القاهرة والرياض في لحظة مفصلية.. شراكة ترسم ملامح الشرق الأوسط وتفتح صفحة جديدة للتعاون
الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026 07:41 ص
طلال رسلان
تدخل العلاقات المصرية السعودية مرحلة جديدة مع زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي ورئيس مجلس الوزراء إلى مصر في توقيت بالغ الحساسية تشهده المنطقة وسط أزمات متلاحقة وتغيرات متسارعة في موازين القوى. ولا تبدو الزيارة مجرد محطة جديدة في مسار العلاقات الثنائية بقدر ما تعكس طبيعة الدور الذي باتت القاهرة والرياض تضطلعان به في التعامل مع الملفات العربية والإقليمية والدولية.
وتكتسب الزيارة أهميتها من أن العلاقات بين البلدين لم تعد محصورة في إطار التعاون السياسي أو التنسيق بشأن ملفات محددة وإنما تحولت على مدار السنوات الماضية إلى شراكة متعددة المسارات تشمل السياسة والأمن والدفاع والطاقة والتجارة والاستثمار والتنمية والتنسيق الدبلوماسي. ومع تصاعد التحديات المحيطة بالمنطقة أصبح الحفاظ على قنوات التواصل المباشر بين القاهرة والرياض عاملا رئيسيا في إدارة الأزمات والحد من تداعياتها.
ويأتي التحرك المصري السعودي في وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط إعادة تشكيل واضحة لمعادلاتها السياسية والأمنية. فالأزمات الممتدة والصراعات الإقليمية وملفات الطاقة وأمن الملاحة والتدخلات الخارجية تفرض على الدول العربية الكبرى تطوير أدوات التنسيق فيما بينها وعدم ترك مساحة واسعة من القرار الإقليمي للقوى الدولية وحدها.
وفي هذا السياق تبرز مصر والسعودية باعتبارهما دولتين تمتلكان مزيجا من الثقل السياسي والاقتصادي والجغرافي يؤهلهما للعب دور مؤثر في صياغة المواقف العربية. فالقاهرة تمتلك موقعا محوريا يربط بين دوائر عربية وأفريقية ومتوسطية بينما تتمتع الرياض بثقل سياسي واقتصادي واسع في الخليج والعالم العربي والأسواق الدولية.
وتكشف طبيعة العلاقات بين البلدين أن التعاون الحالي يستند إلى جذور تاريخية ممتدة. فمنذ توقيع معاهدة الصداقة بين مصر والسعودية عام 1936 تطورت العلاقات بصورة تدريجية لتشمل مجالات سياسية واقتصادية وثقافية وأمنية متعددة. ومع مرور الوقت أصبحت المصالح المشتركة أكثر تشابكا وأصبح التنسيق بين البلدين جزءا من معادلة أوسع تتصل بأمن المنطقة واستقرارها.
وخلال السنوات الأخيرة انتقل هذا التعاون إلى مستوى أكثر تنظيما من خلال إنشاء أطر مؤسسية للتنسيق. وفي أكتوبر 2024 جرى توقيع محضر تشكيل مجلس التنسيق الأعلى السعودي المصري برئاسة قيادتي البلدين ليكون مظلة شاملة لتطوير العلاقات ودفعها إلى آفاق أوسع. ويعكس إنشاء هذا المجلس رغبة مشتركة في تحويل العلاقات من تعاون سياسي متواصل إلى منظومة أكثر تكاملا تستطيع متابعة الملفات المختلفة ووضع آليات عملية لتعزيز الشراكة.
وجاءت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى مدينة نيوم في أغسطس 2025 لتؤكد استمرار التواصل المباشر بين القيادتين. وشهدت الزيارة مباحثات تناولت العلاقات الثنائية والقضايا ذات الاهتمام المشترك إلى جانب تفعيل الأطر التي جرى الاتفاق عليها لتطوير التعاون بين القاهرة والرياض.
ولا ينفصل المسار السياسي عن المسار الاقتصادي. فقد شهدت العلاقات التجارية والاستثمارية بين مصر والسعودية نموا ملحوظا خلال السنوات الماضية مع اتساع حضور الشركات السعودية في السوق المصرية وزيادة نشاط الشركات المصرية داخل السوق السعودية. وتقدر استثمارات شركات القطاع الخاص السعودي في مصر حاليا بنحو 35 مليار دولار مع وجود خطط لرفعها إلى 50 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة. كما يبلغ عدد الشركات السعودية العاملة في مصر نحو 7 آلاف شركة في مقابل نحو 5 آلاف شركة مصرية مستثمرة أو عاملة في السوق السعودية.
وتكشف هذه الأرقام عن درجة عالية من التشابك بين الاقتصادين المصري والسعودي. فالشراكة لم تعد تقوم على الاستثمارات التقليدية فقط وإنما تتجه بصورة متزايدة إلى قطاعات التنمية والمشروعات الكبرى والخدمات والصناعة والسياحة والطاقة وغيرها من المجالات التي يمكن أن تحقق قيمة مضافة للبلدين.
ومن المتوقع أن يمثل الجانب الاقتصادي أحد المحاور المهمة في المرحلة المقبلة من العلاقات خاصة مع وجود تقديرات تشير إلى إمكانية وصول حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى نحو 20 مليار دولار بحلول عام 2027. ويعني ذلك أن العلاقات الاقتصادية مرشحة للانتقال إلى مستوى أكثر اتساعا خلال الفترة المقبلة إذا استمرت معدلات الاستثمار والتبادل التجاري في النمو.
وتحمل الشراكة المصرية السعودية كذلك بعدا استراتيجيا يتجاوز حدود العلاقات الثنائية. فالقاهرة والرياض تتقاطع مصالحهما في عدد كبير من الملفات التي تمس الأمن العربي مباشرة وفي مقدمتها أمن الخليج وأمن البحر الأحمر ومكافحة الإرهاب والتطرف وأمن الحدود والأمن السيبراني ومواجهة الجريمة المنظمة وتهريب المخدرات وتمويل التنظيمات المتطرفة.
ويتيح التنسيق في هذه الملفات تبادل الخبرات والمعلومات وتعزيز القدرات الأمنية بما يدعم استقرار البلدين. كما أن التعاون الدفاعي والأمني يمثل أحد المكونات الأساسية للعلاقة الاستراتيجية في ظل البيئة الإقليمية المضطربة وما تفرضه من ضرورة الاستعداد لمخاطر جديدة تتجاوز المفهوم التقليدي للتهديدات العسكرية.
ولا يتوقف الأمر عند الأمن والدفاع بل يمتد إلى مواجهة الأفكار المتطرفة وخطاب الكراهية والتشدد. وتدعم القاهرة والرياض أهمية نشر قيم الاعتدال والتسامح ومواجهة الخطابات التي تهدد المجتمعات وتفتح الباب أمام التطرف والعنف. ويعطي هذا الملف بعدا مجتمعيا وفكريا للشراكة إلى جانب أبعادها السياسية والأمنية والاقتصادية.
وفي الملفات الإقليمية تتقاطع الرؤى المصرية السعودية حول أهمية الحفاظ على استقرار الدول واحترام سيادتها ودعم الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمات. ويظهر هذا التقارب في التعامل مع عدد من الملفات العربية التي تحتاج إلى تحركات منسقة لمنع توسع الصراعات أو انتقال آثارها إلى دول ومناطق أخرى.
وتكتسب القضية الفلسطينية موقعا مركزيا في هذا السياق باعتبارها واحدة من أبرز القضايا التي تحظى باهتمام البلدين. كما تتصل بها ملفات وقف التصعيد وحماية المدنيين ودعم المسار السياسي ومنع محاولات تصفية القضية الفلسطينية أو فرض حلول أحادية لا تستند إلى قرارات الشرعية الدولية.
وتتقاطع المصالح المصرية السعودية كذلك في ملفات السودان وليبيا وأمن البحر الأحمر وغيرها من القضايا التي ترتبط بصورة مباشرة بالأمن القومي العربي. وفي هذه الملفات يمثل التنسيق بين القاهرة والرياض عاملا مهما في دعم الحلول السياسية والحفاظ على وحدة الدول ومؤسساتها ومنع تمدد الفوضى.
كما أن التغيرات المتسارعة في النظام الدولي تجعل التنسيق بين الدول العربية الكبرى أكثر أهمية. فالعالم يشهد إعادة ترتيب لموازين القوى وظهور تحالفات اقتصادية وسياسية جديدة وتنافسا متزايدا على طرق التجارة ومصادر الطاقة وممرات النقل. وفي ظل هذه التحولات يصبح امتلاك موقف عربي منسق أكثر قدرة على حماية المصالح المشتركة والتأثير في مسارات الأحداث.
وتملك مصر والسعودية مقومات مهمة للتحرك داخل هذه البيئة الجديدة. فمصر تتمتع بموقع جغرافي استثنائي يجعلها نقطة اتصال بين الشرق والغرب وبوابة رئيسية للتجارة الدولية عبر قناة السويس إلى جانب امتلاكها قاعدة بشرية واقتصادية كبيرة. وفي المقابل تمثل السعودية قوة اقتصادية رئيسية في المنطقة وتمتلك إمكانات مالية واستثمارية واسعة وموقعا محوريا في منظومة الطاقة العالمية.
ومن هنا فإن التكامل بين الإمكانات المصرية والسعودية يمكن أن ينتج شراكات تتجاوز الأرقام الحالية إلى مشروعات أكثر ارتباطا بالتنمية طويلة الأجل. فالتعاون بين البلدين يمكن أن يمتد إلى الصناعة والتكنولوجيا والطاقة والسياحة والخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد وغيرها من القطاعات التي أصبحت محورية في الاقتصاد العالمي.
وتأتي زيارة ولي العهد السعودي إلى مصر في هذا السياق باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب أولويات المرحلة المقبلة وتحديد مجالات جديدة للتعاون. فالمرحلة الحالية لا تحتاج فقط إلى استمرار العلاقات القوية وإنما تحتاج إلى تحويل قوة العلاقات السياسية إلى مشروعات واتفاقات وبرامج عملية يشعر المواطن في البلدين بنتائجها.
كما أن استمرار التواصل على مستوى القيادتين يمنح المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص مساحة أكبر للتحرك. فوضوح الرؤية السياسية يساعد على إزالة العقبات أمام الاستثمارات وفتح مجالات جديدة أمام الشركات وتعزيز حركة التجارة وتبادل الخبرات.
وبالنسبة إلى مصر فإن تعميق الشراكة مع السعودية يفتح الباب أمام مزيد من الاستثمارات الخليجية ويدعم خطط الدولة لجذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز دور القطاع الخاص. وبالنسبة إلى السعودية تمثل السوق المصرية فرصة كبيرة بحكم حجمها وموقعها وإمكاناتها البشرية والصناعية وقدرتها على خدمة أسواق إقليمية أخرى.
وفي المقابل تستطيع الشركات المصرية الاستفادة من الفرص المتاحة في السوق السعودية التي تشهد توسعا كبيرا في مشروعات التنمية والتحول الاقتصادي. وهو ما يجعل العلاقة الاقتصادية بين البلدين أقرب إلى شراكة متبادلة المصالح وليست مجرد تدفقات استثمارية في اتجاه واحد.
وبين السياسة والاقتصاد والأمن تتشكل ملامح مرحلة جديدة في العلاقات المصرية السعودية. فالتحديات الإقليمية تجعل استمرار التنسيق ضرورة عملية وليس مجرد تعبير دبلوماسي بينما تجعل الإمكانات الاقتصادية المشتركة من تطوير العلاقات خيارا يحمل فرصا واسعة للنمو.
وتشير مسيرة السنوات الأخيرة إلى أن القاهرة والرياض نجحتا في بناء مستوى مرتفع من الثقة السياسية والتنسيق المباشر. ومع إنشاء مجلس التنسيق الأعلى وتوسع العلاقات الاستثمارية والتجارية يصبح التحدي الأساسي هو الانتقال من مرحلة تثبيت الشراكة إلى مرحلة تعظيم نتائجها.
وفي لحظة إقليمية شديدة التعقيد تبدو الشراكة المصرية السعودية أمام اختبار جديد. فنجاح البلدين في الحفاظ على التنسيق وتطويره لن ينعكس فقط على مصالحهما المباشرة وإنما يمكن أن يمنح منظومة العمل العربي قدرة أكبر على التعامل مع التحولات الدولية والإقليمية.
ومن هنا فإن زيارة ولي العهد السعودي إلى مصر تحمل رسالة تتجاوز حدود البروتوكول واللقاءات الرسمية. إنها تعكس اتجاها نحو تعزيز شراكة تمتلك مقومات سياسية واقتصادية وأمنية واسعة وتبحث عن دور أكثر تأثيرا في رسم مستقبل المنطقة.
ومع استمرار الأزمات وتغير خرائط التحالفات والمصالح تبدو القاهرة والرياض أمام فرصة لترجمة ما تمتلكانه من ثقل إلى رؤية مشتركة أكثر وضوحا للمرحلة المقبلة. رؤية تقوم على حماية الأمن القومي العربي ودعم الاستقرار وفتح مسارات أوسع للتنمية والتجارة والاستثمار والتنسيق السياسي.
وبذلك لا تصبح العلاقة المصرية السعودية مجرد واحدة من العلاقات الثنائية في المنطقة وإنما نموذج لشراكة عربية قادرة على الجمع بين السياسة والاقتصاد والأمن والتنمية في إطار واحد. وهي معادلة تزداد أهميتها كلما ازدادت تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي.