مسجد روضة الشهداء.. من دماء الشهداء إلى منارة الإيمان والصمود في شمال سيناء (صور)
الأربعاء، 30 سبتمبر 2026 11:16 ص
محمد الحر
تتجلى قيمة مسجد «روضة الشهداء» بقرية الروضة التابعة لمدينة بئر العبد في شمال سيناء، باعتباره أحد أبرز الصروح الإسلامية التي تجمع بين عمق التاريخ الروحي وذاكرة المكان، وتحول بمرور السنوات إلى شاهد حي على صلابة الإرادة المصرية في مواجهة التحديات، ورمز للصمود في وجه الإرهاب، ومنارة لنشر العلم والوعي وبناء الأجيال.
يقع المسجد على بعد أمتار قليلة من الطريق الدولي «رفح – القنطرة»، ويتوسط المسافة بين مدينتي العريش وبئر العبد، على بُعد نحو 50 كيلومترًا من كل منهما، ليظل حاضرًا في قلب واحدة من أهم مناطق شمال سيناء، حاملاً تاريخًا ممتدًا ارتبط بالعبادة وخدمة أهالي المنطقة.
وترجع الجذور التاريخية لتأسيس المسجد إلى عام 1980، عندما شيده أبناء الطريقة الجريرية الأحمدية، المنسوبة إلى مؤسسها الشيخ العارف بالله «عيد أبو جرير»، ليصبح منذ ذلك الوقت المقر الأول والمركز الرئيسي للطريقة بمحافظة شمال سيناء، وأحد أكبر مساجد الطرق الصوفية بالمنطقة.
من مسجد الروضة إلى «روضة الشهداء»
وفي الجمعة الموافق 24 نوفمبر 2017، شهد المسجد حادثًا إرهابيًا استهدف المصلين أثناء اعتلاء الإمام المنبر، وأسفر عن ارتقاء مئات الشهداء وإصابة آخرين من أبناء القرية، في واحدة من أكثر الوقائع التي تركت أثرًا عميقًا في ذاكرة أهالي سيناء والمصريين.
وتخليدًا لذكرى الشهداء وتكريمًا لدمائهم، صدر قرار رسمي بتغيير اسم المسجد من «مسجد الروضة» إلى «مسجد روضة الشهداء»، ليحمل المكان اسمًا يخلد ضحايا الحادث، ويجعل من المسجد شاهدًا دائمًا على ما قدمه أبناء القرية في مواجهة الإرهاب.
ورغم قسوة الحادث، لم تزد هذه الجريمة أهالي سيناء والمصريين إلا صلابة وإصرارًا وتلاحمًا مع مؤسسات الدولة والقيادة السياسية والقوات المسلحة والشرطة، لتبدأ القرية مرحلة جديدة عنوانها التمسك بالحياة ومواجهة آثار الإرهاب بالعمل والبناء.
ومع مرور الوقت، تحولت القرية والمسجد إلى صورة أكثر استقرارًا ونماءً، واستعاد المكان حضوره ودوره، ليصبح «روضة الشهداء» رمزًا للصمود والقدرة على تجاوز آثار الإرهاب، ومشهدًا يعكس تمسك أهالي سيناء بأرضهم ومؤسسات دولتهم.
أئمة المسجد.. مسيرة من العطاء الدعوي
وتعاقب على إمامة المسجد عدد من أئمة وزارة الأوقاف، من بينهم الشيخ شوقي عبد العظيم، والشيخ عبد المتجلي أبو المعاطي، وصولًا إلى الإمام الحالي الشيخ محمد عبد الفتاح زريق، في إطار مسيرة دعوية ارتبطت بخدمة أهالي القرية والحفاظ على الدور الديني للمسجد.
ويحظى مسجد «روضة الشهداء» برعاية ودعم مستمرين من مديرية أوقاف شمال سيناء وإدارة أوقاف بئر العبد، وهو ما ساهم في تعزيز دوره باعتباره مركزًا للإشعاع الديني والثقافي داخل القرية.
ولا يقتصر دور المسجد على إقامة الشعائر الدينية، وإنما يمتد إلى تنفيذ مجموعة من الأنشطة الدعوية والتثقيفية والتربوية، وفي مقدمتها البرامج التثقيفية المخصصة للأطفال، ومكاتب تحفيظ القرآن الكريم، إلى جانب الأسابيع الثقافية والدروس المنهجية والفقهية المنتظمة.
كما يشهد المسجد تنظيم مقارئ للجمهور، ولقاءات دعوية وتثقيفية مستمرة، بما يعزز حضوره كمساحة للتعلم والتوعية والتواصل مع أبناء القرية، خاصة النشء والأطفال.
حفظة القرآن.. بناء جيل جديد
وشهد المسجد مؤخرًا احتفاليات وفعاليات دينية موسعة لتكريم النابغين والمتميزين من حفظة كتاب الله من أطفال القرية، في مشهد يعكس استمرار المسيرة الدعوية والتربوية، والاهتمام بتنشئة جيل جديد يرتبط بالعلم والقرآن والقيم الدينية.
وتحمل هذه الفعاليات رسالة تتجاوز حدود التكريم، إذ تؤكد أن مواجهة آثار الإرهاب لا تقتصر على تأمين المكان وإعادة البناء، وإنما تمتد إلى بناء الإنسان وترسيخ الوعي ونشر العلم، بما يساهم في صناعة أجيال أكثر قدرة على التمسك بقيم الاعتدال والانتماء والبناء.
وهكذا يواصل مسجد «روضة الشهداء» أداء رسالته الدينية والمجتمعية، محافظًا على مكانته في قلب قرية الروضة، ومرتبطًا في ذاكرة أبنائها بتاريخ طويل من العبادة وخدمة المجتمع.
ويظل المسجد صرحًا إيمانيًا شامخًا يضيء أرض سيناء، وشاهدًا حيًا على أن مواجهة الإرهاب لا تتوقف عند تجاوز آثار الجريمة، وإنما تمتد إلى استعادة الحياة، وترسيخ الوعي، وتعزيز البناء، ليبقى «روضة الشهداء» عنوانًا للصمود، ومنارة للإيمان، ورمزًا لذاكرة لا تنسى شهداء المكان.