الزجاجة التي لم تعد قمامة
الأحد، 23 أغسطس 2026 03:56 م
عبد الحليم محمود
مررت امام ماكينة «Can Bank» في شارع التحرير بالدقي، فتوقفت امامها كما يتوقف الانسان امام شيء لا يعرف ان كان طريفا ام غريبا. ماكينة بيضاء وسوداء على الرصيف، وفيها فتحة تقول لك، بطريقة مهذبة جدا: ضع الزجاجة هنا. وضعت اول زجاجة، فابتلعتها الماكينة واصدرت صوتا قصيرا، ثم ظهرت نقطة على الشاشة. لا اعرف لماذا شعرت وقتها ان الزجاجة حصلت على ترقية مفاجئة؛ فمنذ لحظات كانت شيئا نبحث له عن سلة قمامة، وفجاة اصبحت شيئا له قيمة. وتذكرت كم مرة امسكنا بزجاجة فارغة ونحن نفكر فقط: «اين نرميها؟» ولم نفكر مرة: «كم تساوي؟».
الفكرة في حد ذاتها بسيطة. تضع الزجاجات البلاستيكية وعلب «الكانز» في الماكينة، فتحسب لك نقاطا بحسب نوع العبوة وحجمها؛ نقطة للزجاجة الصغيرة، ونقطتان للزجاجة الكبيرة او علبة «الكانز». ثم تدخل رقم هاتفك، ويمكنك الاحتفاظ بالنقاط او الاستفادة منها في صورة رصيد، حتى تصل الى ١٠٠ نقطة فتحصل على ١٠ جنيهات. عشرة جنيهات ليست ثروة، ولن يغير احد حياته من اجلها، لكنها قد تغير مصير زجاجة واحدة. وهذا هو الجزء الذي اعجبني في التجربة: الماكينة لا تطلب منك ان تحب البيئة، ولا تلقي عليك محاضرة عن اعادة التدوير؛ هي فقط تقول لك: «اعطني الزجاجة، وساعطيك نقطة». وربما كان هذا اكثر اقناعا من كثير من الكلام الجميل.
وانا واقف امامها، وجدتني افكر: هل يحتاج الانسان الى مكافاة حتى يفعل الشيء الصحيح؟ نحن نعرف ان القاء الزجاجة في الشارع خطا، ونعرف ان اعادة التدوير افضل، ومع ذلك لا تكفي المعرفة دائما لتغيير العادات. الانسان كائن عملي اكثر مما يحب ان يعترف؛ فاذا وجد ان التصرف الصحيح سهل وله مقابل فوري، ربما يفعله من دون ان يدخل في نقاش طويل مع ضميره. لكن الاختبار الحقيقي للماكينة لن يكون في الايام الاولى، حين يذهب الناس اليها بدافع الفضول، وانما بعد ان تصبح جزءا عاديا من الشارع. هل سيحتفظ الناس بالزجاجة لان لها قيمة، ام سيعودون الى السؤال القديم: اين نرميها؟.
وهناك سؤال اخر لا يقل اهمية؛ فالقمامة في مصر ليست مجرد اشياء نريد التخلص منها، وانما مصدر رزق لمن يعملون في جمعها وفرزها واعادة تدويرها. ولذلك فان نجاح الماكينات لا ينبغي ان يقاس بعدد الاجهزة التي ستوضع في الشوارع، وانما بقدرتها على الدخول في منظومة المخلفات القائمة، والاستفادة من التكنولوجيا من دون تجاهل الناس الذين يعيشون من هذه المنظومة. وفي النهاية، تظل الفكرة بسيطة وجذابة: زجاجة فارغة تتحول الى نقطة، والنقطة تتحول الى مكافاة. وربما تكون قيمة التجربة الحقيقية في انها تجعل المواطن ينظر الى الشيء الذي كان يلقيه بلا تفكير، فيراه هذه المرة بعين مختلفة.