمن خسارتها للسلطة على أكثر من مستوى، فلم يقتصر الأمر على فقدان الرئاسة، بل امتد إلى انهيار نفوذها السياسي، وتفكك بنيتها التنظيمية، واندلاع صراعات داخلية حول المسؤولية عن الإخفاق، وهي الصراعات التي ستقود لاحقًا إلى انقسامات حادة بين قيادات الداخل والخارج، وتفتح الباب أمام الوجه الثاني من وجوه السقوط: تفكك التنظيم وانهيار وحدته الداخلية.
الوجه الثاني.. سقوط التنظيم
لقد كشفت السنوات التالية لثورة 30 يونيو عن أزمة أكثر خطورة داخل التنظيم الإرهابي نفسه، فبمجرد فقدان السلطة، بدأت الخلافات التي ظلت لسنوات حبيسة الغرف المغلقة في الظهور إلى العلن، ليتحول التنظيم الذي طالما تباهى بالسمع والطاعة ووحدة الصف إلى ساحة مفتوحة للصراع على القيادة والنفوذ والتمويل، في واحدة من أعنف الأزمات التنظيمية منذ تأسيس الجماعة.
ولم يستغرق الأمر طويلًا حتى بدأت ملامح الانقسام تتشكل، فمع توقيف معظم قيادات الصف الأول داخل مصر، وهروب عدد من القيادات إلى الخارج، دخل التنظيم في حالة فراغ قيادي غير مسبوقة، وفي البداية حاولت الجماعة الحفاظ على صورة التماسك، إلا أن الخلافات سرعان ما انفجرت حول من يمتلك شرعية قيادة التنظيم، ومن يسيطر على قراراته وأمواله وشبكاته الدولية.
وجاءت الأزمة الأكبر في عام 2021 عندما اندلع الصراع العلني بين جبهة القائم بأعمال المرشد – آنذاك - إبراهيم منير في لندن، وجبهة الأمين العام السابق محمود حسين في إسطنبول، وتبادل الطرفان قرارات العزل والتجميد وإلغاء الصلاحيات، في سابقة لم يشهدها التنظيم بهذا الحجم من قبل، بينما تحولت البيانات المتبادلة إلى دليل واضح على انهيار المركزية التنظيمية التي كانت تمثل أحد أهم مصادر قوة الجماعة لعقود.
ولم يتوقف الانقسام عند حدود شخصيات بعينها، بل امتد إلى المؤسسات التنظيمية نفسها، فأصبح لكل جبهة مجلس شورى، وهيئات تنفيذية، ومتحدثون رسميون، ومنصات إعلامية تدافع عنها، في حين تبادل الطرفان الاتهامات بمخالفة اللوائح والاستيلاء على مقدرات التنظيم.
وبعد وفاة إبراهيم منير في أواخر عام 2022، بدت الفرصة سانحة لإنهاء الأزمة، إلا أن انتخاب صلاح عبد الحق قائمًا بأعمال المرشد من جانب جبهة لندن قوبل برفض "جبهة إسطنبول"، لتدخل الجماعة مرحلة جديدة من الانقسام بدلاً من استعادة وحدتها، وبمرور الوقت، لم يعد المشهد يقتصر على جبهتي لندن وإسطنبول، إذ برزت مجموعات أخرى، من بينها ما عُرف بـ"تيار التغيير"، الذي انتقد أداء القيادات التاريخية واتهمها بالعجز عن إدارة الأزمة، ليصبح التنظيم عمليًا موزعًا بين عدة مراكز قرار، لكل منها رؤيته وخطابه وتحالفاته، وأصبحت الخلافات الداخلية تستهلك جانبًا كبيرًا من طاقة الجماعة، بعدما كانت توجه سابقًا إلى توسيع نفوذها السياسي والتنظيمي.
وكشفت هذه الانقسامات حقيقة طالما حاولت الجماعة إخفاءها، وهي أن تماسكها كان يعتمد بدرجة كبيرة على وجود سلطة مركزية قوية، وأن خسارة الحكم أطلقت صراعات مؤجلة حول النفوذ والموارد والقيادة، ومع انتقال معظم القيادات إلى الخارج، تحولت الجغرافيا نفسها إلى عامل انقسام؛ فباتت لندن وإسطنبول تمثلان مركزين متنافسين، لكل منهما حساباته وتحالفاته وأولوياته، بينما فقد التنظيم القدرة على اتخاذ موقف موحد في كثير من القضايا.
ولم تكن الخسائر تنظيمية فقط، بل امتدت إلى القواعد، فقد أدت سنوات الانقسام إلى تراجع ثقة قطاعات من أعضاء الجماعة في القيادة، وانسحاب بعض الكوادر، وغياب رؤية موحدة لإدارة المرحلة، وهو ما انعكس على فاعلية التنظيم وقدرته على إعادة ترتيب صفوفه، حيث تشير دراسات تناولت أوضاع الجماعة في المنفى إلى أن الصراع على الشرعية والقيادة أصبح أحد أبرز العوامل التي عمقت حالة التشرذم، وأضعفت قدرة التنظيم على استعادة تماسكه بعد عام 2013.
وهكذا، لم يعد سقوط الإخوان مقتصرًا على فقدان السلطة، بل امتد إلى انهيار أحد أهم أعمدة التنظيم، وهو وحدة القيادة، فمن جماعة كانت تقدم نفسها باعتبارها الأكثر انضباطًا وتنظيمًا، أصبحت تواجه واقعًا تتنازع فيه الجبهات والولاءات، وتتبدد فيه سلطة القرار المركزي، وكان ذلك إيذانًا بوجه جديد من وجوه السقوط، حيث لم تعد الأزمة خارج التنظيم فحسب، بل أصبحت تضربه من الداخل.
الوجه الثالث.. سقوط النفوذ
كان فقدان جماعة الإخوان الإرهابية للسلطة في عام 2013 بداية تآكل تدريجي في نفوذها السياسي والتنظيمي، فالجماعة التي اعتادت لعقود تقديم نفسها باعتبارها الأكثر قدرة على الحشد والتعبئة، وجدت نفسها خلال السنوات التالية عاجزة عن استعادة حضورها في الشارع أو إعادة بناء قواعدها التنظيمية، بعدما فقدت أهم عناصر قوتها التي اعتمدت عليها قبل الوصول إلى الحكم.
وقبل عام 2013، استند نفوذ الجماعة إلى شبكة واسعة من الهياكل التنظيمية، امتدت إلى الجامعات والنقابات المهنية والجمعيات الأهلية واللجان الاجتماعية، إضافة إلى قدرتها على استقطاب كوادر جديدة عبر منظومة تنظيمية محكمة تقوم على التدرج والالتزام الهرمي؛ إلا أن هذه الشبكات تعرضت لضربات متتالية عقب خروج الجماعة من السلطة، مع تفكيك جزء كبير من بنيتها داخل مصر، وتراجع قدرتها على الحفاظ على قنوات التواصل التقليدية التي كانت تمثل ركيزة أساسية في عملية التجنيد والتعبئة، فقد كان نموذجها التنظيمي كان يعتمد بدرجة كبيرة على التوسع داخل الجامعات والأنشطة الاجتماعية، وهو ما تأثر بصورة مباشرة بعد عام 2013.
وامتد تراجع الإخوان إلى المجال السياسي، فبعد أن كانت الجماعة لاعبًا رئيسيًا في المشهد المصري خلال السنوات التي أعقبت عام 2011، تراجع حضورها بصورة لافتة، وفقدت قدرتها على تشكيل تحالفات سياسية أو التأثير في مسارات النقاش العام داخل البلاد، كما لم تنجح الدعوات التي أطلقتها قياداتها في الخارج في استعادة الزخم الذي سبق عام 2013، إذ اتسمت التحركات اللاحقة بالتراجع المحدود مقارنة بحجم الحشد الذي كانت الجماعة قادرة على تحقيقه في مراحل سابقة.
وأظهرت السنوات التالية لثورة 30 يونيو تآكل القاعدة البشرية للتنظيم، بسبب الانقسامات بين القيادات، والخلافات حول إدارة المرحلة، وصولاً إلى حالة من الإحباط داخل قطاعات من الأعضاء، في وقت فقدت فيه الجماعة جزءًا من قدرتها على استقطاب أجيال جديدة، بعد أن أصبحت صورتها مرتبطة لدى قطاعات واسعة بتجربة الحكم التي انتهت سريعًا، وما أعقبها من أزمات تنظيمية وصراعات داخلية، ناهيك عن موجة الإرهاب التي أطلقتها الجماعة وأذرعها في مصر، ما أفقدها أي حضور في الشارع المصري.
وانعكس هذا التراجع على الخطاب السياسي للجماعة، الذي تحول من خطاب يسعى إلى تقديم مشروع للحكم إلى خطاب يغلب عليه الدفاع عن التنظيم وإدارة أزماته الداخلية، وأصبح جزء كبير من نشاط القيادات في الخارج موجهًا نحو معالجة الخلافات التنظيمية، والرد على الانشقاقات، بدلًا من طرح رؤية سياسية قادرة على استعادة التأثير أو كسب مؤيدين جدد، وفي المقابل، تراجعت قدرة الجماعة على فرض نفسها كفاعل رئيسي في القضايا الإقليمية، بعدما كانت تسعى إلى توظيف شبكة علاقاتها الخارجية لتعزيز حضورها السياسي.
وبعد ثلاثة عشر عامًا على ثورة 30 يونيو، تبدو خسارة النفوذ إحدى أكثر الضربات إيلامًا للجماعة، فالتنظيم الذي اعتمد لعقود على الانتشار المجتمعي والانضباط التنظيمي، وجد نفسه أمام واقع مختلف؛ قواعد أقل، وحضور سياسي محدود، وقدرة متراجعة على الحشد أو التجنيد أو التأثير في المجال العام، ولم يعد قادر على أي تأثير في الشارع المصري، وبالتالي فقدت الجماعة الركائز التي صنعت نفوذها لعقود.
الوجه الرابع.. سقوط الحاضنة الإقليمية
امتدت تداعيات ثورة 30 يونيو وخسارة جماعة الإخوان الإرهابية للسلطة داخل مصر، إلى خارج الحدود، حيث بدأت الجماعة تفقد تدريجيًا المساحات التي اعتمدت عليها لإعادة تنظيم صفوفها عقب عام 2013، ففي السنوات الأولى بعد خروجها من الحكم، نجحت قيادات التنظيم في إعادة التمركز داخل عدد من مناطق التواجد الإقليمية، وأطلقت منها منصات إعلامية وتحركات سياسية، ساعية إلى تعويض خسارتها في الداخل والحفاظ على تماسك هياكلها التنظيمية.
الا أن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات اللاحقة أعادت رسم أولويات الدول، لتتراجع مساحة الحركة التي تمتعت بها الجماعة في بدايات وجودها بالخارج، ومع تغير البيئة الإقليمية واتجاه عدد من العواصم إلى إعادة ترتيب علاقاتها وتحالفاتها، لم يعد ملف الإخوان يحتل المكانة نفسها التي كان يشغلها في حسابات تلك الدول، لتصبح المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية هي المحدد الرئيسي للسياسات الإقليمية، على حساب الاعتبارات الأيديولوجية التي استفادت منها الجماعة في سنوات سابقة.
وانعكس ذلك بصورة مباشرة على نشاط التنظيم، ففي عام 2021، تلقت عدد من القنوات الفضائية المحسوبة على الإخوان، من بينها الشرق ووطن ومكملين، توجيهات بوقف أو تخفيف البرامج التي تستهدف الدولة المصرية، في تحول عكس تراجع مساحة الحركة الإعلامية التي اعتمدت عليها الجماعة لسنوات باعتبارها إحدى أهم أدواتها في الحشد والتأثير، وهو ما امتد تضييق مساحة التحرك السياسي والتنظيمي، في ظل تغير واضح في طبيعة التعامل مع قيادات التنظيم المقيمة بالخارج.
وبالتوازي مع ذلك، فقدت الجماعة جانبًا مهمًا من قدرتها على استثمار الخلافات الإقليمية لخدمة مشروعها السياسي، فمع اتساع دائرة التفاهمات والمصالحات بين عدد من دول المنطقة، تقلصت فرص توظيف التنظيم كورقة ضغط في الصراعات السياسية، وأصبح وجود قياداته في الخارج أكثر ارتباطًا بالضوابط التي تفرضها الدول المستضيفة، وأقل ارتباطًا بالأهداف التي سعت الجماعة إلى تحقيقها بعد خروجها من السلطة.
وتجاوز انحسار مساحات الحركة للتنظيم الإرهابي في المحيط الإقليمي، إلى الساحة الأوروبية، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في التدقيق الأمني والسياسي تجاه شبكات الإخوان. فقد أصدرت أجهزة أمنية وبرلمانات وتقارير رسمية في عدد من الدول الأوروبية تحذيرات من أنشطة التنظيم، وتزايدت الدعوات إلى مراجعة حضوره داخل الجمعيات والمؤسسات المرتبطة به، إلى جانب طرح مبادرات تشريعية وسياسية لتقييد أنشطته أو الدفع نحو حظره، مع تشديد الرقابة على مصادر التمويل، ومتابعة الجمعيات التي يشتبه في ارتباطها بشبكاته، في إطار توجه أوسع لمواجهة تيارات الإسلام السياسي التي تُتهم باستغلال الأطر القانونية لنشر نفوذها.
وتشير التطورات الأخيرة، ومن بينها التقرير الذي كلفت به الحكومة الفرنسية حول نشاط الجماعة، إلى تنامي المخاوف الأوروبية من تمدد شبكات الإخوان داخل المجتمعات الأوروبية، وهو ما انعكس في تبني إجراءات أكثر صرامة تجاه التنظيم والكيانات المرتبطة به، وهي تحولات كشفت عن أن الجماعة بنت جانبًا مهمًا من استراتيجيتها بعد عام 2013 على فرضية استمرار البيئة الخارجية التي سمحت لها بالتحرك، إلا أن تغير موازين القوى الإقليمية والدولية أضعف تلك الفرضية تدريجيًا، فمع انحسار المساحات تراجع النشاط السياسي والإعلامي للتنظيم، وازدادت حدة الخلافات بين قياداته حول كيفية إدارة المرحلة، في وقت أصبحت فيه الأولوية لدى كثير من القيادات الحفاظ على الوجود التنظيمي أكثر من الحديث عن استعادة النفوذ.
وبعد 13 عامًا على ثورة 30 يونيو، تبدو خسارة الحاضنة الإقليمية والدولية إحدى الضربات الأكثر تأثيرًا في مسار الجماعة، فلم تعد مناطق التواجد الخارجية توفر البيئة ذاتها التي انطلقت منها أنشطة التنظيم خلال العقد الماضي، كما لم يعد الخطاب الذي اعتمد عليه قادرًا على تحقيق التأثير نفسه في ظل المتغيرات السياسية والأمنية المتسارعة، وبين تضييق المساحات الإقليمية، وتصاعد الرقابة الأوروبية، فقدت الجماعة واحدة من أهم ركائز بقائها خارج مصر.
الوجه الخامس.. سقوط الإعلام والمال
بعد خسارة السلطة، أدركت جماعة الإخوان الإرهابية أن معركتها الجديدة لن تكون داخل مؤسسات الدولة، وإنما عبر الإعلام والتمويل؛ لذلك سارعت إلى إنشاء منظومة إعلامية ضمت قنوات الشرق ومكملين ووطن، إلى جانب عشرات المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، في محاولة للحفاظ على حضورها السياسي، وتعويض خسارتها للنفوذ داخل مصر.
لكن هذه الورقة فقدت فعاليتها تدريجيًا، فمع تغير الأوضاع في مناطق وجود قيادات الجماعة، تقلصت المساحات المتاحة أمام تلك المنصات، وتوقفت برامج، وغادر إعلاميون، وتراجع حجم البث والتأثير، بعدما كانت هذه القنوات تمثل الذراع الإعلامية الأبرز للتنظيم خلال السنوات الأولى التي أعقبت خروجه من السلطة.
وفي الوقت نفسه، انفجرت أزمة التمويل داخل الجماعة، فمع تراجع الموارد، تحولت الأموال إلى محور صراع بين قياداتها في الخارج، وتبادلت الجبهات الاتهامات بالاستحواذ على الأصول، وسوء إدارة الاستثمارات، واحتكار الموارد المالية، حتى أصبحت الخلافات على الأموال أحد أبرز أسباب الانقسام داخل التنظيم، بعدما كانت القيادة تحرص لسنوات على إخفاء هذه الصراعات عن قواعدها.
كما واجهت شبكات الإخوان في الخارج ضغوطًا متزايدة، مع تشديد الرقابة على الجمعيات والكيانات المرتبطة بالتنظيم، وإخضاع مصادر التمويل لمزيد من المراجعة، بالتزامن مع تصاعد التحذيرات الأمنية والبرلمانية في عدد من الدول الأوروبية من أنشطة الجماعة، والدعوات إلى تقييد وجودها ومراقبة شبكاتها بصورة أكبر.
ولم تقتصر الخسائر على الإعلام أو التمويل، بل انعكست على قدرة التنظيم على الحفاظ على تماسكه، فتراجع الموارد أدى إلى تقليص الأنشطة، وإضعاف شبكات الدعم، وتعميق الخلافات بين القيادات، في وقت لم تعد فيه المنصات الإعلامية تمتلك التأثير الذي راهنت عليه الجماعة بعد عام 2013.
وهكذا، فقدت الجماعة آخر الأوراق التي اعتقدت أنها ستعوض بها خسارة السلطة. فلا الإعلام استطاع إعادة الزخم، ولا التمويل ظل بمنأى عن الصراعات، ولا المنصات نجحت في استعادة التأثير الذي تمتعت به في سنوات سابقة، لتكتمل بذلك حلقات التراجع التي بدأت بخروجها من الحكم، وانتهت بتنظيم يواجه أزمات متراكمة على جميع المستويات.
وختامًا، لم تكن أحداث 30 يونيو نهاية مرحلة سياسية فحسب، بل شكلت نقطة التحول الأكبر في مسار جماعة الإخوان الإرهابية، فمنذ خروجها من السلطة، توالت الأزمات التي عصفت بالتنظيم؛ إذ تفككت بنيته الداخلية، وتصاعدت الخلافات بين قياداته، وتراجع نفوذه السياسي والشعبي، وانكمشت مساحات تحركه في الخارج، بينما فقد تدريجيًا جانبًا كبيرًا من أدواته الإعلامية ومصادر تمويله.
وخلال ثلاثة عشر عامًا، لم تنجح الجماعة في تجاوز تداعيات سقوطها، بل دخلت في دوامة من الانقسامات والصراعات التي استنزفت قدراتها وأضعفت حضورها، وتحولت الخلافات على القيادة والموارد إلى سمة دائمة، في وقت تغيرت فيه البيئة الإقليمية والدولية بصورة لم تعد تمنح التنظيم المساحات التي اعتمد عليها في السنوات الأولى بعد خروجه من الحكم.
واليوم، تبدو الجماعة أمام واقع يختلف تمامًا عما كانت عليه قبل عام 2013، فالتنظيم الذي سعى إلى ترسيخ مشروعه السياسي وجد نفسه منشغلًا بالحفاظ على تماسكه الداخلي، بعدما فقد معظم ركائز قوته التي اعتمد عليها لعقود.
وبين خسارة السلطة، وتفكك التنظيم، وتراجع النفوذ، وانحسار الحاضنة الخارجية، وتآكل أدوات التأثير، لم يعد السؤال كيف خسرت الجماعة الحكم، بل كيف خسرت، عامًا بعد آخر، معظم مقومات بقائها كتنظيم موحد قادر على استعادة ما فقده.