الكنوز الروحية.. كيف توظف الدولة إرثها الديني والتاريخي لتعزيز مكانتها على خريطة السياحة العالمية؟
السبت، 08 أغسطس 2026 11:30 م
اهتمام كبير بالسياحة الدينية من مسار العائلة المقدسة إلى مشروع التجلي الأعظم في سانت كاترين
أصبحت السياحة الدينية أحد أهم الأنماط السياحية التي تتميز بها مصر، لما تمتلكه من مقومات دينية وتاريخية وحضارية فريدة، جعلتها وجهة رئيسية لملايين الزوار من مختلف أنحاء العالم، وتحتضن مصر عددًا كبيرًا من المعابد والكنائس والمساجد والمواقع الأثرية التي تعود إلى عصور تاريخية متعاقبة، وهو ما يمنحها مكانة خاصة على خريطة السياحة العالمية، ويجعلها من أبرز المقاصد الراغبة في الجمع بين البعد الديني والقيمة الحضارية.
ويبرز مسار العائلة المقدسة باعتباره أحد أهم عناصر الجذب السياحي والديني في مصر، لما يحمله من قيمة روحية وتاريخية لدى ملايين المسيحيين حول العالم، حيث يمر المسار بعدد من المحافظات والمواقع التي ارتبطت برحلة العائلة المقدسة داخل الأراضي المصرية، الأمر الذي أكسبه مكانة استثنائية بوصفه أحد أهم مسارات الحج المسيحي في العالم.
وخلال السنوات الأخيرة، أولت الدولة اهتمامًا كبيرًا بإحياء مسار العائلة المقدسة، من خلال تطوير المواقع التي يمر بها، ورفع كفاءة الخدمات والبنية التحتية، وتأهيل المزارات لاستقبال الزائرين، إلى جانب الترويج للمسار في المحافل الدولية باعتباره منتجًا سياحيًا يجمع بين البعدين الديني والثقافى، ويمثل هذا المسار فرصة حقيقية لتعزيز حركة السياحة الدينية، وزيادة أعداد السائحين الوافدين إلى مصر، خاصة مع تنامي الاهتمام العالمي بالسياحة الروحانية، وهو ما ينعكس بصورة إيجابية على الاقتصاد الوطني، ويعزز مكانة مصر التنافسية بين المقاصد السياحية الدولية.
كما تؤكد المؤشرات أن تطوير مسار العائلة المقدسة يسهم في تنشيط الحركة السياحية بالمحافظات التي يمر بها، ولا سيما مدن إقليم القناة، فضلًا عن دعم المجتمعات المحلية، وخلق فرص عمل جديدة، وربط المواقع الدينية بمسارات سياحية متكاملة تجمع بين التاريخ والثقافة والتراث.
وتعني السياحة الدينية السفر بهدف زيارة الأماكن المقدسة والمزارات التاريخية، والمشاركة في الشعائر والاحتفالات الدينية، وتعد من أسرع الأنماط السياحية نموًا على مستوى العالم، وتشمل أبرز وجهاتها مكة المكرمة والمدينة المنورة في المملكة العربية السعودية، والقدس في فلسطين، ودولة الفاتيكان في إيطاليا، إلى جانب مصر التي تمتلك إرثًا دينيًا وإنسانيًا فريدًا، يجعلها واحدة من أهم وجهات السياحة الدينية على مستوى العالم.
ولم يقتصر الاهتمام بتنشيط السياحة الدينية على تطوير المواقع الأثرية فحسب، بل امتد إلى وضع رؤية مؤسسية تستهدف تعظيم الاستفادة من هذا الملف بوصفه أحد روافد الاقتصاد الوطني، ففي عام 2011، قرر الدكتور عبد الله الحسيني، وزير الأوقاف الأسبق، ومنير فخري عبد النور، وزير السياحة - آنذاك، تشكيل لجنة مشتركة من قيادات الوزارتين لوضع خطة شاملة لتنشيط السياحة، تضمنت برامج وآليات تستهدف إبراز المقومات المتكاملة للآثار الدينية، وتعزيز حضورها على خريطة المقاصد السياحية.
وتواصل هذا التوجه خلال السنوات التالية، مع إدراج عدد من المشروعات الكبرى ضمن استراتيجية الدولة لتطوير السياحة الدينية والروحانية، وفي مقدمتها مشروع «التجلي الأعظم فوق أرض السلام» بمدينة سانت كاترين، الذي يمثل أحد أبرز مشروعات التنمية السياحية في جنوب سيناء.
وفي هذا الإطار، تابع وزير السياحة والآثار شريف فتحي، ومحافظ جنوب سيناء اللواء الدكتور إسماعيل كمال، مستجدات تنفيذ المشروع خلال اجتماع موسع ضم ممثلي الوزارات والجهات المعنية، خُصص لاستعراض معدلات التنفيذ ومتابعة سير الأعمال، في إطار الحرص على إنجاز المشروع وفق الجداول الزمنية المقررة.
وخلال الاجتماع، استعرض اللواء المهندس وائل مصطفى، رئيس الجهاز التنفيذي لتعمير سيناء، آخر تطورات المشروع، موضحًا أن نسب التنفيذ في عدد كبير من مكوناته بلغت نحو 97.5%، بإجمالي استثمارات تُقدر بنحو 25 مليار جنيه، وهو ما يعكس حجم الاهتمام الذي توليه الدولة لتحويل مدينة سانت كاترين إلى مقصد عالمي للسياحة الروحانية والجبلية والتراثية.
ويقوم المشروع على رؤية تنموية متكاملة تراعي الحفاظ على الطبيعة الفريدة والروحانية الخاصة بمدينة سانت كاترين، مع صون طابعها البيئي والبصري، وتنفيذ أعمال التطوير بما يتناسب مع قيمتها التاريخية والدينية، بما يضمن الحفاظ على خصوصية المكان، وفي الوقت نفسه رفع قدرته على استقبال الزائرين وتنشيط الحركة السياحية.
كما تستهدف خطة التطوير تحويل سانت كاترين إلى إحدى المدن الخضراء، من خلال رفع كفاءة المرافق والخدمات الأساسية، وتحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والحفاظ على البيئة والهوية التاريخية للمدينة، بما يعزز استدامة المشروع ويواكب الاتجاهات العالمية في التنمية السياحية.
ويمثل مشروع "التجلي الأعظم فوق أرض السلام" أحد أبرز المشروعات التي تعكس توجه الدولة نحو تعظيم الاستفادة من المقومات الدينية والتاريخية التي تتمتع بها مدينة سانت كاترين. ويستهدف المشروع تطوير المدينة ومحيطها لتصبح مقصدًا عالميًا للسياحة الروحانية والجبلية والتراثية، من خلال تقديم تجربة سياحية متكاملة تجمع بين الطبيعة والثقافة والتاريخ، مع الحفاظ على خصوصية المكان وطابعه الفريد.
وتستمد سانت كاترين مكانتها الاستثنائية من قيمتها الدينية والتاريخية، إذ تُعد ملتقىً للأديان، وتضم الوادي المقدس الذي تجلى الله فيه على سيدنا موسى عليه السلام، وهو ما يمنحها مكانة روحية فريدة تؤهلها لتكون إحدى أهم وجهات السياحة الدينية على المستويين الإقليمي والدولي.
ويرى خبراء السياحة والآثار أن نجاح هذا المشروع يرتبط باستمرار التنسيق بين مختلف الجهات المعنية، وسرعة استكمال الأعمال وفق أعلى معايير الجودة، بما يضمن تعظيم الاستفادة من المقومات الفريدة التي تمتلكها المدينة، ويعزز حضورها على خريطة السياحة العالمية.
كما يؤكد الخبراء أن استكمال مشروعات البنية التحتية، وتحديث الخدمات، وإنشاء فنادق جديدة، إلى جانب تطوير المطار، تمثل عناصر أساسية لدعم القدرة الاستيعابية للمدينة، وتحويلها إلى وجهة سياحية متكاملة تستقطب الزائرين على مدار العام، وتواكب مكانتها الدينية والتراثية الفريدة.
ويحظى ملف الآثار والسياحة الدينية بتأصيل شرعي واضح، إذ يؤكد الدكتور شوقي علام، مفتي الجمهورية السابق، أن الإسلام يدعو إلى التأمل في الكون والتفاعل مع مكوناته باعتبارها آيات دالة على قدرة الله سبحانه وتعالى، موضحًا أن المسلم ينبغي أن يتناغم مع ما حوله من حجر وشجر وجمادات بالتدبر والاعتبار.
ويستشهد المفتي بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، الذي كان متفاعلًا مع الكون من حوله، مستدلًا بحديث جبل أُحد، حين قال صلى الله عليه وسلم: «أحد جبل يحبنا ونحبه»، وبما ورد من تسبيح الحصى في يديه، وحنين جذع النخلة إليه، باعتبارها شواهد تؤكد أن العلاقة مع الموجودات تقوم على التأمل والاعتبار، لا على الإهمال أو الإتلاف.
وانطلاقًا من هذا الفهم، يرى شوقي علام أن التماثيل والآثار التي صنعتها الحضارات السابقة للإسلام تمثل تراثًا تاريخيًا ومادة حية من مواد التاريخ الإنساني، وهي محل للتأمل والتدبر والتعلم، ولا يجوز تدميرها أو تحطيمها باعتبارها منكرات يجب تغييرها، ما دامت لا تُعبد ولا تُقدس.
ويؤكد أن العلماء أجمعوا على تحريم التماثيل إذا صُنعت بقصد العبادة أو التعظيم والتقديس من دون الله، أما الآثار والتماثيل التاريخية التي اندثرت وظيفتها التعبدية، فلم تعد تمثل سوى قيمة حضارية وتاريخية، ولا يعبدها أحد في العصر الحاضر.
كما يبين المفتي السابق أنه لا مانع شرعًا من الإبقاء على التماثيل الأثرية، مشيرًا إلى أن الآثار التي سبقت دخول الإسلام بقيت قائمة عبر العصور الإسلامية، ولم يُقدم الحكام المسلمون على هدمها، لأنهم لم يروا فيها خطرًا على عقيدة المسلمين، وإنما نظروا إليها باعتبارها آثارًا تاريخية ومزارات حضارية.
ويؤكد أن الحفاظ على الآثار، سواء الإسلامية أو السابقة عليها، يمثل ضرورة حضارية، وأن مشاهدتها أمر مشروع لا يحرمه الدين، بل يحث عليه لما يتضمنه من العبرة بتاريخ الأمم وسنن الحضارات، مشددًا على أن تدمير التراث الحضاري أو تهريب الآثار والاتجار بها أمر محرم شرعًا، لأن الآثار تمثل إرثًا إنسانيًا وقيمة تاريخية يجب صونها والحفاظ عليها.