دينا الحسيني تكتب: مصر والسعودية.. أمن مشترك يتجاوز محاولات الوقيعة

الإثنين، 14 سبتمبر 2026 09:07 م
دينا الحسيني تكتب: مصر والسعودية.. أمن مشترك يتجاوز محاولات الوقيعة
الرئيس السيسي والامير محمد بن سلمان- أرشيفية

في وقت تتعرض فيه المنطقة لاختبارات متلاحقة تمس أمن الدول واستقرارها، تبدو العلاقات المصرية السعودية أبعد من أن تكون مجرد علاقة بين دولتين تجمعهما مصالح سياسية واقتصادية، فبين القاهرة والرياض حسابات أمن قومي، ومصالح متشابكة، وروابط تاريخية وشعبية، جعلت استقرار كل طرف مرتبطًا بصورة مباشرة باستقرار الآخر، وهو ما يفسر استمرار التنسيق بين البلدين في أصعب الأزمات، ويكشف في الوقت نفسه لماذا ظلت محاولات ضرب هذه العلاقة أو إثارة الخلاف بينهما محدودة التأثير.

وتتعامل مصر مع هذه العلاقة من منطلق واضح عبر عنه موقفها الرسمي أكثر من مرة: أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وأمن الدول العربية لا يمكن التعامل معه باعتباره ملفات منفصلة، وفي مارس 2026، جدد وزير الخارجية المصري التأكيد على تضامن مصر الكامل مع السعودية والبحرين، مشددًا على أن أمن الخليج العربي يمثل جزءًا أصيلًا من الأمن القومي المصري، وأن الأمن القومي العربي كل لا يتجزأ، ولم يكن هذا الموقف منفصلًا عن رؤية مصر تجاه أمن المنطقة، بل جاء تأكيدًا لموقف ثابت تعتبر فيه أي تهديدات تمس سيادة دول الخليج واستقرارها شأنًا يتصل مباشرة بالأمن العربي، وفي القلب منه الأمن المصري.

وفي المقابل، أثبتت المملكة العربية السعودية في محطات تاريخية مختلفة أن أمن مصر واستقرارها يمثلان مصلحة عربية وسعودية مباشرة، وهو ما يجعل العلاقة بين البلدين قائمة على قدر من تداخل المصالح لا تسمح معه الظروف الإقليمية بفصل أمن القاهرة عن أمن الرياض، وتكشف محطات مثل عام 1956 وحرب 1973 ثم موقف المملكة في 2013 عن امتداد تاريخي للمواقف السعودية تجاه مصر، في الوقت الذي كانت فيه مصر حاضرة إلى جانب أمن الخليج والمملكة في محطات حاسمة، وفي مقدمتها حرب تحرير الكويت.

وتفرض الجغرافيا نفسها أيضًا على هذه العلاقة؛ فمصر والسعودية تقعان في قلب منظومة أمن البحر الأحمر، بينما يرتبط البحر الأحمر والخليج بحركة التجارة الدولية وأمن الطاقة والملاحة. ولذلك فإن أي تهديد للممرات البحرية أو للدول المطلة عليها لا يبقى تأثيره داخل حدود الدولة المستهدفة، وإنما ينعكس على مصالح القاهرة والرياض وعلى استقرار الإقليم، ومن هنا يأتي التنسيق بين البلدين بشأن أمن الملاحة وحرية حركة التجارة، وهو ما ظهر مجددًا في مباحثات يونيو 2026 التي تناولت أهمية صون أمن دول الخليج وضمان حرية وسلامة الملاحة الدولية.

ولا يتوقف التقارب المصري السعودي عند الملفات الأمنية، فالقضية الفلسطينية تمثل واحدة من أبرز مساحات التوافق بين البلدين، فالقاهرة والرياض تتمسكان بدعم حقوق الشعب الفلسطيني ورفض محاولات تصفية القضية، وتدعمان إقامة الدولة الفلسطينية وفق المرجعيات الدولية، كما يستمر التنسيق بين الجانبين بشأن القضية الفلسطينية وغيرها من ملفات المنطقة، بما يعكس أن التشاور بين البلدين يتجاوز حدود العلاقات الثنائية إلى القضايا التي تمس الأمن والاستقرار العربيين.

ومن هنا تحديدًا يمكن فهم صعوبة التأثير في العلاقات المصرية السعودية؛ فهذه العلاقة لا تقوم على موقف سياسي عابر أو مصلحة اقتصادية منفردة يمكن التأثير فيها، وإنما على مصالح أمنية متداخلة، وموقع جغرافي يفرض قدرًا من التنسيق، وثقل سياسي واقتصادي كبير للدولتين، إلى جانب قنوات مؤسسية للتشاور والتنسيق. ومع تعدد الأزمات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، أثبتت القاهرة والرياض أن هناك مساحة واسعة من المصالح المشتركة في مواجهة الإرهاب والتدخلات الخارجية والتهديدات التي تستهدف أمن المنطقة.

كما أن العلاقة لا تتوقف عند حدود المؤسسات الرسمية، فوجود جالية مصرية كبيرة في المملكة، إلى جانب ما يجمع الشعبين من روابط تاريخية وثقافية ودينية واجتماعية، منح العلاقات المصرية السعودية امتدادًا شعبيًا واسعًا، ولذلك فإن أي محاولة لإثارة الخلاف بين البلدين لا تصطدم فقط بموقف الحكومتين، وإنما تصطدم أيضًا بعلاقات ومصالح وروابط تكونت على مدى عقود.

وفي المحصلة، فإن العلاقة بين القاهرة والرياض لا تستمد قوتها من الشعارات، وإنما من سجل طويل من المواقف والمصالح المشتركة، السعودية وقفت إلى جانب مصر في محطات مفصلية، ومصر وقفت إلى جانب أمن الخليج والمملكة في لحظات حاسمة، وبينهما مصالح أمن قومي وسياسية واقتصادية وشعبية تجعل استمرار التنسيق ضرورة تفرضها طبيعة المنطقة قبل أن تفرضها التصريحات الرسمية.

ولهذا يظل الموقف المصري من أمن السعودية والخليج هو التعبير الأكثر وضوحًا عن طبيعة هذه العلاقة؛ فحين تؤكد القاهرة أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، فإنها لا تعلن موقفًا سياسيًا عابرًا، وإنما تعكس واقعًا فرضته الجغرافيا والتاريخ وتشابك المصالح، وجعل من أمن مصر والسعودية جزءًا من معادلة أوسع تتصل بأمن المنطقة واستقرارها.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة