لو استطاع أحد أن يبيع الغد

السبت، 18 يوليو 2026 06:11 م
لو استطاع أحد أن يبيع الغد
عبد الحليم محمود

كلنا نكذب.. مرةً واحدةً على الأقل كل صباح. نكذب عندما نزعم أننا لا نهتم بما سيحدث غدًا. ثم نفتح هواتفنا، فنبحث عن حالة الطقس، وسعر الذهب، وسعر الدولار، ورسالةٍ لم تصل بعد، ونتيجةِ تحليل، وموعدِ مقابلة، وربما نتوقف، بدافع الفضول كما نزعم، أمام مقطعٍ بعنوان: «ماذا سيحدث خلال الأيام القادمة؟».
 
نحن، في الحقيقة، لا نشتري الأبراج، ولا نطارد التوقعات، ولا نفتش عن الغيب؛ وإنما نشتري دقائق قليلة من الطمأنينة. ثم نكتشف، بعد دقائق، أننا في حاجة إلى طمأنينة جديدة. ويُروى أن الإمبراطور الروماني أغسطس كان يحتفظ بمنجِّمٍ في قصره، بينما كان، في الوقت نفسه، يوقِّع أحكامًا بالإعدام على من يدَّعون التنبؤ بمستقبل الدولة. كان يرفض أن يعرف الناس الغد، لكنه كان يريد أن يعرفه وحده. ومنذ ذلك الوقت، لم يتغير شيء؛ فما زلنا جميعًا نبحث عن نافذةٍ صغيرة نطل منها على الغد، ولو كانت نافذةً من وهم.
 
ومنذ أن رفع الإنسان عينيه إلى السماء، لم يكن يتأمل النجوم لجمالها، بل كان يفتش فيها عن مصيره. وفي مصر القديمة، وقف الكهنة بين الناس والسماء، يفسرون حركة الكواكب، ويمنحون القلوب القلقة شيئًا من اليقين. واليوم لم يعد الكاهن يرتدي ثوبه القديم، ولم تعد النبوءة تُلقى داخل المعابد، بل أصبحت تصلنا بإشعارٍ على الهاتف. تبدلت الأزياء، وتغيرت الشاشات، لكن الإنسان بقي هو الإنسان. ولعل أعجب ما في الأمر أننا، كلما ازددنا علمًا، ازددنا شوقًا إلى ما لا يعلمه العلم. بلغنا الفضاء، وفككنا شفرات الجينات، وصنعنا آلاتٍ تحاكي العقل، ثم عدنا، في آخر الليل، نسأل السؤال نفسه الذي سأله أجدادنا قبل آلاف السنين: ماذا يخبئ لنا الغد؟
 
وقد كتب جورج أورويل: «من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل». أما نحن، فنحاول أن نقفز فوق الحاضر كله لنصل إلى الغد. نصدق أحيانًا، ونسخر أحيانًا أخرى، لكننا نعود دائمًا إلى الباب نفسه. ومن أعجب ما في النفس البشرية أن ذاكرتنا لا تحتفظ إلا بالتوقعات التي صادفت الواقع، أما مئات التوقعات التي أخطأت، فتختفي كما لو أنها لم تُولد قط. ولسنا، في الحقيقة، نبحث عن نبوءة، بقدر ما نبحث عن عزاء، ولا عن معرفة، بقدر ما نبحث عن يقين. فنحن لا نريد أن نعرف المستقبل كله، وإنما نريد فقط أن نسمع جملةً واحدة تقول لنا: «اطمئن... سيكون الغد أرحم من اليوم.»
 
وربما لا نريد أن نعرف المستقبل حقًّا، بقدر ما نريد أن نطمئن إلى أن الغد سيكون أرحم من اليوم. ولهذا لن يموت آخر منجِّم في العالم، ما دام في داخل كل واحدٍ منا إنسانٌ يخاف المجهول، ويبحث، ولو للحظة، عن نافذةٍ صغيرة يطل منها على الغد. غير أن الحقيقة التي لم تتغير منذ خُلق الإنسان هي أن الغد لم يكن يومًا ملكًا لأحد، وأن ما نملكه حقًّا ليس معرفة ما سيأتي، بل حسن الاستعداد له. فليس المطلوب أن نعرف الغد.. وإنما أن نحسن صناعة اليوم.
 
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة