قلعة المال المتخفى.. الإخوان الإرهابية تستخدم العقارات في أسبانيا لتبيض الأموال القذرة والهروب من الملاحقات القضائية وقوائم الإنتربول
السبت، 24 أكتوبر 2026 11:00 م
تقارير أسبانية: الجماعة تخترق المجتمعات المحلية والبلديات لتمويل أنشطتهم.. ومدريد تلجأ إلى قانون منع غسل الأموال وتمويل الإرهاب لتشديد الرقابة
لم تعد المعركة ضد تنظيم الإخوان الإرهابى في أوروبا، وتحديداً شبكات إخوان مصر الهاربين، أمنية بحتة تتعلق بالفكر المتطرف فحسب، بل أصبحت معركة تمويل واقتصاد وأموال مشبوهة لايعرف لها مصدر محدد، تعمل بشكل يشبه تماما الشركات متعددة الجنسيات، وتُعد التجربة الإسبانية اختباراً حاسماً لمدى قدرة الدولة الديمقراطية على حماية قوانينها ومنظومتها المالية من الاستغلال المنهج عبر شبكات ما اطلق عليه بعض منظرو الجماعة مصطلح "الجهاد الحضاري".
وفي الوقت الذي تركز فيه الحكومات الأوروبية على مكافحة التهديدات الأمنية المباشرة والتنظيمات المتطرفة، تبرز في الخفاء جبهة أخرى أكثر خطورة وتعقيداً هي الجبهة المالية المرتبطة بشبكات تنظيم الإخوان الإرهابية، وبشكل خاص، ومع تضييق الخناق القضائي والملاحقات الأمنية المكثفة التي طالت قيادات الإخوان الهاربين وأصولهم المالية في مصر خلال الأعوام الأخيرة، سعت قيادات التنظيم والكوادر الفاعلة في الشتات إلى إيجاد ملاذات بديلة.
وكشفت تقارير استخبارية واستقصائية حديثة نشرتها منصات وصحف أوروبية وعالمية عن تحول إسبانيا بصورة تدريجية وممنهجة، إلى محطة رئيسية لتخفى الأموال وتدوير الأرصدة التابعة لشبكات الإسلام السياسي، ولا سيما شبكات إخوان مصر الهاربين، مستغلين الثغرات التشريعية ورخاوة الرقابة السابقة في البلاد، لتصبح إسبانيا بالنسبة للتنظيم "قلعة مالية خفية" في القارة الأوروبية .
ويمثل إخوان مصر الهاربين الذين غادروا البلاد عقب تورطهم في اعمال عنف مع خروج الشعب المصرى ضد نظام حكمهم عام 2013 وتوزعوا بين تركيا وبعض العواصم الأوروبية، العقل المدبر والمحرك الأساسي لهذه الشبكات الاقتصادية المعقدة، وتبرز طبيعة ارتباطهم بالساحة الإسبانية عبر عدة مسارات، فبعد تجميد والتحفظ على مئات الكيانات والمليارات المملوكة للإخوان داخل مصر نظرا لارتكابها مخالفات قانونية جثيمة وتورطها في دعم العنف والإرهاب، بحثت قيادات التنظيم عن بيئة آمنة لتهريب وتدوير ما تبقى من أموال سائلة، ووجدوا في إسبانيا بيئة خصبة لنقل الأموال عبر مصارف وسيطة، وتسجيلها بأسماء واجهات وشخصيات ثانوية لا تظهر ارتباطاتها المباشرة بالتنظيم في مصر.
وبينما تقيم الصفوة القيادية من أبناء الجماعة في محطات إقليمية لإدارة الواجهات السياسية والإعلامية، تفرغت كوادر أخرى من رجال أعمال وناشطين في شبكات الشتات للتواجد في دول أطراف مثل إسبانيا، التي يستخدمها التنظيم الإرهابى كممر وبوابة خلفية لتحويل الأموال وتمويل الأنشطة والمؤتمرات والمنصات التابعة للتنظيم الدولي في أوروبا، بعيداً عن أضواء الرقابة المكثفة المفروضة عليهم في بريطانيا أو ألمانيا مؤخرا .
واتخذ عدد من العناصر ورجال الأعمال المرتبطين بملفات التمويل الإخوان بمصر من إسبانيا ملاذاً آمناً لتفادي الأحكام القضائية وقوائم الترقب الدولية، مستغلين تعقيدات إجراءات التسليم وثغرات قوانين اللجوء، قبل أن تطالهم تحقيقات وحدة الاستخبارات المالية الإسبانية حديثاً .
وتشير الوثائق والدراسات الاستخبارية الصادرة عن منصات دولية، الى ان شبكات الاخوان في أسبانيا طورت استراتيجية محكمة مثل شبكة فيسجراد 24، وهى شبكة إعلامية وحساب عبر منصات التواصل الاجتماعى مثل منصة أكس اوتويتر سابقا وفيسبوك وإنستجرام وفيس بوك، كما طورت الاندماج الهادئ في المجتمعات المحلية بعد ان كان يتم عبر لقاءات المساجد والمسملين الجدد والطلاب الذين تركو بدون مرجعية دينية ليدخلو لهم من بوابة الإسلام الوسطى، وتحت غطاء العمل الإنساني والجمعيات الخيرية، مثل "الإغاثة الإسلامية-إسبانيا" و"هيومان أبيل-إسبانيا"، ونجحت هذه العناصر في التغلغل داخل النسيج الإداري والمحلي عبر مواقع التواصل الاجتماعى خاصة.
وتتمثل المنهجية الخفية لهذه الواجهات في استنزاف التمويلات العامة والإعادة والتدوير المالى والحصول على ملايين اليوروهات من المساعدات ومنح الدعم المالي المقدمة من البلديات والحكومات الإقليمية في إسبانيا تحت شعارات "الاندماج المجتمعي والحوار بين الأديان، ورعاية المهاجرين، وفي الوقت الذي تنفق فيه هذه الأموال الرسمية لتغطية الواجهات والمصاريف التشغيلية العلنية، وتُستغل التبرعات الخاصة والأموال العابرة للحدود المحولة من شبكات الشتات والعناصر الأجنبية من أبناء التنظيم في تمويل المشاريع التنظيمية، مستهدفة الأوساط الطلابية والجامعية عبر شبكات كـ "منتدى الشباب والطلاب المسلمين في أوروبا".
وتُشير "خطة الجهاد الحضاري" أو الاستراتيجية العامة في سياق العلوم السياسية والأمنية الحديثة إلى وثيقة استراتيجية سرية تم العثور عليها ومصادرتها من قبل السلطات الأمنية، وتنسبها التقارير الاستخباراتية والأمنية الغربية إلى جماعة الإخوان الإرهاربية، وصيغت هذه الخطة في عام 1991، وعُثر عليها لاحقاً خلال تحقيقات ومداهمات أمنية في سويسرا عام 2001 في منزل يوسف ندا، وعُرفت في الأوساط الأمنية باسم المشروع.
وتقوم الاستراتيجية على فكرة "التغلغل الهادئ" وتقويض المجتمعات من الداخل بدلاً من المواجهة العسكرية المباشرة، وتتضمن اختراق المجتمعات الغربية عبر تأسيس واجهات قانونية كالمراكز الثقافية، والمنظمات التضامنية، والجمعيات الخيرية، والمجالس المحلية، واستغلال قوانين الحريات والمساعدات الحكومية لبناء نفوذ موازٍ وتشكيل نخبة فكرية وطلابية تتبنى أيديولوجيا معينة، والعمل بأسلوب "الهدوء القانوني والدائم" لتهيئة المجتمعات لتغيير هويتها تدريجياً على المدى البعيد.
ويتفق ذلك تماما مع ما حذرت منه الخبيرة الأمريكية في الأمن القومي، بريجيت جابرييل، بشأن ما يُعرف بـ "خطة الجهاد الحضاري" الصادرة عن التنظيم عام 1991؛ والتي تعتمد على تقويض المجتمعات الغربية من الداخل عبر الهدوء القانوني الدائم، واختراق المجتمعات والمجالس البلدية بأساليب لا تثير الشبهات .
وعلى الصعيد المالي البحت، كشفت تحقيقات الأجهزة الأمنية والاستخبارية الإسبانية، بالتنسيق مع نظيراتها الأوروبية، عن آليات معقدة استخدمها كوادر التنظيم ورجال الأعمال المحسوبون عليه لتثبيت وتدوير رؤوس الأموال، وتعد العقارات في أقاليم حيوية مثل كتالونيا وأندلوسيا ومدريد الهدف الأبرز لتثبيت الثروات .
ويتم ضخ أموال قادمة عبر مصارف وسيطة لشراء مبانٍ سكنية و أراضى ومراكز تجارية لتجنب الرقابة وتُسجل هذه العقارات بأسماء شركات واجهة خلفية لا تكون المالك الحقيقى، أو شخصيات مستعارة لا تملك سجلاً أمنياً يلفت الأنظار لقطع الصلة المباشرة بين الأصول والمجلس القيادي للتنظيم في الخارج.
وتدار هذه العقارات عبر تأجيرها لضخ أرباح "شرعية ونظيفة" تعود إلى الحسابات البنكية الرسمية للجمعيات، ليُعاد استخدامها تحت غطاء الاستثمارات المجتمعية، واستغلت شبكات إخوان مصر والشتات رخاوة التشريعات السابقة لتأسيس شركات تجارية متفرقة في قطاعات الاستيراد والتصدير الأغذية الحلال والاستشارات والخدمات الإعلامية.
وتستخدم هذه الشركات لتمرير صفقات وهمية وفواتير خدمات مزيفة بين إسبانيا ودول أوروبية أخرى مثل هولندا وسويسرا، ما يتيح نقل ملايين اليوروهات عبر الحدود بعيداً عن أعين وحدة الاستخبارات المالية.
وإلى جانب القنوات المصرفية، رصدت التحقيقات اعتماد الشبكة على قنوات "الحوالة" التقليدية وشبكات الصرافة غير المصرفية لنقل السيولة النقدية عبر تجار محليين عبر كاش، بهدف تسوية المبالغ المالية مع شبكات أخرى في الشرق الأوسط دون ترك أثر مصرفي رسمي .
وفي تحليل نشرته صحيفة لا رازون الإسبانية، حذر خبير مكافحة الإرهاب خوسيه ماريا زولواغا من أن جماعة الإخوان تمثل "خطراً خفياً" يوازي خطورة التنظيمات الجهادية المسلحة، رغم اختلاف الوسائل والأساليب، نظراً لاتفاق الطرفين على الهدف النهائي المتمثل في السعي لإقامة "خلافة عالمية"، موضحاً أن الخطورة تكمن في التخلي التام عن المسميات التنظيمية الصريحة؛ حيث يعتمد التنظيم على شبكة من المؤسسات المدنية والشركات التي يستحيل إجرائياً ربطها بالهيكل القيادي المركزي.
ويُعد إقليم كتالونيا النموذج الأبرز الذي استغل ثغراته القانونية والإدارية لبسط السيطرة الإيديولوجية والمالية على المراكز الإسلامية والمجتمعات المحلية.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، وجدت مدريد نفسها أمام اختبار سياسي وأمني غير مسبوق، وتتزامن التحقيقات الإسبانية الواسعة مع صحوة تشريعية أوروبية شاملة، شملت خطوات حاسمة اتخذتها برلمانات ودول مثل النمسا وفرنسا وألمانيا وهولندا، الرامية إلى حظر أو تقييد أنشطة التنظيم وتجفيف منابعه نظرا لما تمثله تلك الجماعة الإرهابية من تهديد للسلم الاجتماعى في أي بلد يكون موطأ قدم لها.
ودفعت هذه المخاطر الحكومة الإسبانية إلى إقرار حزمة تعديلات صارمة على قانون منع غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والتي تهدف إلى تشديد الرقابة على المالك الفعلى للشركات والعقارات والجمعيات غير الربحية، وتعمل الحكومة الاسبانية منذ مطلع شهر أكتوبر الجارى على ملاحقة الشبكات المالية المعقدة والواجهات التجارية الوهمية التي يديرها كوادر الشتات وإخوان مصر الهاربين، وإغلاق الثغرات التشريعية التي سمحت خلال العقود الماضية بتحويل إسبانيا إلى واحة مالية خفية.
من جانبه أكد المركز الأوروبي للبحث والمعلومات حول الأخونة "CERIF" أن قرار البرلمان الأوروبي الأخير لمواجهة تغلغل الجماعات الاسلامية ونفوذ شبكة الإخوان المسلمين، والذي حظي بتأييد 381 نائباً، يمثل خطوة سياسية شجاعة، لكنه يظل "ورشة عمل غير مكتملة" تتطلب آليات تشريعية ملزمة، وأوضح الخبير القانوني بالمركز، الدكتور توماسو فيرجيلي، أن الفضيلة المعرفية للقرار تكمن في تفكيك المفهوم التقليدي للجماعة؛ حيث تجاوز النظرة السطحية التي تختزل الإخوان في تنظيم هرمي، يعتمد على شبكات رخوة وواجهات مدنية وتعليمية وخيرية.
وأشاد تقرير المركز الأوروبي بنجاح الوثيقة الأوروبية في الفصل الواعي بين "الإسلام كدين وحرية معتقد" وبين "الإسلاموية كمشروع أيديولوجي وسياسي"، وهو التمايز الذي أسقط محاولات الترهيب الفكري بـ "الإسلاموفوبيا"، وفتح الباب أمام مواجهة محاولات الجماعة لبناء مجتمعات موازية واختطاف التمثيل الحصري للمسلمين في أوروبا.