موسم البلح والعجوة في شمال سيناء.. حصاد خير يفرّح البيوت ويجهّز العرسان ويصنع فرحة رمضان (صور وفيديو)
الجمعة، 09 أكتوبر 2026 03:34 م
محمد الحر
مع بداية موسم حصاد البلح في شمال سيناء، تدب الحركة في مزارع النخيل، وينشغل العمال بجمع المحصول، بينما تتولى الأسر فرزه وتجهيزه وتخزينه. وتستعد سيدات كثيرات لمرحلة أخرى لا تقل أهمية عن الحصاد، وهي صناعة العجوة وتجهيزها للبيع أو الاحتفاظ بها للاستهلاك المنزلي، خاصة مع اقتراب شهر رمضان.
ولا يمثل البلح مجرد محصول زراعي ينتظره المزارعون كل عام، بل يشكل مصدر دخل تعتمد عليه أسر كاملة في تدبير المعيشة وسداد الديون وتجهيز الأبناء وتلبية احتياجات البيوت الأساسية. وقد يكون عائد الموسم الفارق بين عام صعب وآخر أكثر استقرارًا.
من نخلة تعطي ثمارها بعد شهور من الرعاية، إلى يد تفرز البلح وتجهزه، إلى عجوة تُصنع في البيوت وتُباع للناس، وصولًا إلى مشروب رمضاني يستعيد نكهة التراث؛ تتواصل رحلة محصول يحمل قيمة اقتصادية واجتماعية وثقافية في حياة أهالي سيناء.
في قرى ومناطق المثلث الأخضر بمركز بئر العبد في شمال سيناء التي تنتشر فيها زراعة النخيل، تتحول أيام الحصاد إلى ورشة عمل يشارك فيها الرجال والنساء والشباب. ولكل منهم دور في رحلة الثمرة من أعلى النخلة إلى يد المستهلك، في صورة تعكس ارتباط الإنسان السيناوي بأرضه وما تمنحه له من رزق.
موسم لا يشبه بقية شهور السنة
يقول عبد المالك عبده، من مرارعين وأبناء قرية إقطية ، إن رحلة البلح تبدأ مع زراعة كافة فسائل النخل وهي من أنواع متعددة ومتنوعة، ورعايتها رعاية تامة من تسميد وتقليم حتى تبدأ الطرح، تليها عملية التلقيح والرعاية.
يضيف" ابو عبده" : مع نضج البلح، تبدأ رحلة العمل التي ينتظرها أصحاب مزارع النخيل. فهناك من يتولى تجهيز الأشجار ومتابعة الثمار، ومن يجمع المحصول، ومن ينقله إلى أماكن الفرز والتجفيف والتعبئة، بينما يتولى آخرون بيعه للتجار أو للمستهلكين مباشرة.
الكبوشي والعامري والحياني أجود أنواع البلح والتمور
وأوضح أن النخل في شمال سيناء متعدد الأنواع والألوان ومنه الحياني الذي يدخل في صناعة أجود أنواع العجوة، و العامري النوع الملكي المخصص للتجفيف كتمر ، إلى جانب اىزغلول الذي يعد من أجود أنواع الرطب ، إلى جانب الدويك والكبوشي والبنت عيش وهي أنواع مفضلة ولها تواجد في أسواق شمال سيناء.
ولفت "عبد المالك" إلى أن النخل رفيق أبناء البادية ابسبناوية من قديم الأزل حيث كان متواجد ويهتم به أجدادنا وآبائنا وكان من اسيايات حياتهم ومعيذتهم ، حيث كانوا يتناولون كتمر مع اللبن كظعام اساسي واهتمواةبزراعة النخيل ورعايته ليمون مخزونا استراتيجيا بالنسبة لهم لاستخدامه كطعام مع السمن في الشتاء وشرابا منقوعا في الصيف وخاصة في شهر رمضان، ومن بعدهم كان اهتمامنا واولتدنا بزراعة ورعاية النخيل والحفاظ عليه من السوس والأمراض المعدية
ويرى"ابو عبده" أن طبيعة العمل والعائد تختلف من مزرعة إلى أخرى، بحسب عدد النخيل وحجم الإنتاج ونوعية الثمار وتكاليف العمالة والنقل والري، فضلًا عن أسعار البيع التي تتحكم فيها حركة السوق، لكن المشترك بين كثير من الأسر هو أن الموسم يمنحها دخلًا تنتظره طوال العام، ويساعدها على ترتيب أولوياتها المعيشية، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الحياة.
وأوضح أنه بالنسبة إلى بعض المزارعين، لا تتوقف أهمية الحصاد عند بيع المحصول، بل تمتد إلى تشغيل عمال من أبناء المنطقة، وتوفير فرص عمل موسمية للشباب، وتحريك أنشطة النقل والتعبئة والتجارة والتصنيع المنزلي.
مزارعو النخيل.. تعب عام كامل ينتظر لحظة الحصاد
خلف كل ثمرة بلح حكاية تعب تبدأ قبل موسم الجمع بوقت طويل؛ فالنخلة تحتاج إلى رعاية ومتابعة وخدمة، كما تتطلب عملية الحصاد عمالة وخبرة واحتياطات تحافظ على سلامة العامل وجودة المحصول حسبما .
ويؤكد عطالله ابو سليمان، أن المزارع يظل طوال الموسم منشغلًا بحسابات التكلفة والإنتاج والسعر الذي يمكن أن يحصل عليه، على أمل أن يعوضه المحصول عن نفقات الزراعة والرعاية، ويوفر له ما يحتاج إليه هو وأسرته.
البلح موسم ينظره السيناوية لإقامة الأفراح والتعمير
و يقول محمد ابو رحمه، مزارع ومهتم بمزارع النخيل إلى: "موسم البلح بالنسبة لنا مش مجرد بيع محصول، ده موسم بنستناه علشان نقدر نلمّ نفسنا ونقضي احتياجات البيت. طول السنة فيه مصاريف للزراعة والعمالة وخدمة النخل، ولما ييجي الحصاد بنبدأ نحسب هنبيع بكام، وهنسدد إيه، وإيه اللي محتاجينه لأولادنا. لو الموسم كويس والسعر مناسب، بيكون فيه فرق كبير في حياة الأسرة".
تلخص هذه الكلمات طبيعة العلاقة بين المزارع ومحصوله؛ فنجاح الموسم لا يُقاس بكمية البلح وحدها، وإنما بما يتبقى من عائده بعد خصم تكاليف الإنتاج، وبقدرته على توفير دخل حقيقي للأسرة.
ويؤكد هذا الواقع أهمية دعم المزارعين في عمليات الفرز والتعبئة والتسويق، وتوفير منافذ بيع مناسبة، وتشجيع التصنيع المحلي، بما يساعد على زيادة القيمة الاقتصادية للمحصول بدلًا من بيعه خامًا بأسعار قد لا تعكس حجم الجهد المبذول فيه.
من عائد البلح إلى جهاز العروس.. فرحة مؤجلة تنتظر الموسم
في بيوت كثيرة، تتجاوز أهمية موسم البلح توفير الطعام والاحتياجات اليومية، لتصل إلى أحلام مؤجلة ظلت الأسرة تنتظر تحقيقها.
تقول السيدة" ام احمد" من صانعات العجوة السيناوية : "غالبا ما يكون عائد الموسم فرصة لشراء قطعة أثاث جديدة، أو استكمال تشطيب غرفة في المنزل، أو شراء مستلزمات دراسية للأبناء، أو سداد جزء من الديون، أو المساهمة في تجهيز شاب مقبل على الزواج أو فتاة تستعد لبناء بيتها" .
وحسب تأكيد" السيدة أم أحمد " التي تقوم يصنع العجوه وبيعها ، تبدو هذه التفاصيل كبيرة في حياة الأسر التي تعتمد على الزراعة والدخل الموسمي، إذ يمنحها الموسم مساحة من الأمل والقدرة على تدبير التزاماتها.
وتحت ظل نخله جلس المزارع عبد الله عثمان، وبعد أن مسح بيده حبات العرق التي اعتلت جبهته قال :"إحنا بنحاول نخلي تعبنا طول السنة يظهر في وقت الحصاد. فيه بيوت بتستنى الموسم علشان تجهز ابنها، وفيه أب بيحاول يكمّل جهاز بنته، وفيه أسرة عايزة تصلّح بيتها أو تسدد اللي عليها. البلح بالنسبة لنا رزق، وكل ما المحصول يتباع بسعر كويس، الفرحة بتدخل بيوت أكتر" .
ولا تحقق جميع الأسر المكاسب نفسها؛ فالعائد يتفاوت بحسب حجم الحيازة الزراعية والإنتاج والأسعار والنفقات. لكن الموسم يظل بالنسبة إلى كثيرين فرصة مهمة لتخفيف الأعباء وتلبية احتياجات يصعب تدبيرها من مصادر دخل محدودة.
المرأة السيناوية.. يد تصنع العجوة وتحفظ تراثًا كاملًا
إذا كان الرجال والعمال يتولون جانبًا كبيرًا من أعمال الحصاد والنقل، فإن للمرأة السيناوية حضورًا بارزًا في مرحلة التجهيز وصناعة العجوة.
داخل حوش من الجريد، تعرف في سيناء باسم المشره، ، جلست السيدة ام كريم لتقوم باهم مراحل صنع العجوة ، حيث تقول انها تقوم باختيار الثمار المناسبة وتنظيفها وفرزها، ثم تجهيزها وفق الطرق المتوارثة في الأسرة والمنطقة، حتى تتحول إلى عجوة يمكن تناولها مباشرة أو استخدامها في إعداد الحلويات والمخبوزات.
وتشير إلى أن العملية تبدأ باختيار الثمار الملائمة، ثم تنظيفها وفرزها وإزالة الأجزاء غير المناسبة، يلي ذلك نزع النوى، وتجهيز اللب ومعالجته بالطريقة المناسبة للصنف المستخدم، ثم إجراء عمليات النشر تحت أشعة الشمس، يليها عملية الفرم أو العجن والتشكيل والتعبئة بحسب طبيعة المنتج النهائي.
وتؤكد السيدة" ام كريم " أن عملية صناعة العجوة تتطلب مراعاة النظافة وجودة المواد الخام، وضبط الرطوبة وطرق الحفظ والتعبئة، بما يحافظ على سلامة المنتج وخصائصه الغذائية ويحد من تعرضه للتلوث أو التلف.
وحسب" أم كريم "تختلف طرق التصنيع من أسرة إلى أخرى، بحسب نوع البلح ودرجة نضجه وطريقة التجهيز، لكن الهدف واحد: الحفاظ على جودة المنتج والاستفادة من الثمار وتحويل المحصول إلى منتج مطلوب في الأسواق والبيوت.
وبالنسبة إلى بعض السيدات، لا تقتصر صناعة العجوة على تلبية احتياجات الأسرة، بل تمثل نشاطًا اقتصاديًا منزليًا يوفر دخلًا إضافيًا، خصوصًا عندما تُعبأ العجوة بصورة جيدة وتُباع للأقارب والجيران أو لعملاء من خارج المنطقة.
وتتيح هذه الحرفة للمرأة المشاركة في دخل الأسرة من داخل المنزل، مع الاستفادة من خبرة تراكمت عبر سنوات وانتقلت من الأمهات والجدات إلى الأجيال الجديدة.
سيدات سيناء نصنع العجوة للبيت والحفاظ على التراث
السيدة "أم سالم" تقول :"إحنا بنستنى البلح علشان نعمل العجوة للبيت، والزيادة بنجهزها للبيع. الشغل محتاج وقت ومجهود، من اختيار البلح لحد ما يبقى جاهز ويتعبأ، لكن لما نبيع إنتاجنا ونحس إن تعبنا جاب نتيجة، ده بيساعدنا في مصاريف البيت والأولاد. والأجمل إننا بنحافظ على حاجة اتعلمناها من أمهاتنا وجداتنا".
وتحمل صناعة العجوة قيمة تتجاوز العائد المالي؛ فهي جزء من الموروث الغذائي السيناوي، ووسيلة لاستثمار مهارات النساء، ويمكن تطويرها من خلال التدريب على سلامة الغذاء والتعبئة والتسعير والتسويق الإلكتروني، بما يفتح أسواقًا أوسع أمام المنتجات المنزلية.
العجوة.. من غذاء يومي إلى ضيف أساسي على مائدة رمضان
لا تنتهي رحلة البلح عند بيعه أو تحويله إلى عجوة، فمع اقتراب شهر رمضان تستعيد الأسر طرقها التقليدية في استخدام منتجات النخيل لإعداد أطعمة ومشروبات ترتبط بذكريات الصيام ولمّة العائلة.
ويشير خالد محمد، إلى ان العجوة تحتل مكانة خاصة في البيوت؛ إذ تُقدم باعتبارها غذاءً يمكن تناوله مباشرة، كما تدخل في إعداد المعجنات والحلويات المنزلية، وتُحفظ ضمن مؤونة الأسرة للاستفادة منها فترة طويلة وفق ظروف التخزين المناسبة.
أضاف أنه في بعض البيوت، تتحول العجوة إلى مشروب رمضاني مميز تختلف طريقة تحضيره من أسرة إلى أخرى؛ فهناك من ينقعها أو يخلطها بالماء ثم يصفيها، وهناك من يضيف إليها مكونات أخرى بحسب الوصفة المتوارثة. ويُقدم المشروب باردًا أحيانًا، ليكون حاضرًا على مائدة الإفطار أو ضمن الضيافة الرمضانية.
وتمنح هذه الاستخدامات البلح قيمة إضافية؛ فبدلًا من الاقتصار على بيع الثمار، يمكن تحويل جزء من الإنتاج إلى عجوة ومنتجات غذائية متنوعة، بما يوسع فرص البيع ويمنح الأسر خيارات أكبر للاستفادة من المحصول.
السيدة" ام ريان" تقول :" العجوة عندنا مش للأكل بس، دي كمان من الحاجات اللي بنستعد بيها لرمضان. بنجهز منها كمية للبيت، وكمية ممكن نبيعها، وفيه وصفات بنعملها للعيلة والضيوف. لما البلح يكون من محصولنا، بنحس إن خير الأرض داخل بيتنا، وإن تعب الموسم مكمل معانا حتى في رمضان".
وهكذا ترتبط دورة البلح بالعادات الغذائية والاجتماعية، من أيام الحصاد إلى ليالي رمضان، لتظل الثمرة حاضرة في ذاكرة الأسرة ومائدتها، ومصدرًا للرزق والعمل.
حتى المخلفات لها نصيب من الخير
ولا تتوقف الاستفادة الاقتصادية عند الثمار الصالحة للبيع أو التصنيع؛ فمخلفات النخيل والبلح يمكن أن تمثل موردًا إضافيًا إذا جرى التعامل معها بطريقة صحيحة.
يوضح محمد غانم، مزارع، أن نوى البلح يمكن الاستفادة منه في بعض الاستخدامات الصناعية والزراعية، كما يمكن إدخاله في منتجات مختلفة بعد المعالجة المناسبة، بينما يمكن استخدام بعض مخلفات النخيل النباتية في صناعة منتجات يدوية أو تطبيقات أخرى بحسب نوع المخلف والإمكانات المتاحة.
اضاف: أما المخلفات العضوية المناسبة، فيمكن تحويلها إلى سماد عضوي بعد المعالجة والتخمير وفق الاشتراطات الفنية، بما يساعد على إعادة جزء من العناصر الغذائية إلى التربة بدلًا من التخلص منها بصورة عشوائية.
وتفتح هذه الاستخدامات الباب أمام مشروعات صغيرة مرتبطة بموسم البلح، توفر فرص عمل إضافية وتزيد العائد من كل جزء من المحصول، بشرط توافر الخبرة الفنية والتجهيزات اللازمة والأسواق القادرة على استيعاب المنتجات.
ومن هنا، فإن تطوير صناعة البلح والعجوة لا ينبغي أن يقتصر على زيادة الإنتاج، بل يجب أن يشمل تقليل الفاقد، والاستفادة من المخلفات، وتحسين جودة التصنيع، وربط المنتجين بأسواق أكثر استقرارًا.
في نهاية المطاف، لا يمكن النظر إلى موسم البلح في شمال سيناء باعتباره مجرد فترة لجمع محصول زراعي؛ فهو موسم تتداخل فيه حسابات الرزق مع فرحة الأسرة، وتلتقي فيه خبرة المزارع بمهارة المرأة، ويتحول فيه العمل اليومي إلى أمل في مستقبل أفضل للأبناء.
ويتواصل موسم الخير في قرى المثلث الأخضر بشمال سيناء من نخلة تعطي ثمارها بعد شهور من الرعاية، إلى يد تفرز البلح وتجهزه، إلى عجوة تُصنع في البيوت وتُباع للناس، وصولًا إلى مشروب رمضاني يستعيد نكهة التراث؛ تتواصل رحلة محصول يحمل قيمة اقتصادية واجتماعية وثقافية في حياة أهالي سيناء.
وربما تكون أجمل صورة للموسم هي تلك التي تختصرها تفاصيل البيوت: أب يحاول استكمال تجهيز ابنه، وأم تدخر من عملها لمصاريف الأسرة، وشاب يجد فرصة عمل في الحصاد، وأسرة تحتفظ بجزء من خير أرضها استعدادًا لرمضان.
إنه موسم تتجاوز ثمرته حدود النخيل، لتصل إلى البيوت والأحلام والذكريات، وتؤكد أن دعم زراعة البلح وتصنيعه وتسويقه ليس دعمًا لمحصول فحسب، بل استثمار في حياة الأهالي وتراثهم وقدرتهم على مواصلة العمل والإنتاج والتعمير.
ففي شمال سيناء، لا ينتهي خير البلح عند الحصاد، بل تبدأ معه حكاية جديدة من الرزق والكفاح والفرحة.