يوسف أيوب يكتب: القاهرة في قلب معادلة الأمن الإقليمي

السبت، 22 أغسطس 2026 07:30 م
يوسف أيوب يكتب: القاهرة في قلب معادلة الأمن الإقليمي

لقاء العلمين "الأخوى" يكشف قوة العلاقت المصرية السعودية.. والتنسيق المستمر بين القاهرة وأنقرة

وزير خارجية تركيا: كنا نتناقش مع مصر أولًا بأول بشأن اتفاق مكة.. وهم صرحوا لنا برأيهم والآن يقيمون كل الأبعاد ونتمنى أن تكون معنا

لم أكن حاضرًا اللقاء الأخوي الذي جمع وزراء خارجية مصر وتركيا والسعودية، الدكتور بدر عبد العاطي، وهاكان فيدان، والأمير فيصل بن فرحان، في مدينة العلمين يوم الخميس 13 أغسطس الجاري، ولا أعرف على وجه اليقين بأي لغة جرى الحوار بين الوزراء الثلاثة، وإن كان من المرجح أن تكون الإنجليزية هي اللغة المستخدمة في جانب كبير منه. لكنني أتصور أنهم، وسط هذا اللقاء الودي، كانوا يتبادلون الضحكات على كثير مما كُتب وقيل خلال الأيام السابقة، عن العلاقات المصرية السعودية، وعن موقف القاهرة من "اتفاق مكة" للدفاع المشترك.

الصورة التي خرجت من اللقاء، والتي جمعت الوزراء الثلاثة في أجواء بدت بالفعل ودية، كانت كافية في حد ذاتها للرد على جانب كبير من محاولات إشعال الخلافات بين الدول الثلاث، أو تصوير التطورات الأخيرة وكأنها مقدمة لصدام مصري سعودي أو مصري تركي.

وزارة الخارجية المصرية نفسها وصفت اللقاء بين الوزراء الثلاثة بأنه "أخوي"، وقالت إن الوزراء ناقشوا مستجدات الأوضاع في المنطقة. وهذه ليست مجرد صورة بروتوكولية عابرة، فالاجتماع الثلاثي جاء في توقيت شديد الحساسية، وبعد أيام قليلة من توقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية مكة للدفاع المشترك، وما أثارته من تساؤلات حول موقف مصر، وحول ما إذا كانت القاهرة قد استُبعدت من ترتيبات أمنية إقليمية جديدة.

سألني بعض الأصدقاء، هل كان ارتداء الوزراء الثلاثة اللون الأبيض منسقًا مسبقًا؟.. قلت إن الدول الثلاث بينها تنسيق سياسي وأمني ودبلوماسي على مدار الساعة، لكنني لا أعتقد أن التنسيق وصل إلى درجة الاتفاق على لون الملابس، والأرجح أن الأمر مجرد مصادفة لطيفة، لكنها مصادفة جاءت معبرة بصورة ما عن طبيعة اللقاء. فالأبيض لون الهدوء والسلام والمحبة، وهي كلها معان لم تكن بعيدة عن أجواء الاجتماع الذي جمع ثلاثة وزراء يمثلون دولا ذات وزن كبير في المنطقة.

والأهم من لون الملابس هو مضمون العلاقة، فمصر والسعودية ليستا دولتين تجمعهما اتصالات دبلوماسية عادية يمكن أن تتأثر بمنشور على وسائل التواصل الاجتماعي أو بتقرير إعلامي هنا أو هناك، فالعلاقة بين البلدين أعمق بكثير، وتمتد إلى مستويات سياسية واقتصادية وأمنية واستراتيجية، ولذلك فإن كل محاولة لتصويرها على أنها دخلت مرحلة أزمة بسبب اتفاق إقليمي جديد تبدو أقرب إلى الأمنيات الخبيثة منها إلى قراءة الواقع.

وقبل الاجتماع الثلاثي بيوم واحد، كان وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي قد أجرى اتصالًا هاتفيًا بوزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، جرى خلاله التأكيد على عمق وخصوصية العلاقات الأخوية والاستراتيجية بين البلدين، وعلى مواصلة العمل لتطوير التعاون في مختلف المجالات، بما في ذلك الإعداد لعقد الاجتماع الأول لمجلس التنسيق الأعلى المصري السعودي، فضلًا عن مواصلة آلية التشاور السياسي والتعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري. وكان من اللافت كذلك تأكيد الوزيرين أهمية عدم الالتفات إلى ما ينشر في بعض وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي حول العلاقات بين البلدين.

وهنا تحديدًا توجد نقطة مهمة: القاهرة والرياض كانتا تعرفان جيدًا أن هناك من يريد تحويل اتفاق مكة إلى مدخل لإشعال خلاف مصري سعودي، لكن الوقائع تقول شيئًا آخر.

أما العلاقات المصرية التركية، فإنها تأخذ مساراً تصاعدياً، مرتبط بتفاهمات بين البلدين في عدد من القضااي الأقليمية، استناداً أيضاً إلى تعاون اقتصادى واستثمارى، يأمل البلدان أن يصل إلى 15 مليار دولار سنوياً.

وبخلاف العلاقات الثنائية، فالقاهرة حاضرة في مسار سياسي رباعي جمع مصر والسعودية وتركيا وباكستان، كما أن العلاقات المصرية مع الدول الثلاث قوية ومتطورة، فضلًا عن الوزن العسكري والسياسي الذي تمثله مصر في أي ترتيبات أمنية تخص المنطقة، وهنا يجب أن نعود إلى المنخرطين في اتفاق مكة لنعرف ماذا حدث.

وأهم جملة في القصة كلها ربما قالها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في المؤتمر الصحفي الذي جمعه بوزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي في العلمين يوم 13 أغسطس.

فيدان قال: "كنا نتناقش مع مصر أولًا بأول بشأن اتفاق مكة.. وهم صرحوا لنا برأيهم والآن يقيمون كل الأبعاد ونتمنى أن تكون مصر معنا".

ما قاله الوزير التركى كشف الكثير من التفاصيل، فإذا كانت أنقرة، وهي إحدى الدول الثلاث الموقعة، تقول إن القاهرة كانت على اطلاع ومشاورات مستمرة منذ البداية، فإن الحديث عن مفاجأة مصرية أو استبعاد سري يصبح بلا أساس، والأكثر أهمية أن فيدان لم يتحدث عن مصر باعتبارها دولة خارج الحسابات، وإنما باعتبارها دولة يرغب الموقعون، في أن تنضم مستقبلًا.

وهنا نأتى إلى موقف مصر، والذى أوضحه الدكتور بدر عبد العاطي، الذى لم يقل إن مصر ترفض الاتفاق، ولم يقل إن القاهرة تعترض على الدول الموقعة، ولم يقل إن مصر لا تريد الانضمام، وإنما قال شيئًا أكثر دقة، إن الاتفاق عندما يتعلق بتعاون دفاعي وينشئ التزامات في هذا المجال، فإن الأمر يحتاج إلى دراسة معمقة في ضوء الدستور المصري والالتزامات القانونية.

عبد العاطى قال نصاً في المؤتمر الصحفى مع فيدان: حينما يتعلق الأمر بتعاون فى مجالات دفاعية ويكون هناك التزامات فى هذا الشأن، فمن الطبيعي أن يحتاج ذلك إلى دراسات معمقة فى ضوء الدستور المصري والالتزامات القانونية.

وأضاف: إننا منخرطون فى الإطار الرباعي، ومصر لديها علاقات متميزة مع المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، لا تقتصر على المجلات السياسية بل تتعداها إلى مجالات مختلفة، ومصر حريصة كذلك على دفع العلاقات الثنائية مع الدول الثلاث. أننا على دراية بهذا الأمر منذ البداية، ومنذ ذلك الحين يتم دراسته من خلال المؤسسات المعنية داخل الدولة المصرية، وبالتأكيد هناك أفكار ومبادرات كثيرة حول الترتيبات الأمنية فى الإقليم فى ظل التحديات الأمنية غير المسبوقة.. ونحن نتعامل مع هذه الأفكار والمبادرات بما فى ذلك المبادرة الخاصة بأمن البحر الأحمر بمنتهى الجدية، ولكن نظرا لوجود اعتبارات دستورية وقانونية مختلفة فيتم دراستها بشكل معمق لاتخاذ القرار المطلوب، ونحن ندرسه بكل جدية ومن مختلف جوانبه؛ لأن هناك أمورا قانونية وفنية ودستورية يتم دراستها بدقة لاتخاذ القرار المطلوب".

ما قاله وزير الخارجية أمر طبيعي تمامًا، فمصر ليست بصدد توقيع مذكرة تفاهم ثقافية أو اتفاق تجاري يمكن اتخاذ القرار بشأنه بسرعة، ولكننا نتحدث عن ترتيبات دفاعية يمكن أن تترتب عليها التزامات تتعلق بالأمن القومي وطبيعة الاستجابة في حالة تعرض دولة من الأطراف لتهديد أو هجوم، لذلك فإن دراسة الأمر من المؤسسات المصرية المختصة ليست تحفظًا سياسيًا، وإنما إجراء طبيعي عندما تكون هناك التزامات دفاعية محتملة.

هذا توضيح لكثير مما قيل بشأن اتفاق مكة، وعلاقة القاهرة به، والشئ المؤكد أن الأطراف الثلاثة الموقعة حتى الآن على الاتفاق، يدركون جيداً أن مصر ليست دولة هامشية في معادلة الأمن الإقليمي، بل دولة مركزية، صاحبة أكبر جيش عربي من حيث الحجم والقدرات، وتمتلك موقعًا جغرافيًا استثنائيًا يربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر، وتتحكم في قناة السويس، ولها حضور تاريخي وسياسي وعسكري في قضايا المنطقة، ووجود مصر في أي ترتيبات أمنية للمنطقة من قبيل الضرورة وليس الرفاهية، مرتبط بقدرات ووزن مصر، وموقعها الجغرافى.

 

 

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة