المال المخفى.. أكبر شبكة إخوانية لإدارة أموال الجماعة الإرهابية بشركات وواجهات خيرية
السبت، 22 أغسطس 2026 11:00 م
الشبكة تستخدم مؤسسات مالية وكيانات مسجلة في جزر الـ"أوف شور" لإخفاء مصادر التمويل
يوسف ندا وإدريس نصر الدين وغالب همت أبرز المستثمرين في أموال التنظيم الدولى للهروب من الملاحقات الأمنية
الجمعيات الخيرية تصدرت الاهتمام الإخوانى لتوفيرها مساحة لجمع التبرعات والزكاة والمساعدات وإعادة توجيهها في تمويل أنشطة الجماعة
لجنة التحفظ وإدارة أموال الجماعات المحظورة تحفظت في 2018 على 1133 جمعية و104 مدرسة و69 مستشفى و118 شركة مرتبطة بالإرهابية
تبدأ الحكاية من قاعدة بسيطة في عالم المال: ليس كل من يظهر اسمه على الورق هو بالضرورة صاحب المال، وليس كل من يملك الشركة هو من يملك القرار فيها، وفي شبكات جماعة الإخوان الإرهابية، اكتسبت هذه القاعدة أهمية خاصة مع اتساع النشاط الاقتصادي وتعدد الأشخاص والكيانات التي ارتبطت عبر عقود بالبنية التنظيمية للجماعة.
وعملت الشبكات المالية المرتبطة بالإخوان عبر مزيج من الثروات الشخصية، والاستثمارات التجارية، والتبرعات، والجمعيات، والشركات المسجلة داخل مصر وخارجها، بما خلق طبقات متعددة تفصل بين مصدر الأموال والجهة المستفيدة منها، وفي هذه المسافة تحديدًا تظهر واحدة من أكثر حلقات الشبكة تعقيدًا: المستفيد الحقيقي؛ أي الشخص الذي يملك السيطرة أو ينتفع فعليًا من الأموال، حتى عندما يظهر في الوثائق اسم مختلف تمامًا.
من هنا تنطلق هذه القراءة في هندسة التستر المالي لدى الإخوان؛ لفحص الآليات التي سمحت بإخفاء الملكية، وتوزيع الأدوار، ونقل الأموال عبر الحدود، وصناعة مسافة قانونية وتنظيمية بين الممول الحقيقي والأموال التي تخدم الشبكة.
من مال الجماعة إلى مال الفرد.. أولى طبقات الإخفاء
تكمن إحدى أهم حلقات فهم البنية المالية لجماعة الإخوان الإرهابية في المنطقة الرمادية بين الثروة الشخصية والمصلحة التنظيمية، فالجماعة الإرهابية، بحكم طبيعة نشاطها وتوزع أعضائها ورجال أعمالها، لا تحتاج بالضرورة إلى امتلاك كل أصل أو شركة باسمها المباشر حتى تستفيد من شبكة اقتصادية واسعة، ويكفيها فقط أن تتداخل الملكية الفردية مع العلاقات التنظيمية، وأن تتحول الأموال الخاصة إلى اشتراكات وتبرعات واستثمارات وعلاقات تجارية، لتتشكل في النهاية منظومة يصعب معها تحديد الخط الفاصل بين ما يملكه الفرد وما يخدم التنظيم.
وتقدم حالة رجل الأعمال حسن مالك وارتباطه بخيرت الشاطر نموذجًا مهمًا لهذه الإشكالية، فالدراسات التي تناولت شبكات الأعمال المرتبطة بالإسلاميين في مصر ترصد تأسيس الشراكة التجارية بين الرجلين منذ ثمانينيات القرن الماضي، ثم توسع النشاط عبر شركات أخرى، بالتوازي مع استمرار موقعهما داخل شبكة الإخوان، بما يكشف عن تعقيد العلاقة بين النشاط التجاري والارتباط التنظيمي؛ إذ يمكن أن يكون النشاط مملوكًا قانونيًا لأفراد، بينما يرتبط جزء من موارده وعلاقاته بشبكة أوسع من الالتزامات والروابط.
وتكتسب هذه النقطة أهمية أكبر عند النظر إلى الموارد التي أشارت إليها مصادر منشورة عن التنظيم الدولي للإخوان، حيث تعدد موارد التنظيم بين اشتراكات الأعضاء والتبرعات وأموال الزكاة وأرباح المشروعات والاستثمارات، إلى جانب موارد أخرى تتعلق بأنشطة الإغاثة الدولية وغيرها.
لكن الأهم من حجم الأموال هو طريقة انتقالها من المجال الفردي إلى المجال التنظيمي، فالاشتراك المالي لا يشترط أن يأخذ صورة تحويل مباشر من حساب رجل الأعمال إلى حساب الجماعة؛ فقد يظهر في صورة تبرع، أو مساهمة في نشاط اجتماعي أو خيري، أو علاقة تجارية مع شخص آخر داخل الشبكة، أو دعم لمؤسسة تمثل إحدى حلقات الحضور الإخواني، وهنا تتحول الروابط البشرية والثقة التنظيمية إلى أداة مالية غير مباشرة، تجعل فهم حركة الأموال مرتبطًا بفهم شبكة العلاقات نفسها.
ومن هنا يصبح سؤال «كم تملك جماعة الإخوان؟» أقل أهمية من سؤال أكثر دقة: كيف تتحول الأموال المملوكة لأفراد إلى موارد قابلة لخدمة شبكة تنظيمية واسعة؟ هذه النقلة هي جوهر أولى طبقات التستر المالي، فالمشكلة لا تبدأ عندما تختفي الأسماء من الأوراق، وإنما قبل ذلك بكثير، عندما يصبح الاسم ظاهرًا والملكية قانونية، لكن الوظيفة التنظيمية للمال لا تظهر في الوثيقة نفسها.
وفي هذه المنطقة تحديدًا تظهر حالة الإخوان كشبكة مالية يصعب تحليلها بالبحث عن «مالك واحد» أو «حساب واحد»؛ إذ يتطلب فهمها رسم خريطة للعلاقات بين الأفراد والشركات والمؤسسات والتبرعات والأنشطة المختلفة. وبذلك يصبح المال الشخصي نقطة البداية، بينما تتحول الشبكة التنظيمية إلى الإطار الذي يحدد اتجاهه ووظيفته وتأثيره.
أسماء بديلة وواجهات قانونية.. كيف اختفت الملكية الحقيقية؟
حين يصبح ارتباط المال بالتنظيم عبئًا على حركته، تنتقل المعالجة من تدبير الأموال إلى إخفاء هوية صاحبها وموقعه داخل الشبكة، وهنا تظهر الشركات والأسماء القانونية كطبقة ثانية في البنية المالية لجماعة الإخوان الإرهابية؛ فالأصل قد يكون مسجلًا باسم فرد، أو شركة باسم آخر، بينما تقود خريطة العلاقات والملكية والسيطرة إلى دائرة أوسع من المستفيدين.
وتكشف دراسات منشورة عن شبكات الأعمال والتمويل لدى الإخوان أن التنظيم خلط، بين أمواله وأموال قياداته وأعضائه، وسجل استثمارات بأسماء أشخاص اعتُبروا موثوقين داخله.
ومن بين هذه الدراسات دراسة للباحث دوغلاس فرح، أشارت إلى أن المعلومات المتاحة عن الشبكة المالية تضمنت شركات قابضة وشركات تابعة ومؤسسات مالية وكيانات مسجلة في بنما وليبيريا وجزر العذراء البريطانية وجزر كايمان وسويسرا وقبرص ونيجيريا والبرازيل والأرجنتين وباراجواي، مع تسجيل عدد من هذه الكيانات بأسماء شخصيات معروفة بارتباطها بالإخوان، مثل يوسف ندا وإدريس نصر الدين ويوسف القرضاوي وغالب همت.
وتكشف هذه الخريطة أن المسألة لا تتعلق بمجرد «شركة خارجية»، وإنما بتوزيع الملكية على جغرافيا متعددة، فعندما توجد الشركة في دولة، والحساب في دولة ثانية، والمساهم أو المدير في دولة ثالثة، يصبح الوصول إلى المستفيد النهائي عملية تتطلب تجميع سجلات تجارية ومصرفية وقانونية من أكثر من اختصاص قضائي.
وكشف تحقيقات رسمية وتقارير صحفية عن أن تتبع الاستثمارات والأموال الخارجية كان شديد الصعوبة بسبب الإجراءات المعقدة التي اتبعتها الشبكة لإخفاء الروابط بين الأفراد والكيانات ومصادر التمويل، مع استخدام شركات خارجية وملاذات ضريبية.
ومن بين هذه التحقيقات تحقيق نشر في 2013، كشف من خلال وثائق تأسيس شركات، عن أسماء أفراد ارتبطوا بالجماعة في أكثر من دولة داخل هياكل تلك الشركات.
ويظهر بنك التقوى وشبكة الشركات المحيطة به كواحدة من أكثر الحالات التي وردت في التقارير والدراسات عند بحث البنية المالية الدولية المرتبطة بالإخوان، وتقول دراسة نشرها مركز تريندز للدراسات، أن بعض الشبكات المالية المرتبطة بالجماعة استخدمت كيانات موزعة في مراكز مالية خارجية، وأن تقديرات منشورة نسبت إلى استثمارات الإخوان في الخارج نحو 2 مليار دولار، مع أرباح قدرت بنحو 500 مليون دولار سنويًا.
والدلالة الأهم تظهر في حالة يوسف ندا؛ إذ تشير التحقيقات المنشورة إلى أن وثائق تأسيس شركات مرتبطة به تضمنت أسماء أشخاص كانوا أعضاء في الجماعة في بلدان مختلفة، بينما كشفت دراسة أخرى عن ارتباط كيانات إخوانية بشبكة واسعة من الشركات والمؤسسات المالية في دول متعددة.
كما أظهرت «وثائق بارادايز» التي نشرها الاتحاد الدولي للصحفيين، حالة رجل أعمال في فيينا، وصفته التحقيقات النمساوية بأنه مشتبه في انتمائه إلى الإخوان، ظهر مديرًا لشركات أوف شور في جزر العذراء البريطانية ومالطا وجزر البهاما.
وهكذا تعمل الواجهة القانونية على إنتاج مسافة بين الاسم والمال: اسم ظاهر في السجل، شركة تبدو مستقلة، نشاط تجاري له مظهر مشروع، وكيان مسجل خارج الدولة؛ لكن الصورة الكاملة لا تظهر إلا عند تجميع الملكية والإدارة والعلاقات والتحويلات في خريطة واحدة. لذلك لا تكمن قوة هذه الآلية في اختفاء المال، وإنما في تفكيك هويته القانونية إلى أجزاء منفصلة؛ بحيث يصبح إثبات ملكية الأصل سهلًا أحيانًا، بينما يظل إثبات من يقف خلفه ومن يملك القرار الفعلي أكثر تعقيدًا.
وهنا تنتقل هندسة التستر من السؤال: «أين ذهبت الأموال؟» إلى سؤال أكثر حساسية: «باسم من اختفت؟»
الجمعيات كقنوات للتمويل.. كيف تحولت المساعدات إلى نفوذ؟
احتلت الجمعيات الخيرية موقعًا مهمًا في البنية المالية والاجتماعية لجماعة الإخوان الإرهابية، لأنها وفرت مساحة لجمع التبرعات والزكاة والمساعدات، ثم إعادة توجيهها إلى أنشطة اجتماعية وخدمية واسعة. وبهذا أصبحت الجمعية نقطة اتصال بين المال والمجتمع، وجزءًا من شبكة أوسع تستفيد من الموارد المالية في تمويل الخدمات وتوسيع الحضور الاجتماعي.
في مصر، ارتبط هذا النموذج بمرحلة تاريخية امتدت لعقود قبل الإجراءات التي اتخذتها الدولة لتفكيك البنية القانونية والمالية للجماعة. وأشار تقرير لـ«ذا نيو هيومانيترين» إلى أن مصر كانت تضم نحو 5 آلاف جمعية ومنظمة أهلية مسجلة، وقدر أحد قيادات الإخوان أن نحو 20% منها كانت تُدار بواسطة أعضاء في الجماعة أو مرتبطة بها. ورغم أن هذه النسبة تمثل تقديرًا منسوبًا إلى مصدر من داخل الجماعة وليست إحصاءً حكوميًا نهائيًا، فإنها تعطي مؤشرًا على حجم المساحة التي احتلها النشاط الأهلي في تجربة الإخوان.
وتوسعت الجماعة خلال هذه المرحلة في إنشاء وإدارة مؤسسات تقدم خدمات صحية وتعليمية واجتماعية، شملت العيادات الطبية، والمدارس، وحلقات تحفيظ القرآن، ورعاية الأطفال، وبرامج المساعدات وتخفيف الفقر. وأتاحت هذه الخدمات للمؤسسات المرتبطة بالجماعة الوصول المباشر إلى قطاعات واسعة من المواطنين، خصوصًا في المناطق التي كانت تعاني من ارتفاع معدلات الاحتياج وضعف القدرة على الحصول على بعض الخدمات.
لكن الأهمية المالية للجمعيات لم تكن في حجم الخدمات فقط، وإنما في قدرتها على استقبال الموارد من مصادر متعددة وإعادة توظيفها داخل شبكة واسعة من الأنشطة. فالتبرعات والزكاة والمساعدات يمكن أن تدخل إلى المؤسسة في صورة موارد مالية مشروعة، ثم تتحول إلى إنفاق على خدمات ومرافق وبرامج ومؤسسات، وهو ما يجعل تتبع وظيفة المال أكثر تعقيدًا من مجرد البحث عن تحويل مالي مباشر إلى التنظيم.
وفي أكتوبر 2013، قرر مجلس الوزراء شطب جمعية الإخوان المسلمين من سجل الجمعيات الأهلية، تنفيذًا لحكم قضائي بحظر أنشطتها ومصادرة ممتلكاتها والكيانات التابعة لها. ومع استمرار الإجراءات، اتسعت عملية التحفظ على الكيانات المرتبطة بالجماعة، لتشمل مؤسسات تعمل في المجالات الاجتماعية والتعليمية والصحية.
وفي عام 2018 أعلنت لجنة التحفظ وإدارة أموال الجماعات المحظورة التحفظ على 1133 جمعية، و104 مدارس، و69 مستشفى، إلى جانب 118 شركة وكيانات أخرى، ضمن الأصول التي قالت السلطات إنها مرتبطة بالجماعة. وتكشف هذه الأرقام حجم البنية المؤسسية التي دخلت نطاق الإجراءات، كما توضح أن المواجهة لم تقتصر على الحسابات والأصول التجارية، وإنما امتدت إلى المؤسسات التي كانت تعمل في المجال الاجتماعي.
وبذلك تحولت الجمعيات داخل مصر من قناة نشطة للتمدد الاجتماعي إلى ملف جرى تفكيكه وملاحقته ماليًا وقانونيًا، وأصبحت الموارد التي كانت تتحرك داخل هذه البنية خاضعة لإجراءات التحفظ والإدارة والمصادرة. لكن هذه التطورات لم تُنهِ الحاجة إلى تتبع الامتدادات الخارجية للشبكات المرتبطة بالإخوان، خصوصًا مع وجود مؤسسات تعمل في دول أخرى تحت أطر قانونية مختلفة.
وتظهر أوروبا في هذا السياق باعتبارها مساحة رئيسية للمتابعة، بعدما بدأت مؤسسات أوروبية وبرلمانية تراجع طبيعة العلاقات بين بعض المنظمات العاملة في مجالات الشباب والعمل المدني والإغاثي وبين شبكات الإسلام السياسي، إلى جانب مصادر التمويل التي تحصل عليها هذه المؤسسات.
المال بلا حدود.. كيف تحولت شبكة الإخوان إلى منظومة عابرة للدول؟
مع تفكيك البنية القانونية والمالية لجماعة الإخوان الإرهابية داخل مصر، أصبح الامتداد الخارجي عنصرًا أساسيًا في قراءة شبكاتها المالية والتنظيمية، فالمشكلة لم تعد مرتبطة بوجود جمعية أو شركة في دولة واحدة، وإنما بشبكة من المؤسسات والأشخاص والأنشطة موزعة بين دول مختلفة، بحيث يمكن أن توجد المؤسسة في فرنسا، ويرتبط بها كيان في بلجيكا، وتعمل منظمة شبابية في ألمانيا، بينما تتحرك الأموال أو المنح عبر مؤسسات أوروبية وبرامج تمويل تابعة للاتحاد الأوروبي.
وتقدم فرنسا واحدة من أهم الوثائق الرسمية الحديثة لفهم هذا الامتداد، ففي 21 مايو 2025 نشرت وزارة الداخلية الفرنسية تقريرها حول «الإخوان المسلمون والإسلام السياسي في فرنسا»، بعد تكليف مجموعة من كبار الموظفين منذ أبريل 2024 بإجراء دراسة معمقة حول واقع الإسلام السياسي وأساليبه وشبكاته، ولم يتعامل التقرير مع الإخوان باعتبارهم ظاهرة فرنسية منفصلة، وإنما بحث في طبيعة الشبكات والعلاقات التي تربط الحركة بمؤسسات داخل فرنسا وخارجها.
وتظهر أهمية التقرير الفرنسي في أن المؤسسات الأوروبية بدأت تتعامل مع الإخوان باعتبارهم شبكة متعددة المستويات، وليس تنظيمًا يمكن الوصول إليه من خلال اسم واحد، وهو ما انعكس مباشرة في البرلمان الأوروبي؛ ففي 26 فبراير 2025 قدمت النائبتان سابين فيرهاين ومونيكا هولماير سؤالًا إلى المفوضية الأوروبية حول منظمات داخل الشبكة الأوروبية لمناهضة العنصرية ENAR إلى أن الشبكة تتلقى تمويلًا أوروبيًا منذ عام 2015، وأن بعض أعضائها ترتبط بجماعة الإخوان.
وذكرت الوثيقة ثلاث حالات رئيسية: Collectif Contre l’Islamophobie en Europe – CCIE، الذي وصفته الوثيقة بأنه خليفة للتجمع الفرنسي الذي حلته السلطات الفرنسية؛ وFEMYSO، الذي أشارت الوثيقة إلى أن جهاز حماية الدستور في ولاية بادن- فورتمبيرغ يعتبره مظلة للمنظمات الشبابية ذات الصلات بالإخوان؛ وEuropean Forum of Muslim Women، الذي وصفه السؤال بأنه الجناح النسائي للمظلة الأوروبية للمنظمات المرتبطة بالإخوان، ولم يتوقف السؤال عند توصيف المؤسسات، وإنما طلب من المفوضية توضيح مدى مراجعتها لأعضاء ENAR قبل تقديم التمويل، وما إذا كانت أوقفت أو استردت تمويلات سابقة.
وتقدم FEMYSO مثالًا أكثر وضوحًا على هذه البنية العابرة للحدود. ففي 12 مارس 2025، وجهت النائبة سابين فيرهاين سؤالًا منفصلًا إلى المفوضية الأوروبية حول المنظمة، مشيرة إلى تقييم جهاز الاستخبارات الداخلية في بادن-فورتمبيرغ الذي يعتبر FEMYSO مظلة للعمل الشبابي المرتبط بالإخوان، وإلى وجود منظمات أعضاء قالت الوثيقة إنها مرتبطة بالشبكة، من بينها Council of European Muslims – Youth Department وJeunes Musulmans de France ومنظمة للطلاب المسلمين في بولندا. وطالب السؤال المفوضية بالكشف عن التمويلات التي حصلت عليها FEMYSO منذ 2014 والبرامج التي جاءت منها.
ثم ظهرت الأرقام بصورة أكثر تحديدًا في سؤال برلماني آخر في يوليو 2025؛ إذ أشارت الوثيقة إلى حصول FEMYSO على 210 آلاف يورو من التمويل الأوروبي، من بينها 49,881 يورو عام 2014 و35 ألف يورو عام 2015 ضمن برنامج Erasmus+.
وربط السؤال هذه البيانات بتقرير وزارة الداخلية الفرنسية الصادر في مايو 2025، والذي وصف FEMYSO، وفق صياغة السؤال البرلماني، بأنها «الفرع الشبابي» للمجلس الأوروبي للمسلمين، كما طالب المفوضية بتفسير آليات التدقيق التي سبقت تقديم التمويل.
وتزداد الصورة اتساعًا عندما ننتقل إلى التجمع ضد الإسلاموفوبيا في أوروبا ومقرها بلجيكا، ففي نوفمبر 2025، طرح عضو البرلمان الأوروبي توم فاندريش سؤالًا حول حصول المنظمة على نحو 206 آلاف يورو من الدعم الأوروبي ضمن مشروع MAGIC، مشيرًا إلى أن جهاز أمن الدولة البلجيكي ربط المنظمة بجماعة الإخوان.
وتظهر المؤسسات التعليمية في هذه الخريطة أيضًا، ففي يوليو 2025، تناول سؤال آخر في البرلمان الأوروبي Bayan Institute في مدينة سان جيوفاني لوباتوتو الإيطالية، مستندًا إلى ما وصفه السؤال بأنه تقرير حديث لأجهزة الاستخبارات الفرنسية حول البنية الأوروبية لشبكة الإخوان.
وأشار السؤال إلى أن المؤسسة التعليمية تُستخدم، في نشر الأفكار المرتبطة بالشبكة، كما ربط بينها وبين شخصيات ومؤسسات تعمل داخل البيئة الأوروبية للإخوان، وفي السياق نفسه، أشار السؤال إلى مشاركة FEMYSO في European Youth Event الذي استضافه البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ في يونيو 2023، وإلى لقاء ممثلين عن المنظمة مع مفوض أوروبي في نوفمبر 2021.
كما ظهر ملف التمويل الأوروبي في قضية أكبر تتعلق بمشروع «القرآن الأوروبي»؛ ففي أبريل 2025 قدم عضو في البرلمان الأوروبي سؤالًا حول حصول المشروع على 9.8 مليون يورو من المجلس الأوروبي للبحوث – ERC، مستندًا إلى تحقيق صحفي تحدث عن مشاركة باحثين مرتبطين بشبكات قريبة من الإخوان، وعن صلات مؤسسية بجهات مرتبطة بالإسلام السياسي، وطالب السؤال المفوضية بتوضيح معايير الرقابة والتقييم التي سبقت التمويل، وما إذا كانت توجد آليات لتعليق التمويل عند ظهور مخاطر أيديولوجية أو مؤسسية.
وفي الجانب السياسي والأمني، بدأت دول أوروبية في التعامل مع الملف بدرجات مختلفة، ففي 22 يناير 2026 أقرّت الجمعية الوطنية الفرنسية قرارًا أوروبيًا يدعو إلى إدراج «حركة الإخوان المسلمين» على القائمة الأوروبية للمنظمات الإرهابية، بأغلبية 157 صوتًا مقابل 101، مع امتناع نائب واحد.
ويظهر التباين الأوروبي في وثائق البرلمان نفسه؛ ففي ديسمبر 2025 طُرح سؤال حول إمكانية إدراج الإخوان على قائمة الاتحاد الأوروبي للإرهاب، لكنه أوضح في الوقت نفسه أن الإدراج وفق الإطار القانوني الأوروبي يتطلب قرارًا من سلطة مختصة في دولة عضو أو دولة ثالثة يثبت وجود تحقيق أو ملاحقة أو إدانة مرتبطة بأعمال إرهابية، وهذا يعني أن وجود تقارير أمنية أو اتهامات سياسية لا يكفي وحده لإدراج الجماعة على القائمة الأوروبية، وهو ما يفسر استمرار اختلاف المواقف بين الدول والمؤسسات.
وهكذا أصبحت الجغرافيا جزءًا من هندسة التستر: مؤسسة في دولة، وأعضاء من دول أخرى، وتمويل من برنامج أوروبي مشترك، وتقييم أمني صادر عن جهاز وطني، وقرار سياسي يصدر في عاصمة أخرى. وكل حلقة من هذه الحلقات تخضع لقانون وإجراءات مختلفة، بينما لا تظهر الصورة الكاملة إلا عند جمعها معًا.
الأنشطة التجارية قناة لإعادة تشغيل أموال الإخوان
شكّلت التجارة والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بمفهوم الاقتصاد الإسلامي إحدى المساحات التي تحركت فيها شبكات مرتبطة بجماعة الإخوان الإرهابية، خصوصًا في البيئات التي توسعت فيها الأسواق الخاصة بالمنتجات والخدمات التي تحمل طابعًا إسلاميًا.
وتكتسب هذه الأنشطة أهمية في قراءة البنية المالية للجماعة لأنها تسمح بتحويل الأموال من مجرد موارد مالية إلى رأس مال عامل يدخل في عمليات شراء واستيراد وتوزيع وبيع، ثم يعود في صورة إيرادات وأرباح يمكن إعادة استثمارها.
وتشير دراسات منشورة حول شبكات الأعمال والتمويل المرتبطة بالإخوان إلى أن النشاط الاقتصادي المرتبط بالجماعة لم يتوقف عند الشركات الاستثمارية التقليدية، وإنما امتد إلى قطاعات مرتبطة بالاقتصاد الإسلامي، من بينها تجارة المنتجات الحلال وخدمات اعتمادها.
وتظهر أهمية تجارة الحلال بالنسبة لهذه الشبكات في طبيعة الدورة المالية التي تخلقها؛ فالمال يدخل في شراء المنتجات أو تمويل عمليات الاستيراد، ثم تتحول البضائع إلى مبيعات، والمبيعات إلى إيرادات، والإيرادات إلى أرباح، ثم يعاد ضخ جزء من هذه الأرباح في عمليات تجارية جديدة، وبهذه الطريقة لا يبقى المال في صورته الأولى، وإنما يتحرك باستمرار بين رأس المال والسلعة والإيراد والربح.
ولا تتوقف الفكرة عند تجارة المنتجات الحلال، إذ تظهر شبكات الأعمال المرتبطة بالإخوان في قطاعات أخرى تعتمد على الاستيراد والتوزيع والخدمات، وتقدم حالة "مالك جروب" نموذجًا على هذا النوع من النشاط؛ إذ تشير دراسة أكاديمية إلى أن المجموعة تأسست عام 2011، وعملت في استيراد وتوزيع الملابس الجاهزة والأثاث، مع ارتباط نشاطها بشبكة من العلاقات التجارية والأشخاص داخل البيئة الإخوانية، بما يوفر قناة مستقلة لتوليد الإيرادات بعيدًا عن الشكل التقليدي للتمويل التنظيمي.
وتكشف هذه الأنشطة عن ميزة مهمة بالنسبة لأي شبكة مالية: تشغيل المال بدل الاحتفاظ به. فكلما دخل رأس المال في دورة تجارية جديدة، أصبح جزء منه مخزونًا أو بضائع أو مستحقات أو أرباحًا، ثم يعود إلى الحسابات في صورة إيرادات مختلفة عن الشكل الذي خرج به في البداية.
ومع تكرار الدورة، يصبح الفصل بين رأس المال الأولي والعوائد الناتجة عنه أكثر صعوبة، خصوصًا عندما تتعدد الشركات والأنشطة والأسواق التي تتحرك فيها الأموال.
وتزداد أهمية هذا النموذج عندما تتداخل التجارة مع الاستثمارات والخدمات؛ إذ يمكن أن ينتقل العائد من نشاط إلى نشاط آخر، فتتحول الأرباح إلى تمويل لاستيراد جديد، أو شراء أصل، أو تأسيس نشاط إضافي، ثم ينتج النشاط الجديد عائدًا يعاد تشغيله مرة أخرى.
وهنا تكتمل هندسة التستر المالي: الأموال لا تختفي، وإنما تتغير صورتها باستمرار؛ وكلما تحركت داخل دورة تجارية جديدة، ابتعد شكلها الحالي خطوة إضافية عن مصدرها الأول، وأصبح تتبع مسارها يحتاج إلى قراءة الشبكة الاقتصادية كاملة، لا إلى البحث عن تحويل مالي منفرد.