كيف تجنبت مصر الأثار الكارثية للحروب الدولية والإقليمية على الوضع الاقتصادى؟
السبت، 17 أكتوبر 2026 06:42 م
خبراء: الاقتصاد المصرى استافد من درس الحرب الروسية الأوكرانية العصيب.. وحافظ على مؤشرات إيجابية وقدرة على امتصاص الصدمة
في لحظة فارقة وعصبية عصفت الحرب الروسية الأوكرانية بالاقتصاد العالمي، وغيرت الخريطة الجيوسياسية وتوقفت سلاسل الإمداد علي وقع أصوات الحرب، ووقف الاقتصاد المصري محاولاً الصمود أمام الصدمات المتتالية، فقد ضربت الحرب "سلة الغذاء" و"أوردة الطاقة" عبر فاتورة استيراد باهظة أثقلت كاهل النقد الأجنبي، وأشعلت معدلات التضخم، فإن ما تلا الحرب الإيرانية الأمريكية جاء ليعيد هندسة المخاطر بأسلوب أكثر تعقيداً؛ إذ تحولت المعركة من تقويض «الأسواق السلعية» إلى حصار خنق «الاستقرار الإقليمي»، متسببةً في نزيف حاد لعائدات حيوية، طالما شكّلت صمام أمان للخزينة العامة، على رأسها إيرادات قناة السويس وعوائد السياحة الإقليمية.
وبعد هدوء عاصفة الحرب الروسية الأوكرانية وعودة الأمر بشكل كبير الي نصابها الطبيعي، حلت الحرب الأمريكية الإيرانية، وما شهدته المنطقة من حرب إسرائيلية على قطاع غزة، واتساع نطاق المواجهات، والحقيقة أن مصر استفادت من الدرس واستطاعت أن تجد البدائل المتاحة وعدم التأثر الشديد بالحرب كما في المرة السابقة، لتكن الأوضاع أكثر تحكما وسيطرة عن ذي قبل. ولم تتأثر الأوضاع الاقتصادية المصرية، بل استطاع تحقيق استقرار اقتصادي ناجح وتوالت المؤشرات الاقتصادية الإيجابية من المؤسسات الاقتصادية الدولية، وهذا ما سنطرحه في هذا التقرير بالفرق بين الأوضاع الاقتصادية في الحرب الروسية الأوكرانية والحرب الأمريكية الإيرانية.
وقال الدكتور عوض أبو النجا، عضو مجلس النواب بلجنة الخطة والموازنة إن التأثير الاقتصادي للحرب الروسية الأوكرانية مقارنة بالحرب الأمريكية الإيرانية على مصر مختلف بشكل كبير، بدأت الحرب في فبراير 2022، وكان تأثيرها على مصر واضحًا في ثلاثة مسارات رئيسية: الغذاء والطاقة، وخروج الاستثمارات الأجنبية، والضغط على سعر الصرف والموازنة العامة، مشيراً إلى أن مصر كانت تعتمد بدرجة كبيرة على روسيا وأوكرانيا في توفير القمح، حيث أوضح صندوق النقد الدولي في أبريل 2022 أن نحو 50–60% من واردات القمح المصرية كانت تأتي من البلدين، وأدت اضطرابات الإمدادات إلى زيادة مخاطر تكلفة الاستيراد، والضغط على توفير الخبز المدعم، وارتفاع أسعار الغذاء.
وتابع أبو النجا ل"صوت الأمة": أدى ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى زيادة الضغوط على تكلفة الوقود والنقل والإنتاج، وانتقلت آثار الصدمة إلى الأسعار المحلية والإنفاق المرتبط بالطاقة، لكن ارتفاع أسعار الطاقة بدأ قبل الحرب، لذلك لا يصح إرجاع الزيادة كلها إلى الحرب الروسية الأوكرانية.
وأشار صندوق النقد الدولي إلى خروج تدفقات استثمارية غير مقيمة بنحو 20 مليار دولار خلال فبراير ومارس 2022، في ظل تزايد الضغوط المالية العالمية ومخاوف المستثمرين، وتزامنت هذه التدفقات مع ضغوط على الجنيه المصري والاحتياطيات الأجنبية، وهذه الآثار، وفق أبو النجا، لم تكن ناتجة عن الحرب وحدها؛ فقد تزامنت مع تشديد السياسة النقدية العالمية واختلالات اقتصادية داخلية سابقة.
ووفقًا لتقرير صندوق النقد الدولي عن مصر الصادر في أغسطس 2026، ارتفعت فاتورة واردات الطاقة بنحو 3.5 مليار دولار خلال الفترة من مارس إلى يونيو 2026، وشكّل الغاز الطبيعي نحو نصف هذه الزيادة. وأشار التقرير إلى أن ارتفاع النفط بمقدار 10 دولارات للبرميل يمكن أن يوسّع عجز الحساب الجاري المصري بنحو 0.3 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا، وهذه أرقام وردت في تقييم الصندوق لتطورات عام 2026، وليست تقديرًا مستقلًا للتكلفة النهائية للحرب وحدها.
تراجع إيرادات قناة السويس ومخاطر الملاحة
وحذّر صندوق النقد الدولي من احتمال تأثر إيرادات السياحة إذا استمر عدم الاستقرار الإقليمي، كما أشار إلى أن التحويلات، التي يأتي جزء كبير منها من دول الخليج، قد تتعرض لضغوط إذا تضرر النشاط الاقتصادي في هذه الدول، والأثر هنا مشروط باستمرار التصعيد؛ فلا يعني وجود الحرب بالضرورة أن التحويلات أو السياحة قد انخفضت بالفعل بالمقدار نفسه.
ورصد صندوق النقد الدولي في تقريره الصادر في أغسطس 2026 خروج تدفقات مالية وتقلبات في سعر الصرف عند بداية الصراع، مع تراجع جزئي لهذه الضغوط لاحقًا. كما أشار إلى أن ارتفاع النفط مجددًا قد يؤدي إلى عودة خروج رؤوس الأموال وزيادة الضغوط التضخمية.
ومن جانبه حلل الدكتور محمد رضا، الرئيس التنفيذي لمجموعة سوليد كابيتال أفريقيا والخليج العربي، واقع الاقتصاد المصري بين صدمة الحرب الروسية الأوكرانية وتداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية، وكشف خلال المقارنة الفرق بين الأوضاع الاقتصادية في مصر خلال الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت في فبراير 2022، والتداعيات الاقتصادية للحرب الأمريكية مع إيران في عام 2026، عن اختلاف جوهري في طبيعة الصدمات التي يتعرض لها الاقتصاد المصري، رغم اشتراك الفترتين في عامل أساسي يتمثل في ارتفاع درجة عدم اليقين الجيوسياسي وتأثيره على تدفقات التجارة والاستثمار وأسعار الطاقة والعملات، فالحرب الروسية الأوكرانية بدأت تأثيراتها على مصر من خلال ارتفاع أسعار القمح والطاقة والأسمدة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، في حين تركزت المخاطر المرتبطة بالحرب مع إيران بصورة أكبر على أمن إمدادات الطاقة في منطقة الشرق الأوسط، وتكاليف النقل البحري والتأمين، وحركة الملاحة في قناة السويس، فضلًا عن احتمالات خروج الاستثمارات الأجنبية من الأسواق الناشئة بحثًا عن ملاذات أكثر أمانًا، ومن ثم، فإن الاختلاف بين الفترتين لا يرتبط فقط بحجم الصدمة الخارجية، وإنما أيضًا بمدى استعداد الاقتصاد المصري لمواجهتها، وقدرته على توفير النقد الأجنبي واحتواء الضغوط التضخمية.
فخلال الحرب الروسية الأوكرانية، واجه الاقتصاد المصري ضغوط ارتفاع أسعار القمح والطاقة والأسمدة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية في وقت كان يعاني فيه بالفعل من اختلالات هيكلية تتعلق بالاعتماد على الاستيراد وتزايد الاحتياجات التمويلية الخارجية، فقد أدى ارتفاع أسعار الحبوب والطاقة عالميًا إلى زيادة تكلفة الواردات، ورفع الضغوط على الموازنة العامة، خصوصًا في ظل اعتماد مصر على استيراد حجم كبير من احتياجاتها من القمح.
وفي الوقت نفسه، تعرضت الأسواق المالية الناشئة لموجة من تخارج الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، وهو ما زاد الضغط على موارد النقد الأجنبي وساهم في تفاقم الضغوط على الجنيه المصري. ولم تكن الأزمة مجرد ارتفاع مؤقت في الأسعار العالمية، بل تحولت إلى اختبار لقدرة السياسة النقدية والمالية على التعامل مع صدمة خارجية تزامنت مع ارتفاع تكلفة التمويل عالميًا وتشديد السياسة النقدية الأمريكية، وانعكست هذه الضغوط على الاقتصاد المصري في صورة تراجع القوة الشرائية للجنيه المصري، وارتفاع تكاليف الإنتاج والاستيراد، وزيادة الضغوط على سعر الصرف، ومع استمرار الاختلالات بين العرض والطلب على النقد الأجنبي، تصاعدت الضغوط التي انتهت إلى تحرير سعر الصرف في مارس 2024، بالتزامن مع رفع أسعار الفائدة وتوسيع برنامج التمويل مع صندوق النقد الدولي، ومن المهم هنا التمييز بين بداية الصدمة في عام 2022 وبين تطورات الأزمة في عامي 2023 و2024؛ إذ لا يمكن إرجاع جميع الاختلالات النقدية والتضخمية إلى الحرب وحدها، فقد تداخلت معها عوامل محلية، من بينها محدودية موارد النقد الأجنبي، وارتفاع أعباء الدين، واتساع الفجوة التمويلية، والقيود التي أثرت في توافر العملة الأجنبية. وبذلك، كانت الحرب الروسية الأوكرانية عاملًا مسرعًا لاختلالات قائمة، وليست السبب الوحيد فيها.
أما في مرحلة الحرب الأمريكية مع إيران خلال عام 2026، فقد أصبحت طبيعة المخاطر أكثر ارتباطًا بالتشابك الجغرافي بين مصر وممرات الطاقة والتجارة في الشرق الأوسط، فالتصعيد العسكري يهدد استقرار أسواق النفط والغاز ويرفع تكاليف الشحن والتأمين، كما أثر في حركة التجارة عبر قناة السويس وفي إيرادات السياحة والاستثمار، وتزداد حساسية الاقتصاد المصري لهذه الضغوط بسبب احتياجاته من الطاقة والنقد الأجنبي، فضلًا عن ارتفاع تكلفة خدمة الدين العام وخفض توقعات نمو الاقتصاد المصري لارتفاع التضخم وتراجع إيرادات بعض الأنشطة المرتبطة بالتجارة والسياحة، لكن حجم التأثير الفعلي يظل مرتبطًا بمدة الحرب، واتجاهات أسعار الطاقة، ومدى استمرار اضطرابات الملاحة، وقدرة الدولة على احتواء التداعيات.
وتتمثل إحدى أهم نقاط الاختلاف بين الفترتين في أن صدمة 2022 كانت عالمية في جانب كبير منها، إذ امتدت آثارها إلى أسواق الغذاء والطاقة والسلع الأساسية في مختلف الاقتصادات، بينما تحمل أزمة 2026، إلى جانب انعكاساتها العالمية، مخاطر إقليمية مباشرة تمس طرق التجارة ومصادر الطاقة المحيطة بمصر، ففي الحرب الروسية الأوكرانية، كان ارتفاع أسعار القمح والسلع الغذائية أحد أبرز قنوات انتقال الأزمة إلى الداخل المصري، أما في الحرب مع إيران، فإن اضطراب إمدادات الطاقة وارتفاع تكاليف الشحن والمخاطر المرتبطة بالملاحة البحرية قد يمثلان قنوات أكثر مباشرة للتأثير في تكلفة الإنتاج وحركة التجارة وإيرادات النقد الأجنبي. ومع ذلك، لا يعني هذا أن إحدى الصدمتين أشد بصورة مطلقة من الأخرى؛ فالحكم يتطلب مقارنة البيانات الفعلية عن أسعار النفط والقمح، وسعر الصرف، والتضخم، والاستثمار الأجنبي، وإيرادات قناة السويس، والنمو الاقتصادي خلال الفترتين، مع مراعاة اختلاف الظروف المحلية والدولية المحيطة بكل منهما.
حيث نرى أن الأقتصاد المصري دخل مرحلة الحرب الأمريكية مع إيران وهو أكثر قوة من مرحلة الحرب الروسية الأوكرانية فقد أكد صندوق النقد الدولي في أحدث تقييم له أن مصر دخلت فترة الصدمات الإقليمية الأخيرة من وضع اقتصادي أكثر قوة مقارنة بمراحل سابقة، مشيراً إلى تحسن النمو، وارتفاع الاحتياطيات، وتحسن أوضاع الأصول الأجنبية لدى البنوك، ومرونة سعر الصرف في امتصاص جزء من الصدمات، وفي الوقت نفسه، شدد الصندوق على استمرار نقاط ضعف مهمة، من بينها ارتفاع الدين واحتياجات التمويل، وارتفاع الاعتماد على التمويل قصير الأجل، واستمرار الدور الكبير للدولة في الاقتصاد.