حين انتصرت مصر بعد الهزيمة

الأربعاء، 08 يوليو 2026 03:25 م
حين انتصرت مصر بعد الهزيمة
عبد الحليم محمود

ليس كل ما يُكتب في لوحة النتائج هو الحقيقة، فالحقيقة أحيانًا تسكن في عيون الجماهير، وفي صمت الخصوم، وفي ارتباك المنتصر أكثر مما تسكن في الأرقام.
 
هناك هزائم تُغلق صفحة، وهناك هزائم تفتح تاريخًا جديدًا. وما صنعته مصر أمام الأرجنتين لم يكن مباراة كرة قدم، بل درسًا في أن الكرامة الرياضية لا تُقاس بمن عبر إلى الدور التالي، وإنما بمن أجبر العالم على أن يقف احترامًا له. فقد دخل المنتخب المصري الملعب وهو يحمل اسم أمة، لا اسم فريق، فحاصر بطل العالم بشجاعة الواثق، وتقدم عليه، وأربك حساباته، حتى بدا أن الأرجنتين تدافع عن تاريخها أكثر مما تدافع عن مرماها. وعندما انطلقت صافرة النهاية، تأهلت الأرجنتين... لكن مصر خرجت وهي تحمل شيئًا أثمن من التأهل؛ خرجت وهي تحمل احترام العالم.
 
غير أن كرة القدم، مثل الحياة، لا تُحاكم دائمًا بميزان العدل، بل كثيرًا ما تعبر فوق جسور من الجدل. ولهذا تحولت القرارات التحكيمية إلى القضية الكبرى بعد المباراة، بعدما رأى خبراء تحكيم، ولاعبون سابقون، وإعلاميون، وجماهير من أوروبا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية، أن بعض القرارات كانت محل نقاش واسع، وأن المنتخب المصري استحق مراجعات أكثر دقة في لحظات حاسمة. وحين يصبح الحكم أشهر من اللاعب، وتقنية الفيديو أكثر حضورًا من جمال الأداء، فإن اللعبة تكون قد فقدت شيئًا من روحها، لأن العدالة لا ينبغي أن تكون مجرد قرار صحيح، بل يجب أن تكون حقيقة يطمئن إليها الجميع.
 
ثم يبرز سؤال أكبر من المباراة نفسها: ماذا يحدث عندما تمتزج الرياضة بالمال؟ لقد أصبحت المراهنات الرياضية حقيقة اقتصادية عالمية، تدور حولها مئات المليارات من الدولارات، وتتشابك معها شركات وأسواق ومنصات عابرة للقارات. وهذه ليست تهمة، بل واقع معلن. ومن هنا، لم يعد يكفي أن يكون التحكيم نزيهًا، بل يجب أن يبدو نزيهًا فوق كل شبهة، لأن الثقة هي رأس مال كرة القدم الحقيقي. وكل قرار تحكيمي مثير للجدل، ولو كان خطأً بشريًا محضًا، يوقظ الأسئلة، ويطلق الشكوك، ويمنح الخيال مساحة أوسع من الحقيقة. ولهذا، فإن حماية نزاهة كأس العالم لم تعد واجبًا رياضيًا فحسب، بل أصبحت ضرورة أخلاقية واقتصادية وإنسانية، حتى يبقى الملعب ساحة للتنافس، لا ساحة للتأويل.
 
ستكتب سجلات البطولة أن الأرجنتين تأهلت، وستسجل الأرقام أن مصر غادرت المنافسة. لكن التاريخ لا يكتبه موظفو الإحصاء وحدهم، بل تكتبه أيضًا ذاكرة الشعوب. وسيبقى في الذاكرة أن مصر لم تنحنِ لبطل العالم، ولم تستسلم لفارق الأسماء، ولم تغادر إلا بعد أن تركت بصمتها في قلوب الملايين. فالمنتخبات العظيمة ليست تلك التي لا تخسر أبدًا، وإنما تلك التي تجعل العالم يشعر، بعد هزيمتها، أنها كانت تستحق أكثر. وهكذا خرجت مصر من كأس العالم... لا منكسة الرأس، بل مرفوعة الهامة، لأنها أثبتت أن الشرف لا يُمنح للفائز دائمًا، وأن بعض الهزائم أرفع مقامًا من كثير من الانتصارات.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق