المخطط مستمر ..محطة الضبعة والنيل وشيطنة المجتمع في مرمى الاستهداف الممنهج
السبت، 22 أغسطس 2026 07:00 م
إثيوبيا تواصل سياستها المستفزة وتصدير أوهام فرض الهيمنة على مجرى النهر
صحيفة أمريكية تنشر تقرير "مسيس" ومفبرك عن أمان "الضبعة النووية"
محاولات لتوظيف جرائم فردية داخل روايات سياسية.. واستخدام خطاب متطرف لتبرير العنف
لم تعد محاولات الضغط على مصر تتحرك عبر ملف واحد أو جبهة واحدة، بل باتت تتقاطع في أكثر من اتجاه يمس عناصر أساسية من الأمن القومي، من الطاقة والمياه إلى الأمن المجتمعي والصورة الذهنية للدولة.
والأسبوع الماضى فقط، برزت ثلاثة ملفات تستحق التوقف أمامها: الجدل الذي أثاره تقرير لمجلة «بوليتيكو» حول جوانب من السلامة في مشروع محطة الضبعة النووية، والتصريحات المرتبطة بإمكانية إنشاء سدود إثيوبية جديدة على النيل، ثم محاولات توظيف بعض الجرائم الفردية داخل روايات سياسية، وصولا إلى استخدام خطاب ديني متطرف لتبرير العنف.
فليس من الطبيعي أن يجد المواطن نفسه كل يوم أمام سيل متواصل من الأخبار السلبية المحبطة، أو ترندات مسيئة لصورة مصر وناسها، ثم يكتشف في الوقت نفسه أن رد الفعل الشعبي على هذه المواد، سواء على مواقع التواصل الاجتماعي أو في الحياة اليومية، يأتي في الغالب بالاستنكار والرفض، فإذا كانت هذه المادة الرقمية تعبر بالفعل عن حقيقة المجتمع المصري، فأين إذن هذا المجتمع الذي تصفه تلك الترندات؟ وكيف يمكن لصور شاذة أو وقائع فردية أن تتحول بصورة مستمرة إلى عنوان رئيسي لمجتمع كامل يبلغ تعداده أكثر من مائة مليون مواطن؟..
الضبعة آمنة
نبدأ اولاً بتقرير صحيفة بوليتيكو POLITICO بشأن مشروع إنشاء المحطة النووية بالضبعة، وما تضمنته من مزاعم وشكوك عامة بشأن تطبيق معايير السلامة أثناء تنفيذ المشروع، ومن الواضح أن التقرير مكتوب لتحقيق أغراض سياسية للضغط على مصر، وهنا جاء رد هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء شافياً ووافياً، حيث أكدت أن المادة المنشورة قدّمت صورة غير دقيقة وغير متوازنة عن واقع المشروع، وتأويلها إلى استنتاجات تتعلق بسلامة المشروع وكفاءة تنفيذه، دون وضع تلك الملاحظات في سياقها الفني والرقابي الصحيح، حيث تم الزج بالمشروع سعيًا لتحقيق أهداف سياسية أخرى.
وأشارت الهيئة إلى أن كلًا من الهيئة والمقاول العام الروسي قد تلقيا بالتزامن رسالة إلكترونية من الصحفي صاحب المقال الصادر في صحيفة "بوليتيكو"، تضمنت طلبًا للتعقيب على المادة الصحفية التي يعتزم نشرها، وعقب المراجعة الدقيقة لمحتوى المقالة، تبيّن افتقارها للتوازن والموضوعية المطلوبة؛ إذ اتسمت بعدم الدقة وانحياز منهجية الطرح، ما جعلها دون المستوى الذي يستدعي التعقيب أو الرد، لا سيما بعدما بادر الجانب الروسي بتقديم رد مفصل وموضوعي يستند إلى الحقائق لتفنيد كافة الادعاءات الواردة بالمقالة، ولفتت هيئة المحطات النووية إلى أن مشروع إنشاء محطة الضبعة النووية يتم تنفيذه في إطار الاتفاقيات الحكومية الدولية بين الاتحاد الروسي ومصر، وكذلك وفقًا لعقد الهندسة والإنشاء والتوريد (EPC) المُبرم مع هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء في مصر (NPPA) وتتم عملية التنفيذ تحت رقابة مستمرة من الجهات المختصة في كلا البلدين، بما فيها هيئة الرقابة النووية والإشعاعية المصرية (ENRRA)، مؤكدة أنه في الوقت الحالي، يُعد مشروع إنشاء محطة الضبعة أكبر مشروع لبناء محطة طاقة نووية في العالم، ويفترض تنفيذه تطبيق حلول هندسية متطورة، وتشييد أصلب الهياكل الخرسانية والحديدية المعقدة، وتطبيق نظام متعدد المستويات لضبط الجودة، وتنسيق أنشطة نحو 25000 متخصص يمثلون المقاول العام، والشركات المقاولة والمقاولين من الباطن، والمعاهد التصميمية، فضلًا عن أجهزة الرقابة الحكومية.
وأكدت هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء أن تنفيذ مشروع محطة الضبعة النووية يتم وفقًا لأعلى معايير السلامة والأمان النوويين المعمول بها دوليًا، وبالنسبة لمشاريع بهذا الحجم والتطوير، يُعد رصد بعض الملاحظات الفنية الفردية وعدم التطابقات أثناء عملية البناء وإجراء التدابير التصحيحية أمرًا طبيعيًا، وكل هذه المسائل تُعتبر نمطية لمثل هذه المشاريع، حيث تُنفَّذ كافة أعمال الإنشاءات والهندسة والتركيبات وفق معايير الجودة العالمية، وتخضع لعمليات التفتيش والفحص المستمرة من فرق المتابعة والإشراف التابعة للهيئة للتحقق من توافقها التام مع المتطلبات المعتمدة.
وقالت الهيئة إن تنفيذ هذه الأعمال يأتي عقب استيفاء الإجراءات الرقابية والحصول على الموافقات اللازمة من هيئة الرقابة النووية والإشعاعية المصرية بصفتها الجهة الرقابية الوطنية، وفي إطار هذا الالتزام الصارم، يتم التعامل الفني المبكر مع أي ملاحظات هندسية أو عيوب ظاهرية، خاصة ما يتعلق بصب الخرسانات، عبر تطبيق "إجراءات عدم المطابقة" (NCRs)، إذ لا تُعتمد أو تُستلم أي مرحلة إنشائية إلا بعد إتمام المعالجة الفنية المعتمدة واختبارها هيدروليكيًا وهيكليًا.
كما أكدت الهيئة أن إجراءات السلامة في المشروعات النووية لا تُحدد بناءً على تقديرات شخصية أو مشاهدات بصرية، وإنما وفق منظومة متكاملة من تقييم المخاطر، وتصاريح العمل، وخطط الرفع، واعتماد المعدات، والإشراف الرقابي المستمر، وهي جميعها وثائق وإجراءات تخضع للمراجعة والموافقة قبل تنفيذ أي عملية رفع حرجة، مشددة على أن البرنامج النووي المصري يحظي بتأييد وإشادة مستمرين من الوكالة الدولية للطاقة الذرية IAEA، التي تعتبر مشروع الضبعة نموذجًا يُحتذى به للدول الوافدة في المجال النووي، حيث أشادت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في بعثة مهمة المراجعة المتكاملة للبنية التحتية النووية، بعثة "إنير" (INIR 2019)، بالجاهزية العالية والبنية التحتية والمؤسسية الشاملة التي أعدتها مصر للبدء في برنامجها النووي وفق نهج "المراحل الرئيسية" (Milestones Approach)، وأشارت إلى أن مشروع محطة الضبعة يُبنى على أسس علمية ومؤسسية راسخة حظيت بتأييد وثقة المجتمع الدولي.
خطوط مصر الحمراء في مياه النيل
أما الملف الثانى، فكل يوم يتأكد لنا أن قضية مياه النيل بالنسبة إلى مصر لم تعد مجرد خلاف فني حول قواعد ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي، وإنما ملف يرتبط مباشرة بالأمن القومي والمائي للدولة، في ظل استمرار السياسات الإثيوبية المستفزة، والتي أخرها حديث وزير المياه والطاقة الإثيوبي بشأن بناء سدود إضافية على نهر النيل و«السيطرة» على تدفقات المياه إلى دولتي المصب، فمثل هذه التصريحات لا يمكن الننظر إليها الا من زاوية واحدة، وهى استمرار النهج الإثيوبي الأحادي في انتهاك صارخ للقانون الدولي، كما أنها تعكس استمرار أوهام أديس أبابا بإمكانية فرض الهيمنة على نهر دولي مشترك وإخضاعه لإرادة دولة واحدة.
فالخلاف اليوم ليس فنياً، وإنما سياسياً بالدرجة الأولى، تستخدمه إثيوبيا في تحقيق أهداف وأغراض سياسية، وهو أمر تدركه مصر جيداً، وتستند في تحركاتها لمواجهة هذا الامر بالتأكيد على أن النيل نهر دولي عابر للحدود، وأن إدارة موارده لا يمكن أن تتم بإرادة دولة واحدة. وفي أحدث مواقفها أمام مجلس الأمن، جددت مصر رفضها لما وصفته بالإجراءات الإثيوبية الأحادية، مؤكدة أن موقفها يستند إلى قواعد القانون الدولي وإلى الالتزامات المرتبطة بإعلان مبادئ سد النهضة الموقع عام 2015.
ويمثل الحفاظ على تدفقات المياه إلى مصر جوهر الموقف المصري، الذى يؤكد أن أي ترتيبات أو منشآت على النيل الأزرق يجب ألا تؤدي إلى إضرار جوهري بمصالح دولتي المصب، وأن إدارة مورد مائي مشترك يجب أن تقوم على التعاون والتنسيق، وليس على القرارات المنفردة.
وتزداد حساسية هذا الملف بالنسبة لمصر بسبب اعتمادها الكبير على مياه النيل؛ فقد أوضحت القاهرة في الأمم المتحدة أن النيل يمثل نحو 98% من مواردها المائية، في وقت تواجه فيه البلاد محدودية شديدة في موارد المياه المتجددة.
والرسالة المصرية الأبرز في المرحلة الحالية تتمثل في رفض تكرار تجربة سد النهضة مع أي مشروعات مائية إثيوبية جديدة على النيل الأزرق، وبحسب الموقف المصري المعلن، فإن القضية لم تعد مرتبطة بالسد القائم وحده، وإنما بما يمكن أن يترتب على إنشاء منشآت جديدة من تغيير في طبيعة تدفقات النهر أو توقيت وصول المياه إلى السودان ومصر.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ضوء تأكيد القاهرة أن ما تعتبره إدارة أحادية للسد الإثيوبي أفضى بالفعل إلى تقلبات مفاجئة في التصرفات المائية. وكانت وزارة الموارد المائية والري المصرية قد أعلنت في نوفمبر 2025 أن التصرفات الخارجة من السد شهدت تغيرات حادة، معتبرة أن ذلك يعكس مخاطر الإدارة الأحادية لمنشأة بهذا الحجم على نهر دولي.
جرائم جنائية
الضغط والادعاءات لا تأتي دائما من الملفات الدولية. فهناك مسار آخر يتعلق بالداخل، يتمثل في محاولة تحويل الجرائم الفردية إلى مادة للاستقطاب السياسي أو الديني، والقاعدة هنا يجب أن تكون واضحة: الجريمة تُواجه بالقانون، ودوافع مرتكبها تثبتها التحقيقات والأدلة، وليس التفسير السياسي المسبق، لكن المشكلة تبدأ عندما يستخدم مرتكب الجريمة نفسه خطابا دينيا أو تكفيريا لإضفاء شرعية زائفة على فعله، أو عندما تحاول أطراف سياسية إعادة تقديم الجريمة باعتبارها دليلا على صراع داخل المجتمع.
وفي هذا السياق، يجب التعامل بحسم مع أي لغة تكفيرية تبرر قتل الإنسان أو استباحة دمه، دون الخلط في الوقت نفسه بين الفكر المتطرف وبين إثبات وجود تنظيم أو مخطط أوسع لا تدعمه التحقيقات، كما أن تاريخ جماعات الإسلام السياسي في مصر يوضح أن توظيف الدين في الصراع السياسي ليس ظاهرة جديدة؛ فقد وثقت أحداث متعددة كيف استخدمت جماعة الإخوان الإرهابية خطابا دينيا وتنظيميا في الصراع السياسي، وصولا إلى التحريض والاستقطاب والعنف.
وأقرب مثال هنا حادثى التجمع الخامس، و15 مايو، فالأول جنائى حاولوا تصويره سياسياً، والثانى فتشير المعطيات إلى استخدام المتهم خطابا دينيا متطرفا لتبرير جريمته، فإن ذلك يفتح ملفا آخر أكثر خطورة يتعلق بتسرب خطاب التكفير إلى بعض البيئات الاجتماعية وقدرته على منح المجرم إحساسا زائفا بأنه يملك مبررا دينيا للعنف، وهنا يصبح التصدي للفكر المتطرف جزءا من الوقاية من الجريمة، دون أن يتحول ذلك إلى تعميم على الدين أو على المجتمع أو إلى اتهام سياسي غير مستند إلى التحقيقات.
المؤكد أنه من الصعب التعامل مع هذا المشهد باعتباره عفويا بالكامل، أو مجرد تفاعل طبيعي مع الأحداث. فهناك، بحسب هذه القراءة، حسابات وصفحات تتعمد تكبير أخبار بعينها وإغراق المجال العام بها، بينما تتعمد في المقابل تجاهل أخبار أخرى إيجابية أو التقليل من أهميتها ودفنها سريعا، بما يصنع صورة ذهنية مختلة عن الواقع، والأخطر أن بعض هذه الحسابات التي اعتادت تقديم محتوى ترفيهي أو رياضي أو اجتماعي، تتحول فجأة إلى منصات تتصدر القضايا السياسية والأمنية والدينية شديدة الحساسية، ثم تعيد تدوير روايات متطابقة في التوقيت والمضمون واللغة، وهو ما يطرح سؤالا مشروعا حول طبيعة هذا التحول ومن يقف وراءه ومصادر تمويله.