"جهاز مستقبل مصر" في ثوب مدني جديد ..البرلمان يناقش مشروع قانون يؤسس لمرحلة اقتصادية مختلفة ويعزز شراكة الدولة والقطاع الخاص

السبت، 11 يوليو 2026 09:00 م
"جهاز مستقبل مصر" في ثوب مدني جديد ..البرلمان يناقش مشروع قانون يؤسس لمرحلة اقتصادية مختلفة ويعزز شراكة الدولة والقطاع الخاص
طلال رسلان

توافق برلماني على المشروع مع مقترحات للتطوير.. والحكومة تفتح الباب أمام جميع الأراء للوصول إلى تشريع متوازن

 

لم يعد الإصلاح الاقتصادي في الدول الحديثة يعتمد فقط على تنفيذ المشروعات القومية أو زيادة حجم الاستثمارات، بل أصبح يرتكز بصورة أساسية على تطوير المؤسسات، وتحديث الأطر التشريعية، وبناء كيانات اقتصادية تتمتع بالكفاءة والمرونة والقدرة على مواكبة المتغيرات العالمية. ومن هذا المنطلق، يأتي مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز «مستقبل مصر للتنمية المستدامة» باعتباره أحد أبرز التشريعات الاقتصادية التي يناقشها مجلس النواب، لما يحمله من رؤية تستهدف تحويل الجهاز إلى كيان مدني مستقل يعمل وفق قواعد الحوكمة والشفافية، ويعزز مناخ الاستثمار، ويدعم جهود الدولة لتحقيق التنمية المستدامة.

وفي رسالة تعكس حرص الدولة على التوافق الوطني، أكدت الحكومة ولجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب انفتاحهما الكامل على جميع الآراء والمقترحات قبل إقرار القانون، بما يضمن خروجه في أفضل صياغة تشريعية تحقق أهدافه الاقتصادية والتنموية.

وخلال اجتماع اللجنة المشتركة من لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية وهيئات مكاتب 17 لجنة نوعية، أكد المستشار محمد عيد محجوب، رئيس اللجنة، أن البرلمان سيمنح جميع المشاركين الفرصة الكاملة لإبداء آرائهم وملاحظاتهم قبل بدء المناقشة من حيث المبدأ، مشددًا على أن الهدف هو الوصول إلى أفضل صياغة تشريعية ممكنة.

ومن جانبه، أكد المستشار هاني حنا عازر، وزير شؤون المجالس النيابية، أن الحكومة ترحب بكافة المقترحات التي تسهم في تطوير مشروع القانون، موضحًا أن الغاية ليست مجرد إصدار تشريع جديد، وإنما بناء إطار قانوني متكامل يدعم التنمية المستدامة ويزيد من قدرة الاقتصاد المصري على النمو وجذب الاستثمارات.

ويعكس هذا التوافق بين السلطتين التنفيذية والتشريعية إدراكًا بأن نجاح التشريعات الاقتصادية يرتبط بقدرتها على بناء الثقة لدى المستثمرين، وتوفير بيئة أعمال مستقرة، وإرساء قواعد واضحة للإدارة والحوكمة.

وشهدت اللجنة المشتركة من لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية وهيئات مكاتب 17 لجنة نوعية بمجلس النواب، إجماعًا واسعًا على الموافقة من حيث المبدأ على مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز «مستقبل مصر للتنمية المستدامة»، مع طرح عدد من الملاحظات والمقترحات الهادفة إلى تعزيز الصياغة التشريعية وضمان كفاءة التطبيق.

وأعلن النائب محمد سليمان، رئيس لجنة الخطة والموازنة، موافقته من حيث المبدأ على مشروع القانون، مع طرح عدد من المقترحات الخاصة بإدخال تعديلات على بعض المواد، كما أعلن النائب طارق شكري، رئيس لجنة الشؤون الاقتصادية، موافقته من حيث المبدأ، مع إبداء تحفظ بشأن آليات عمل مكاتب الاعتماد الواردة في مشروع القانون.

وأبدى النائب محمد عباس حلمي، رئيس لجنة الدفاع والأمن القومى، موافقته من حيث المبدأ، مؤكدًا أهمية إجراء مزيد من التدقيق والمراجعة لصياغات عدد من مواد القانون قبل إقراره بصورة نهائية.

وأعلن النائب محمد سعفان، رئيس لجنة القوى العاملة، موافقته من حيث المبدأ، وكذلك النائب محمد الجارحي، رئيس لجنة المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، الذي أيد مشروع القانون من حيث المبدأ.

كما أعلن المهندس طارق الملا، رئيس لجنة الطاقة والبيئة، موافقته من حيث المبدأ، إلى جانب النائب السيد القصير، رئيس لجنة الزراعة والري والأمن الغذائي والثروة الحيوانية، الذي أكد دعمه لمشروع القانون.

وأعلن الدكتور أشرف الشيحي، رئيس لجنة التعليم والبحث العلمي، موافقته من حيث المبدأ، فيما أكدت الدكتورة رندا مصطفى، رئيس لجنة التضامن الاجتماعي والأسرة والأشخاص ذوي الإعاقة، موافقتها من حيث المبدأ، معربة عن تفاؤلها بنتائج تطبيق القانون.

كما أعلن اللواء محمود شعراوي، رئيس لجنة الإدارة المحلية، موافقته من حيث المبدأ، فيما وافق النائب علاء فؤاد على مشروع القانون، مع انتقاده عدم قيام ممثل جهاز «مستقبل مصر» بعرض رؤية الجهاز بصورة متكاملة في مستهل المناقشات، معتبرًا أن ذلك كان سيسهم في إثراء الحوار البرلماني منذ بدايته.

وجاءت المداخلات لتعكس توافقا واسعا داخل مجلس النواب على أهمية مشروع القانون، مع التأكيد على ضرورة الاستفادة من الملاحظات الفنية والتشريعية المطروحة، بما يضمن خروج القانون في أفضل صورة تحقق أهدافه التنموية والاقتصادية.

 

تحول مؤسسي يتجاوز إعادة الهيكلة

ورغم أن المشروع يحمل عنوان "إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر"، فإن مضمونه يتجاوز مجرد إعادة هيكلة إدارية، إذ يؤسس لتحول مؤسسي شامل يمنح الجهاز استقلالًا إداريًا وماليًا في إطار مدني حديث، مع إخضاعه لمنظومة متكاملة من الرقابة والشفافية والإفصاح.

 

ويأتي هذا التحول استجابة للتحديات الاقتصادية الراهنة، التي تتطلب وجود كيانات تمتلك القدرة على التحرك السريع، وإدارة المشروعات الكبرى بكفاءة، وإقامة شراكات واسعة مع القطاع الخاص والمؤسسات الدولية، بما يعزز دور الدولة في التخطيط والتنمية دون الإخلال بمبادئ المنافسة.

ويمثل انتقال الجهاز إلى هذا الإطار المدني الجديد رسالة واضحة بأن الدولة تتبنى فلسفة اقتصادية أكثر مرونة، تعتمد على الإدارة الاحترافية، وسرعة اتخاذ القرار، وتعظيم الاستفادة من الإمكانات المتاحة.

 

دعم الاستثمار وتعزيز الثقة

يضع مشروع القانون إطارًا تشريعيًا أكثر جذبًا للاستثمارات، من خلال ترسيخ مبادئ الحوكمة والشفافية والإفصاح، وتوفير قواعد واضحة لإدارة المشروعات وتنظيم العلاقة بين الجهاز والمستثمرين.

وتؤكد التجارب الاقتصادية أن المستثمر يبحث في المقام الأول عن استقرار التشريعات، ووضوح الإجراءات، وسرعة اتخاذ القرار، وهي العناصر التي يسعى القانون إلى ترسيخها، بما يسهم في تحسين بيئة الأعمال، وتعزيز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب.

كما يعزز المشروع قدرة الدولة على جذب الشراكات الاستثمارية الكبرى، عبر كيان يتمتع بالاستقلال المؤسسي، ويعمل وفق آليات السوق، مع الالتزام الكامل بالرقابة والمساءلة.

 

دور جديد للدولة والقطاع الخاص

ويقدم مشروع القانون تصورًا حديثًا لدور الدولة في النشاط الاقتصادي، يقوم على تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص بدلاً من المنافسة المباشرة معه، بما يحقق التوازن بين الدور التنظيمي للدولة ودور المستثمرين في التمويل والتنفيذ والإدارة.

ويتيح هذا التوجه مساحة أكبر لمشاركة القطاع الخاص في تنفيذ مشروعات التنمية المستدامة، بما يسهم في زيادة الناتج المحلي، وتوفير فرص العمل، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد المصري.

كما يتماشى المشروع مع توجهات الدولة نحو زيادة مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، وخلق بيئة أكثر مرونة تسمح بجذب الاستثمارات وتحويلها إلى مشروعات إنتاجية حقيقية.

 

حوكمة وشفافية

ومن أبرز ما يميز مشروع القانون اعتماده على منظومة متكاملة للحوكمة، من خلال مجلس إدارة ولجان متخصصة، وسياسات واضحة لإدارة الاستثمار والمخاطر، وقواعد تمنع تضارب المصالح، بما يرفع من جودة القرارات ويضمن حسن إدارة الموارد.

كما تخضع أنشطة الجهاز لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، مع الالتزام بإعداد قواعد بيانات وقوائم مالية وتقارير أداء بصورة دورية، وهو ما يعزز الشفافية والإفصاح، ويرفع من مستوى الثقة لدى المستثمرين ومؤسسات التمويل.

 

تعظيم الأصول ورفع كفاءة الاقتصاد

ويستهدف مشروع القانون تعظيم الاستفادة من أصول الدولة وتحويلها إلى أدوات إنتاج تحقق قيمة اقتصادية مضافة، من خلال تنظيم إدارتها وإعادة تقييمها واستثمارها بصورة احترافية، بما يزيد من الإيرادات العامة ويحقق عوائد مستدامة.

كما يسهم المشروع في تحسين كفاءة تخصيص الموارد، وتوجيهها إلى القطاعات والمناطق الأعلى أولوية، بما يعزز النمو الاقتصادي ويرفع كفاءة الإنفاق والاستثمار.

وفي الوقت نفسه، يمهد المشروع لبناء كيانات اقتصادية أكثر تنظيمًا وقابلية للنمو، بما يسمح مستقبلًا بطرح بعضها في سوق المال عند استيفاء الشروط اللازمة، وهو ما يعزز دور البورصة المصرية ويوفر أدوات جديدة للتمويل.

 

شراكات دولية وتنمية مستدامة

ويفتح القانون المجال أمام إقامة شراكات أوسع مع المؤسسات الدولية وصناديق التمويل والشركات العالمية، بما يسمح بنقل الخبرات والتكنولوجيا وتوفير التمويل للمشروعات ذات الأولوية.

كما يدعم إنشاء مناطق تنمية مستدامة في مختلف المحافظات، خاصة المناطق الأكثر احتياجًا، من خلال استغلال الموارد المحلية وربطها بسلاسل الإنتاج والتسويق، بما يحقق تنمية متوازنة ويقلل الفجوات بين الأقاليم.

 

الأمن الاقتصادي والغذائي

ويعزز مشروع القانون دور جهاز «مستقبل مصر» في دعم الأمن الاقتصادي باعتباره أحد ركائز الأمن القومي، من خلال زيادة الإنتاج، وتعزيز الاستثمار في القطاعات الاستراتيجية، ودعم الأمن الغذائي والمائي والطاقي.

كما يمنح الجهاز قدرة أكبر على التدخل لسد فجوات الإنتاج والإمداد في القطاعات الحيوية عند الحاجة، بما يساهم في استقرار الأسواق، وتقليل آثار الأزمات الاقتصادية العالمية، وضمان استمرار تدفق السلع والخدمات الأساسية.

 

فرص عمل واستجابة للأزمات

ومن المنتظر أن يسهم المشروع في خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة عبر التوسع في المشروعات الإنتاجية والخدمية، وزيادة حجم الاستثمارات، ودعم الصناعات المرتبطة بمناطق التنمية المستدامة.

كما يمنح الإطار المؤسسي الجديد الجهاز مرونة أكبر في إدارة الموارد والاستثمارات أثناء الأزمات والكوارث، بما يعزز قدرة الدولة على سرعة الاستجابة للمتغيرات الاقتصادية، ويضمن استمرار تنفيذ المشروعات الحيوية دون تعطيل.

ويمثل مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز «مستقبل مصر» خطوة جديدة في مسار الإصلاح المؤسسي والاقتصادي، إذ يجمع بين تحديث الهياكل الإدارية، وتعزيز الحوكمة، وتوسيع دور القطاع الخاص، وتعظيم الاستفادة من الأصول العامة، وتحسين بيئة الاستثمار.

ومع استمرار المناقشات البرلمانية، وإعلان الحكومة والنواب انفتاحهم على جميع المقترحات، تتجه الدولة نحو بناء إطار مؤسسي حديث يمنح الاقتصاد المصري أدوات أكثر كفاءة ومرونة، ويعزز قدرته على جذب الاستثمارات، وتسريع تنفيذ المشروعات القومية، وتحقيق التنمية المستدامة.

وفي حال إقرار القانون، سيكون جهاز «مستقبل مصر» في صورته الجديدة أحد أهم الأذرع التنموية للدولة، بما يمتلكه من إطار مؤسسي حديث، وقدرة على إدارة المشروعات الكبرى، وبناء الشراكات، وتعزيز الأمن الاقتصادي، وتحويل خطط التنمية إلى نتائج عملية تدعم النمو، وترفع تنافسية الاقتصاد المصري، وتحقق مستهدفات رؤية الدولة خلال السنوات المقبلة.

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة