الإنجليزية ليست وجاهة.. بل جواز مرور إلى العالم
الإثنين، 14 سبتمبر 2026 02:35 م
شيرين سيف الدين
لماذا يجب أن تصبح إجادة اللغة الإنجليزية هدفًا أساسيًا في مدارسنا؟.. هناك اعتقاد لا يزال موجودًا لدى البعض بأن الاهتمام بتعليم اللغات الأجنبية، وعلى رأسها اللغة الإنجليزية، نوع من الوجاهة الاجتماعية أو تقليد للغرب، وكأن التمسك بالهوية العربية يقتضي أن نبقى بعيدين عن لغات العالم.
والحقيقة أن الأمر مختلف تمامًا، اللغة ليست هوية بديلة، وليست رفاهية، وليست تقليدًا لأحد بل هي أداة للتواصل والمعرفة والعمل والتقدم، ومصر دولة تمتلك كل هذه المقومات السياحية والاقتصادية والبشرية، لا يمكن أن تتعامل مع اللغة باعتبارها مادة دراسية تؤدى فيها الامتحانات ثم تُنسى، وإنما يجب أن تكون مهارة حقيقية يمتلكها الطالب عند تخرجه.
السياحة تبدأ من اللغة وبما أن مصر تضع القطاع السياحي ضمن القطاعات المهمة لدعم الاقتصاد وجذب العملة الأجنبية، وتبذل جهودًا كبيرة لجذب المزيد من السائحين من مختلف دول العالم.
فعلينا الإجابة على سؤال في غاية الأهمية وهو كيف نريد صناعة سياحية قوية إذا كان جزء كبير من المجتمع لا يستطيع التواصل مع السائح باللغة الإنجليزية على الأقل؟.. فالسائح لا يتعامل فقط مع المرشد السياحي وقد يبدأ احتكاكه بمصر من موظف في المطار، ثم سائق سيارة أجرة، أو موظف استقبال في فندق، أو بائع في متجر، أو نادل في مطعم، أو موظف بنك، أو ممرض أو طبيب في مستشفى إذا تعرض لطارئ صحي، بل قد يجد السائح نفسه في موقف يحتاج فيه إلى سؤال مواطن عادي عن طريق أو مكان أو مساعدة.
تخيلوا كم ستكون التجربة السياحية أكثر سهولة وأمانًا إذا استطاع السائح التواصل مع قطاع أكبر من المصريين، ووجد من يفهمه ويساعده بدلًا من أن يشعر بأنه معزول بسبب حاجز اللغة.
السياحة ليست فنادق وآثارًا وشواطئ فقط، السياحة تجربة إنسانية متكاملة، واللغة جزء أساسي من هذه التجربة، كما الاستثمار أيضًا يتحدث الإنجليزية فاللأمر لا يتوقف عند السياحة، ومصر تعمل بقوة على جذب الاستثمارات الأجنبية والشركات العالمية، وتفتح أبوابها أمام مستثمري العالم، وتسعى لأن تكون مركزًا إقليميًا للأعمال والصناعة والخدمات، وبالطبع عندما تأتي شركة عالمية إلى مصر، فإنها لا تحتاج فقط إلى مدير يتحدث الإنجليزية، بل تحتاج إلى منظومة كاملة من الكفاءات موظف الموارد البشرية، والمحاسب، والمهندس، والسكرتير، وموظف خدمة العملاء، والعامل الفني، والمسؤول الإداري، وغيرهم ، وكلما ارتفع عدد المصريين القادرين على التواصل باللغة الإنجليزية واللغات الأجنبية الأخرى، أصبحت الشركات العالمية أكثر قدرة على الاعتماد على العمالة المصرية، بدلًا من البحث عن بعض المهارات النادرة أو استقدامها من الخارج.
وهنا تتحول اللغة من مجرد مادة دراسية إلى ميزة تنافسية للشاب المصري في سوق العمل العالمي، وفي كثير من الاحيان تكون اللغة هي الفارق الوحيد الحصول على الوظيفة من عدمه، فشاب يمتلك المؤهلات العلمية نفسها التي يمتلكها زميله، لكنه يتفوق عليه في إجادة الإنجليزية فيتم اختياره فيما تقل أو تنعدم فرصة إيجاد وظيفة بنفس المستوى لمن لا يجيد اللغة.
وقد تكون هناك وظائف وفرص عمل داخل مصر وخارجها لا يستطيع التقدم إليها أصلًا من لا يمتلك الحد الأدنى من اللغة، بل إن إتقان لغة إضافية، مثل الألمانية أو الفرنسية أو الإسبانية أو الصينية أو اليابانية، يمكن أن يفتح أبوابًا أخرى أمام الشباب، خصوصًا مع توسع العلاقات الاقتصادية والسياحية والاستثمارية مع مختلف دول العالم.
وهذا يعني أن الاستثمار في اللغات هو في الوقت نفسه استثمار في تشغيل الشباب وتقليل البطالة وزيادة قدرتهم على المنافسة.
وبالطبع التكنولوجيا لا تنتظر من لا يتحدث لغتها، فنحن نعيش في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، الكمبيوتر، والبرمجة، والذكاء الاصطناعي، والمنصات الرقمية، والعلوم الحديثة، والأبحاث العالمية.. معظم هذا العالم يعتمد بدرجة كبيرة على اللغة الإنجليزية.
صحيح أن التكنولوجيا أصبحت تتيح الترجمة والوصول إلى المحتوى بلغات متعددة، لكن الشخص الذي يمتلك اللغة الأصلية للمحتوى يظل أكثر قدرة على الوصول إلى المعلومة وفهمها والتعامل معها بسرعة ودقة.
ولا يمكن أن نطالب أبناءنا بأن ينافسوا في عالم الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، ثم نتركهم يواجهون جزءًا كبيرًا من هذا العالم بحاجز لغوي ، فنحن إذا أردنا أن نلحق بسباق التطور، فعلينا أن نمتلك أدواته، واللغة إحدى أهم هذه الأدوات.
أيضا علينا الأخذ بعين الاعتبار أن طالب اليوم قد يكون عالم الغد، فإذا أراد الطالب المصري استكمال دراسته في جامعة عالمية، أو الحصول على منحة، أو الاطلاع على أحدث الأبحاث في تخصصه، أو التواصل مع علماء وباحثين من مختلف الدول، فإجادة اللغة أصبحت ضرورة، والهدف ليس أن يذهب أبناؤنا إلى الخارج ولا يعودوا، وإنما العكس تمامًا الهدف المنشود هو أن يتعلموا ما وصل إليه العالم، ثم يعودوا بهذه المعرفة ليضيفوا إلى وطنهم، فكيف نريد من خريج مصري أن ينافس في الجامعات ومراكز البحث العالمية إذا لم نمنحه منذ طفولته الأدوات التي تمكنه من ذلك؟
حتى مؤسسات الدولة تحتاج إلى اللغة، والموضوع أكبر من سوق العمل، فالمسؤولين الذين سيتولون مواقع قيادية في المستقبل، من وزراء وسفراء وخبراء ورؤسات الهيئات الحكومية، سيتعاملون مع نظرائهم من دول العالم، وسيشاركون في مؤتمرات ومفاوضات واجتماعات دولية، كما أن ضباط الشرطة والأمن قد يتعاملون مع أجانب في المطارات أو الفنادق أو في وقائع وحوادث يكون أحد أطرافها أجنبيًا، وكذلك الأطباء والممرضون وموظفو المطارات والبنوك والفنادق وشركات الطيران ومختلف القطاعات التي تتعامل بصورة مباشرة مع العالم.
نحن لا نتحدث إذن عن فئة محدودة من المصريين تحتاج إلى الإنجليزية، وإنما نتحدث عن مجتمع يريد أن يكون حاضرًا وفاعلًا في العالم ومنافسا في جميع المجالات.
بالتأكيد العربية أولًا، واللغات إضافة وليست بديلًا، والاهتمام بالإنجليزية لا يعني بأي حال التقليل من شأن اللغة العربية، على العكس، يجب أن يظل الاعتزاز باللغة العربية والحفاظ عليها وتعليمها بصورة قوية جزءًا أصيلًا من منظومة التعليم والهوية المصرية، لكن حب العربية لا يعني رفض الإنجليزية، تمامًا كما أن تعلم الإنجليزية لا يعني التخلي عن العربية.
يمكن للطالب أن يكون معتزًا بلغته وهويته وثقافته، وفي الوقت نفسه يتحدث الإنجليزية بطلاقة، ويتعلم لغة ثالثة ورابعة إذا استطاع، فالقوة الحقيقية أن نمتلك هويتنا ونمتلك أدوات العالم في الوقت نفسه.
المطلوب ليس مجرد زيادة حصص الإنجليزية، المطلوب في رأيي هو إعادة النظر في طريقة تعليم اللغة نفسها، فقد يدرس الطالب الإنجليزية لسنوات طويلة، ثم يتخرج وهو قادر على حل أسئلة القواعد والاختيار من متعدد، لكنه يتردد عندما يُطلب منه إجراء محادثة بسيطة.
وهنا يجب أن يكون الهدف الحقيقي هو الإجادة العملية: الاستماع، والتحدث، والقراءة، والكتابة، واستخدام اللغة في مواقف الحياة والعمل، كما يجب ألا يكون مستوى الطالب الضعيف سببًا في تركه خلف زملائه.
نحتاج إلى برامج علاجية حقيقية داخل المدارس للطلاب الذين لم يتمكنوا من اكتساب اللغة في السنوات السابقة، بحيث يحصل الطالب على فرصة فعلية للحاق بالمستوى المطلوب.
أتمنى أن يكون تطوير مستوى اللغة الإنجليزية في المدارس المصرية جزءًا واضحًا من خطة تطوير التعليم، ليس باعتبارها مادة إضافية، وإنما باعتبارها مهارة أساسية للحياة والعمل والانفتاح على العالم.
والسؤال هنا موجه إلى وزارة التربية والتعليم، هل تم وضع هذا الهدف ضمن منظومة تطوير التعليم؟، وهل هناك خطة واضحة لرفع مستوى تدريس اللغة الإنجليزية في المدارس؟.. وهل هناك برامج علاجية للطلاب الذين وصلوا إلى مراحل تعليمية متقدمة وهم يعانون ضعفًا شديدًا في اللغة؟.. وهل يمكن أن يصبح قياس نجاح تعليم الإنجليزية قائمًا على قدرة الطالب على استخدامها بالفعل، وليس فقط على درجاته في الامتحان؟..
إن مصر لا يجب أن تقف على هامش العالم فالهدف الأسمى من التعليم ليس أن نحصل على شهادات فقط، وإنما أن نُخرج إنسانًا قادرًا على العمل، والإنتاج، والتعلم المستمر، وخدمة وطنه والمساهمة في تقدمه اقتصاديًا واجتماعيًا وعلميًا، والعالم اليوم لا ينتظر أحدًا، ومصر لديها شباب موهوب، وموقع استراتيجي، وتاريخ، وسياحة، وفرص استثمارية، وإمكانات بشرية ضخمة، لكن علينا أن نعطي أبناءنا الأدوات التي تمكنهم من تحويل هذه الإمكانات إلى فرص حقيقية.
فإجادة الإنجليزية ليست رفاهية.. وليست وجاهة.. وليست تقليدًا للغرب، إنها ببساطة واحدة من أهم أدوات المواطن المصري لكي يتعلم، ويعمل، ويتواصل، وينافس، ويخدم بلده، وإذا كنا نريد لمصر أن تكون جزءًا مؤثرًا في العالم، فلا ينبغي أن نُخرج أجيالًا تعرف العالم من خلال الترجمة فقط، بينما يستطيع العالم كله التواصل بلغته.
نريد أبناءنا مصريين أكثر اعتزازًا بهويتهم.. لكن أكثر قدرة على الحديث مع العالم، وهنا يبدأ جزء مهم من طريق مصر نحو المستقبل وإلا لن نتحرك خطوة للأمام.