خريطة القيادة الفنية للدورى تتحول إلى المدرب الوطنى
السبت، 01 أغسطس 2026 07:30 م
17 مدربًا مصريًا في مواجهة 3 أجانب.. وتجربة العميد مع الفراعنة ترفع أسهم المدربيين الوطنيين
المغربيان عموتة وبن هاشم والجنوب أفريقى موكوينا يواجهون طموحات وأحلام "المحليين".. وغياب تام للمدرسة الأوربية
لم يكن المشهد على مقاعد المديرين الفنيين قبل انطلاق الموسم الجديد من الدوري المصري الممتاز مجرد تغيير في الأسماء، بل حمل تحولًا واضحًا في خريطة القيادة الفنية للمسابقة، في الوقت الذي افتتح الموسم الماضي بخمسة مدربين أجانب مقابل 16 مدربًا مصريًا، تنقلب المعادلة هذا الموسم، إذ يتراجع الحضور الأجنبي إلى ثلاثة مدربين فقط، بينما يفرض 17 مدربًا وطنيًا سيطرتهم على بقية مقاعد الدوري، في ظاهرة تعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة، هل استعادت المدرسة التدريبية المصرية مكانتها، أم أن ما حدث مجرد استجابة لظروف اقتصادية فرضتها المرحلة؟..
ولا يمكن قراءة هذا التحول من زاوية الأرقام وحدها، فخلفه عوامل متشابكة تبدأ من تغير قناعات مجالس الإدارات، وارتفاع تكلفة التعاقد مع الأجهزة الفنية الأجنبية، وصولًا إلى النجاحات التي حققها المدرب المصري خلال المواسم الأخيرة، سواء مع الأندية أو المنتخب الوطني بقيادة حسام حسن، الذي أعاد الثقة في قدرة المدرب الوطني على إدارة المنافسات الكبرى.
ويعتمد الزمالك حتى الآن، على المدرب معتمد جمال، الذى حصل معه الموسم الماضى على بطولة الدورى، فيما يستمر على ماهر في قيادة سيراميكا كليوباترا، وعماد النحاس في المصري البورسعيدي، ومحمد شوقي للقيادة الفنية نادي زد، ومحمد بركات لنادي إنبي، وأحمد عبد العزيز لنادي سموحة، وأيمن الرمادي للبنك الأهلي، وحمزة الجمل للاتحاد السكندري، وسامي قمصان للمقاولون العرب، وجمعة مشهور لطلائع الجيش، وأحمد مصطفى "بيبو" لنادي الجونة، ومحمد الشيخ لوادي دجلة، وأحمد خطاب لغزل المحلة، والسيد عيد لنادى بتروجيت، وعبد الناصر محمد لنادي القناة، وأحمد عبد المقصود لبترول أسيوط، وأخيراً مجدي عبد العاطي لنادى أبو قير للأسمدة.
في المقابل، لم تختف المدرسة الأجنبية من المشهد، بل تدخل الدوري هذا الموسم بمدرستان كرويتان، المغربي الحسين عموتة يقود مشروع الأهلي، والجنوب إفريقي رولاني موكوينا يتولى قيادة بيراميدز، بينما يراهن المغربي محمد أمين بن هاشم على مشروع مودرن سبورت، لتتحول المنافسة إلى مواجهة بين المدرسة المصرية ونظيرتيها المغربية والجنوب إفريقية، في حين غاب ربما للمرة الأولى المدارس الأوربية عن الأندية المصرية.
وتزداد أهمية هذه المواجهة مع انطلاق موسم مختلف، في ظل نظام أكثر صعوبة، وجائزة مالية غير مسبوقة تبلغ 50 مليون جنيه لبطل الدوري، إلى جانب صراع شرس لتجنب الهبوط، بما يجعل كل قرار فني مؤثر في شكل المنافسة.
لم تعد القضية تتعلق بالأسماء أو السير الذاتية، وإنما بقدرة كل مدرب على التأقلم سريعًا مع دوري لا يمنح وقتًا للتجربة، لتتحول مقاعد المديرين الفنيين إلى ساحة الصراع الأولى قبل انطلاق المنافسات داخل المستطيل الأخضر.
فهل ينجح الثلاثي الأجنبي في فرض أفكاره سريعًا؟ أم يواصل المدرب المصري فرض حضوره مستندًا إلى خبرته بالدوري والثقة التي استعادها خلال السنوات الأخيرة؟
كيف تبدلت خريطة القيادة الفنية؟
لم يكن تراجع عدد المدربين الأجانب من خمسة في افتتاح الموسم الماضي إلى ثلاثة قبل انطلاق النسخة الجديدة رقمًا عابرًا، بل يعكس تحولًا في فلسفة إدارات الأندية بعد سنوات مالت فيها الأفضلية إلى المدرسة الأجنبية.
الموسم الماضي، قاد خمسة مدربين أجانب أندية الأهلي والزمالك وبيراميدز والمصري والإسماعيلي، بينما توزعت بقية المقاعد على 16 مدربًا مصريًا، أما اليوم، فانحصر الوجود الأجنبي في ثلاثة أسماء فقط؛ الحسين عموتة مع الأهلي، ورولاني موكوينا مع بيراميدز، ومحمد أمين بن هاشم مع مودرن سبورت، مقابل ارتفاع عدد المدربين المصريين إلى 17 مديرًا فنيًا بعد استقرار الزمالك على استمرار معتمد جمال.
ولم يكن هذا التحول نتاج الأزمة الاقتصادية وحدها، رغم تأثير ارتفاع تكلفة الأجهزة الفنية الأجنبية وصعوبة توفير الرواتب بالعملة الصعبة، بل جاء أيضًا نتيجة قناعة متزايدة بأن المدرب المصري أصبح أكثر جاهزية لإدارة المنافسة، بعدما قدم نماذج ناجحة خلال المواسم الأخيرة..
كما يرى متابعون أن ما حققه المنتخب الوطني بقيادة حسام حسن أعاد الاعتبار إلى المدرب المصري، ورسخ لدى إدارات الأندية فكرة أن النجاح يرتبط بالمشروع الفني والقدرة على إدارة الضغوط أكثر من ارتباطه بجنسية المدير الفني.
مدرستان تبحثان عن الهيمنة
ورغم تقلص العدد، فإن المدرستان الأجنبيتان تدخل الدوري بطموحات كبيرة ومشروعات فنية مختلفة، فالأهلي منح ثقته للحسين عموتة لقيادة مرحلة جديدة، ويعتمد المدرب المغربي على الانضباط التكتيكي، والضغط البدني، والاستحواذ المنظم، أما بيراميدز، فيراهن على رولاني موكوينا، صاحب الأفكار الهجومية وبناء اللعب من الخلف والضغط المتقدم، وهي فلسفة يسعى لتطبيقها مع فريق يمتلك عناصر مميزة، وفي مودرن سبورت، يعتمد محمد أمين بن هاشم على التوازن بين الدفاع والهجوم، وسرعة التحول، والانضباط الجماعي، وهي أفكار منحته نجاحات في تجاربه السابقة.
لكن الثلاثي الأجنبي يشترك في تحد واحد، يتمثل في سرعة التأقلم مع دوري لا يمنح مدربيه وقتًا طويلًا لبناء الأفكار، ولا يتسامح مع البدايات المتعثرة في ظل ضغط جماهيري وإعلامي كبير.
على الجانب الآخر، يدخل المدرب المصري الموسم الجديد وهو يمتلك ميزة يصعب تعويضها، تتمثل في معرفته الدقيقة بطبيعة المسابقة، فهو يعرف إيقاع الدوري، وطبيعة الملاعب، وأسلوب المنافسين، وكيفية إدارة المباريات خارج الأرض، ويدرك أن حصد نقطة في توقيت معين قد تكون قيمتها أكبر من تقديم أداء هجومي ينتهي بالخسارة.
لا تبدو مواجهة 17 مدربًا مصريًا أمام 3 أجانب مجرد مقارنة عددية، بل صدام بين مدرستين، الأولى تراهن على الحداثة التكتيكية، والثانية تستند إلى الخبرة المحلية والواقعية، وهو ما يمنح الموسم الجديد طابعًا مختلفًا.
لماذا يراهن الجميع على المدرب المصري؟
إذا كانت المدارس الأجنبية الثلاث تدخل الموسم بأفكار تكتيكية متطورة وتجارب ناجحة، فإن المدرب المصري يمتلك ميزة قد لا تظهر في السير الذاتية، لكنها كثيرًا ما صنعت الفارق داخل الدوري، وهي الفهم الكامل لخصوصية المسابقة، فالمدرب الوطني يعرف طبيعة اللاعب المصري، وإيقاع الموسم، وضغط الجماهير، وكيفية إدارة المباريات في المحافظات، كما يدرك أن المنافسة المحلية لا تحسم دائمًا بالفوارق الفنية، بل كثيرًا ما تحسمها التفاصيل الصغيرة.
وترى قراءات فنية أن المدرب المصري يمتلك أفضلية نسبية، ليس لأنه أفضل من نظيره الأجنبي، وإنما لأنه لا يحتاج إلى وقت طويل لفهم البيئة التي يعمل فيها، على عكس المدربين الثلاثة الذين يسابقون الزمن لفرض أفكارهم.
ومن بين العوامل التي تصب في مصلحة المدرسة المصرية أيضًا، حالة الاستقرار الفني التي تعيشها بعض الأندية بعد الإبقاء على مدربيها المحليين، وهو ما يمنحهم أفضلية معرفة إمكانات اللاعبين، وتفاصيل غرف الملابس، ونقاط القوة والضعف، دون الحاجة إلى إعادة بناء المشروع الفني.
وفي المقابل، يبدأ الثلاثي الأجنبي رحلته من نقطة الصفر، حيث يسعى كل مدرب إلى نقل أفكاره خلال فترة إعداد قصيرة، مع تقييم العناصر الموجودة وتحديد احتياجاته الفنية، وهي عملية تحتاج عادة إلى وقت أطول مما تسمح به روزنامة الموسم.
لوائح الموسم الجديد... لا تمنح أحدًا فرصة للتجربة
وتزداد صعوبة المهمة مع النظام الجديد للمسابقة، الذي يفرض إيقاعًا مختلفًا منذ الجولة الأولى. فالصراع لن يكون فقط على لقب الدوري، بل أيضًا على ضمان الوجود ضمن مجموعة المنافسة في المرحلة الثانية، بينما تخوض بقية الفرق معركة شرسة لتجنب الهبوط، في ظل هبوط أربعة أندية دفعة واحدة.
ويجعل هذا النظام كل نقطة ذات قيمة مضاعفة، ويقلل هامش المغامرة لدى جميع المدربين، وهو ما قد يدفع كثيرًا من الفرق إلى الاعتماد على الواقعية والانضباط الدفاعي، خصوصًا أمام أصحاب الإمكانات الأكبر.
كما أن رفع مكافأة بطل الدوري إلى 50 مليون جنيه يضاعف الضغوط على الأجهزة الفنية، ويزيد من حدة المنافسة بين فرق القمة والفرق الطامحة إلى تحقيق المفاجآت.
ويرى متابعون أن الاختبار الحقيقي لن يكون في جودة الأفكار التكتيكية، وإنما في قدرة كل مدرسة على التكيف مع طبيعة الدوري المصري، فالمدارس الأجنبية تعتمد على الاستحواذ، والضغط العالي، وبناء اللعب من الخلف، وهي أفكار تحتاج إلى الوقت والاستقرار، بينما يميل المدرب المصري إلى الواقعية، وإدارة المباريات وفق معطياتها، وهي فلسفة أثبتت فعاليتها في سباقات الدوري الطويلة.
ومن هنا، لن يكون الصراع هذا الموسم بين مدربين فقط، بل بين مدرستين كرويتين، لكل منهما أدواتها ورؤيتها، وهو ما يمنح النسخة الجديدة من الدوري المصري بعدًا فنيًا مختلفًا.