من سرق هويتنا؟.. آلاف الخطوط بأسماء مواطنين ومحافظ مالية مجهولة
الخميس، 13 أغسطس 2026 03:13 م
شيرين سيف الدين
لم يعد الأمر مجرد اكتشاف مواطن أن هناك رقم محمول مسجلًا باسمه دون علمه، المسألة أخطر بكثير، خصوصًا مع اكتشاف ارتباط بعض هذه الأرقام بمحافظ مالية جرى التعامل عليها، رغم أن أصحاب الأسماء يؤكدون أنهم لم يستخرجوا هذه الخطوط أصلًا.
هنا يجب أن نسأل: كيف وصلت بيانات المواطنين إلى من استخرج هذه الخطوط؟ ومن سجلها؟ ومن يستخدمها؟ ولماذا ظهرت هذه الوقائع بأعداد كبيرة وفي أكثر من شركة محمول بشكل مفاجئ؟
الدولة مشكورة أحالت شركات الاتصالات إلى النيابة العامة للتحقيق في المخالفات، وهذه خطوة مهمة، لكن القضية في رأيي يجب ألا تتوقف عند المسؤولية الإدارية للشركات ، فالمطلوب هو الوصول إلى من وراء هذا الأمر المريب .
فإذا كنا نتحدث عن آلاف الأرقام، فمن الصعب تصور أن الأمر مجرد موظف واحد ارتكب أخطاء فردية ، هذا العدد الكبير يستوجب أن تبحث التحقيقات في احتمال وجود شبكة من المتواطئين أو جهة منظمة استطاعت استغلال ثغرات داخل منظومة شركات الاتصالات والتنسيق مع موظفين لتسجيل أرقام بأسماء مواطنين دون علمهم.
ومن هنا يجب تتبع كل رقم تم الإبلاغ عنه: أين صدر؟ وفي أي فرع؟ ومن الموظف الذي سجله؟ وما المستندات التي استخدمت؟ ومن كان المستخدم الفعلي؟ وهل توجد محافظ مالية عليه؟ وما المعاملات التي تمت من خلالها؟ وهل تتكرر أسماء الموظفين أو المنافذ أو المستخدمين في عدد كبير من الحالات؟
الموضوع لا يحتاج فقط إلى إغلاق الأرقام، وإنما إلى تتبع خيطها من بدايته حتى نهايته.
والأخطر هو ما ورد في بيان وزارة الاتصالات بشأن المسؤولية القانونية المرتبطة بحيازة الخط واستخدامه.
نعم، من الطبيعي أن يتحمل مستخدم الخط المسؤولية عن استخدامه، لكن ماذا عن المواطن الذي لم يحز الخط أصلًا، وإنما فوجئ بأن شخصًا آخر استخدم بياناته لتسجيله باسمه؟
إذا استُخدم هذا الخط في جريمة أو نشاط غير مشروع، فهل سيجد المواطن نفسه مضطرًا إلى الدخول في دوامة المحاضر والتحقيقات وإثبات أنه لم يكن يحوز الخط؟
لماذا يدفع المواطن ثمن جريمة ارتكبها شخص انتحل هويته؟
يجب أن تكون هناك آلية واضحة وسريعة بمجرد إبلاغ المواطن بأن الرقم لا يخصه، تثبت رسميًا أنه أبلغ عنه وأنه لا يحوزه، وألا يتحول صاحب الاسم إلى متهم محتمل إلى أن يثبت العكس.
وهناك أيضًا نقطة تستحق الإجابة، وهي أنه عندما يستعلم المواطن عن الخطوط المسجلة باسمه عبر تطبيق My NTRA، فإنه يستخدم رقمه القومي وبيانات التحقق وكلمة السر التي يحددها، أي أن الخدمة تتحقق من هويته، فلماذا تظهر أرقام الخطوط بصورة مطموسة ولا يظهر منها سوى أجزاء محدودة؟
إذا كان المواطن هو صاحب البيانات بعد التحقق من هويته، فلماذا لا يرى الرقم كاملًا؟.. وإذا كانت الدولة تطلب منه الاستعلام عن الخطوط المسجلة باسمه لحمايته، بالتالي يجب أن تمنحه المعلومات الكافية ليعرف أي خط يخصه وأي خط لا يعرفه.
وهناك سؤال آخر يستحق التحقيق، دون اتهام أي جنسية أو فئة بعينها: مصر تضم جنسيات متعددة، وبين المقيمين من قد لا تكون أوضاعهم القانونية مكتملة أو لا يملكون المستندات اللازمة لاستخراج خطوط بأسمائهم ، فهل يمكن أن يكون هناك من يتواطأ معهم لاستخراج خطوط بأسماء مواطنين مصريين؟
لا أقول إن هذا هو ما حدث، لكن إذا ثبت وجود آلاف الخطوط التي لا يعرف أصحاب الأسماء عنها شيئًا، فمن الطبيعي أن تبحث الجهات المختصة في كل احتمالات استخدام هذه الأرقام، ومن المستفيد منها، ومن يقف وراء توفيرها، وكيف وصلت إليه.
كما يجب ألا يتوقف الأمر عند إغلاق الشريحة ، فإذا كانت هناك محافظ مالية مرتبطة بهذه الأرقام فيجب التعامل معها فورًا وفق الإجراءات القانونية اللازمة، وحفظ سجلات المعاملات وتتبع حركة الأموال، لأن السؤال الأخطر هنا ليس فقط من كان يحمل الهاتف؟ وإنما من كان يحرك الأموال من خلاله؟
ومن حق كل مواطن يكتشف رقمًا لا يخصه أن يعرف وفقًا للقانون، تاريخ ومكان استخراج الخط، والفرع أو المنفذ الذي صدر منه، والمستندات المستخدمة في التعاقد، والتحقق من صحة توقيعه، ومن الموظف الذي أتم عملية التسجيل.
القضية ليست مجرد شريحة هاتف، إنها قضية هوية مواطن وبياناته الشخصية ومسؤوليته القانونية وأمواله، وربما أمنه ومستقبله إذا استخدم شخص آخر هذه الهوية في جريمة، لذلك أتمنى ألا تنتهي القضية عند إحالة الشركات للنيابة، رغم أهمية هذه الخطوة، وإنما تمتد التحقيقات إلى المستخدمين الحقيقيين لهذه الأرقام، والموظفين الذين ساعدوا في استخراجها، وكل من تواطأ أو سهّل أو استفاد منها.
فإذا كانت الوقائع بالآلاف، فالسؤال الذي يجب أن يشغلنا ليس من أخطأ؟.. بل: من خطط؟ ومن نفذ؟ ومن استفاد؟ ومن كان وراء هذه الآلاف من الهويات التي استُخدمت دون أصحابها؟.. وأهم من ذلك كله كيف نضمن ألا يستيقظ مواطن غدًا ليكتشف أن هناك شخصًا آخر يعيش جزءًا من حياته الرقمية باسمه؟