عملية توريط النظام

الإثنين، 20 فبراير 2017 04:43 م
عملية توريط النظام
عبد الحليم قنديل يكتب

حتى لا تختلط الأوراق على أحد، فلسنا من الذين يتعامون عن إنجازات كبرى توالت مع حكم الرئيس السيسى، وهى مرئية بوضوح فى قناة السويس وما حولها، وفى محطات الطاقة وشبكة الطرق والمدن الجديدة، وقد جرت فى وقت قياسى، وبتكلفة هائلة من خارج موازنة الدولة، قد تكون بلغت إلى الآن قرابة التريليونى جنيه مصرى

لم ينفق سوى القليل منها فى بناء مصانع جديدة، وتمت وتتم المشروعات كلها بإشراف وإدارة هيئات الجيش، وبكفاءتها وأساليبها الانضباطية الحازمة، وهى لغة العمل التى يفضلها الرئيس بحكم تكوينه العسكرى، ويفضل معها طريقة أداء ما قد تصح تسميته «حكومة الجيش»، إلى هنا قد يمكنك التوقف، ووضع خط فاصل، بين ما يوحى بالأمل، وبين ما يفاقم أحوال اليأس والقنوط العام، فلن تجد خارج دائرة إنجازات الجيش شيئا يفرح، فلا سياسة ولا اختيارات نهوض كلى، ولا حتى حركة فى بطء السلحفاة، ولا انحياز لأغلبية المصريين، يوازى ويكافئ سرعة وكفاءة الإنجاز الإنشائى، وأساليب السياسة والاقتصاد والأمن فى أزمة متفاقمة، صحيح أن تحسنا ملحوظا جرى فى مجال الأمن، وفى ساحات الحروب ضد جماعات الإرهاب، وبتضحيات أسطورية من شباب الجيش وقطاعات أمنية، لكن الحرب ضد الإرهاب، مما لا يخشى على نتائجها فى النهاية، فالإرهاب مهزوم لا محالة، ومصر قبضة يد لا تنفك أصابعها إلى يوم الدين، وهذا كله مفهوم، فالإرهاب هو الخطر الأصغر، بينما الفساد هو الخطر الأعظم على المصريين والدولة المصرية، والرئيس قال إن خطر الفساد مساو لخطر الإرهاب، بينما هو الخطر الأكبر بامتياز، وقد جرى شن غارات متقطعة على الفساد، وبجهود الرقابة الإدارية وغيرها، لكنها لا تؤدى الغرض المطلوب، فقد تجرح الفساد، لكنها لاتقتله، بل تجعله كالذئب الجريح أشد شراسة، خاصة مع بيئة تشريعية مواتية وموالية، تصنع قوانينها جماعات الفساد نفسها، وتقيم للفساد مواسم المصالحة والتكريم، وما دام الفساد لم يكنس، فإن بعث الأمل فى نفوس الناس يصبح محالا أو افتعالا، فالسياسات الحاكمة ذاتها على قدر معتبر من الفساد، فتغول أجهزة الأمن قرار إعدام للحرية، والتأخر فى إصدار قانون عفو عام لغير الإرهابيين يراكم المظالم، والتصرفات فى الاقتصاد منحازة كليا للأغنياء وأمراء النهب، ومنحازة كليا أيضا ضد الفقراء والطبقات الوسطى، وهؤلاء هم الأغلبية الساحقة، وبنسبة تفوق التسعين بالمئة، والغلاء يحرق أكبادهم وقلوبهم وجيوبهم، والسلطة لا تعد سوى بالمزيد من البؤس، وإلغاء ما تبقى من دعم السلع والطاقة، وبدعوى «القرارات الصعبة» التى لابد من اتخاذها، والتى تحوز ثقة الهيئات الدولية على طريقة صندوق النقد والبنك الدوليين، بينما لايلتفت أحد إلى شهادة وثقة الشعب المصرى المتآكلة فى كل شىء تقريبا.

هذه هى الصورة فى إجمالها، وهذه هى الحقيقة التى لايصح أن يخونها أحد، فالبلد فى أزمة قابلة للحل والتجاوز، لكن ما يجرى إلى الآن لايقدم حلا منتجا ولا عادلا، بل يفاقم المشكلات، ويحول الأزمات إلى مآزق، ويزيد من الاحتقان والغضب الاجتماعى والسياسى، وبما قد يعرض الوضع كله للخطر، فالاستخفاف والاستهانة بالشعب المصرى، تبدو كأنها مقتضى الحال، أو كأنها تعصم من الانزلاق إلى ما كان، وربما كان الموقف من سيرة الثورة المصرية، مما قد يصلح كمسطرة قياس، فقيادة الجيش تشيد بثورة ٢٥ يناير وموجتها الثانية فى ٣٠ يونيو، والرئيس السيسى هو الوحيد فى نظامه الذى يتذكر اسم الثورة، بينما النظام كله يمقتها ويصورها كمؤامرة، ويجدد سيطرة عناصره القديمة الجديدة على الاقتصاد والإعلام والجهاز الإدارى للدولة، ويكاد يصور القصة كلها على نحو بائس، يتصور أن المزيد من ضغط الأمن، كفيل بكبت المصريين، ومنع أى تمرد أو ثورة سياسية واجتماعية، وهو ما يفسر جرأة العودة للسياسات القديمة ذاتها، والعودة للاستعانة برموز وشخوص مرحلة المخلوع مبارك، والذين ينظر إليهم بصفتهم الخبراء والأنبياء المنكورين، وهو ما جرى ويجرى بانتظام، وفى تصاعد غاية فى فجاجته، ليس فقط فى تشكيل وتعديل الحكومة ووزرائها، فغالب الوزراء والمسئولين من «الفرز العاشر» لرجال ونساء مرحلة المخلوع، وأحيانا يجرى اللجوء إلى «الفرز الأول» اختصارا للمعنى، وعلى طريقة ما جرى أخيرا فى إعادة توزير على المصيلحى، وقد كان من وزراء المخلوع البارزين، والمفارقة الموحية أنه حل هذه المرة وزيرا للتموين لا للتضامن الاجتماعى، كما كان أيام مبارك، وفى مكان وزير ذاهب اسمه بالمصادفة على مصيلحى، وقد كان قبل الوزارة لواء جيش، وكأن التعديل الوزارى الهزيل، والذى ظلوا يبحثون ويفكرون فيه على مدى شهور، ويغيرون ويبدلون فى الأسماء المرشحة، ويطلبون التقارير تلو التقارير، وكأنهم يخططون لصناعة قنبلة ذرية أو سفينة فضائية، كأن كل هذا الجهد الذى بدا مضنيا، قد انتهى إلى انتقال بدا هزليا، بإقالة «مصيلحى» وإعادة توزير «المصيلحى»، وكأنهم كانوا يبحثون رمزيا عن ألف ولام التعريف، والإقرار الصريح بالعودة إلى شخوص المخلوع بعد العودة لسياساته، وقد جربوها من قبل فى توزير أحمد زكى بدر، وكان من وزراء المخلوع، وهو نجل اللواء زكى بدر وزير الداخلية الشهير فى عشرية مبارك الأولى، وكان معروفا بفظاظته وبلطجته الفعلية واللفظية، وربما تصوروا أن الابن لأبيه حتى فى السلوك، وترجموا معنى الفظاظة بالخطأ إلى معنى الحسم، وكلفوا الابن بوزارة المحليات، وهى قلعة الفساد الكبرى، وكانت النتائج على ما نعرف، وشهدت وزارة المحليات أعظم عصور فسادها، وتأخروا فى إزاحة بدر حتى بلغ الفساد قمة الرأس، وإلى أن أقالوه فى التعديل الوزارى الأخير، فقد أتى الدور هذه المرة على إعادة تجريب المصيلحى، وبعد أن ثبتت خيبة إعادة تجريب أحمد زكى بدر، بينما الحكمة الشعبية قاطعة فى الحكم على الذى يجرب المجرب.

وخارج التعديل الوزارى وسخافاته، تبدو إعادة «تجريب المجرب» خطة سارية، فدوائر بعينها تواصل تصميمها على حصار الرئيس، وتوريط نظامه فى أخطاء وخطايا، وقد تكون الأمثلة فوق طاقة الحصر، خذ عندك مثلا واحدا، يتعلق هذه المرة بإعادة تعويم اسم الدكتور عبدالمنعم سعيد، واستقدامه للوعظ الاستراتيجى فى الندوة الأخيرة للقوات المسلحة، وقد كان الرجل مديرا لمركز الأهرام للدراسات زمن المخلوع مبارك، وعلا نجم اسمه مع تصاعد نفوذ وهيمنة «لجنة سياسات» جمال مبارك وأحمد عز، وسجل خدماته معروف، فى كواليس العلاقة الخاصة إياها مع واشنطن وأجهزة مخابراتها ومراكز أبحاثها، وفى جماعات تلقى التمويل الأجنبى، وفى مهام التطبيع السرى والعلنى مع قادة كيان الاغتصاب الإسرائيلى، وفى الحماس المفرط لمشروع شيمون بيريز عن الشرق الأوسط الكبير، وفى الولع بتقدم إسرائيل، وضرورة احتذاء مصر لمثال إسرائيل، وفى الارتباط معها بعلاقات «العروة الوثقى»، وكان طبيعيا أن يكافأ عبدالمنعم سعيد، وأن يولوه رئاسة مجلس إدارة «الأهرام» فى آخر سنوات المخلوع، وكأنه «هيكل» البديل الذى كان يبحث عنه جمال مبارك، ويتوجه عنوانا وفيلسوفا استراتيجيا لفكره الأمريكى الإسرائيلى «الجديد» جدا، ولم يتخلف سعيد «الذكى» عن تلبية النداء، وبدا سعيد جدا بمطولاته «الاستراتيجية» على صفحات «الأهرام»، وكانت بمثابة تحف و«أنتيكات» مثيرة للشفقة، وقد قرأتها كلها لأنى أقرأ كل ما يكتب، وكنت أضحك فى كمى، كلما ذكر اسمى فى مقالاته، فقد كان يضرب بى مثلا على السير وراء ما تصوره خيالات وأوهاما، وكان يقول مثلا، أن من يقرأ مقالات عبدالحليم قنديل، قد يتصور أن الثورة فى مصر ستقوم غدا، وقد قامت الثورة فعلا، واكتسحته وخلعته، كما جرى لغيره من نجوم الصف الأول لجماعة مبارك ونجله الذى كان موعودا بالتوريث، وكان عبدالمنعم سعيد يستبعد الثورة بالمطلق من حساباته الاستراتيجية، فقد أعماه النفاق الاستراتيجى وعوائد نعمه، وطمس لديه كل بصيرة، قد تنير عقله الذكى، ومازلت أتذكر، ويتذكر الكثيرون، معلقاته الاستراتيجية فى الأيام الأخيرة لحكم المخلوع، وربما نتذكر معا مقالين لسعيد الاستراتيجى، كان أحدهما بعنوان «اصطياد سمكة القرش»، وهومثال رفيع فى فن النفاق الاستراتيجى، كان يقصد بسمكة القرش جماعة الإخوان، وقصد بالاصطياد خروجهم من انتخابات ٢٠١٠ بلا مقعد برلمانى واحد، ونسب الفضل كله إلى ذكاء أحمد عز، وإلى صفوف أجهزة الكمبيوتر الحديثة التى جلبها عز لمقر ما كان يعرف بالحزب الوطنى، وإلى الشباب الأنيق الجالس أمام الشاشات، يعدون الإحصاءات ورسوم «الجرافيك» البيانية، وكان المقال العجيب مثالا بليغا على فداحة السقوط العقلى والأخلاقى، فلم تكن انتخابات ٢٠١٠ من نتاج ذكاء موهوم لأحمد عز ولا لكمبيوتراته، بل تولت وزارة الداخلية مهمة التصويت باسم المواطنين، وتقفيل الصناديق وإعلان النتائج، ومنح المقاعد كلها للحزب الوطنى، ومنع فوز أى معارض، لا من الإخوان ولا من غيرهم، وكان التزوير الفاحش نذيرا ظاهرا باقتراب لحظة الثورة، وهو ما ظل عبدالمنعم سعيد ينكره فى حماس استراتيجى واثق، حتى بعد أن قامت الثورة فى تونس بأحوالها القريبة من الحال المصرى، وأضاف إلى عجيبة «اصطياد سمكة القرش» عجيبة أشنع، كانت هذه المرة بعنوان «مصر ليست تونس»، تحدث فيها عن الرضا الشعبى الواسع بحكم مبارك، وعن التجديد السياسى الذى يقوده جمال مبارك وأحمد عز، وعن التحسن الاقتصادى الهائل، وعن الرفاه الذى يعيشه المصريون، بدليل عشرات ملايين «الموبايلات» التى فى أيديهم «!»، ولا حاجة بك الآن لوضع أطنان من علامات التعجب، فقد قامت الثورة فى مصر قبل أن يجف حبر مقاله الإنكارى، وكانت الخيبة الكبرى، التى توارى الرجل بعدها لسنوات، وإلى أن أعادوه أخيرا إلى منصة كبرى، وقدموه كمحلل استراتيجى عظيم فى ندوة حضرها الرئيس السيسى بنفسه، وكأن أحدا لا يتعلم ولا يتعظ، وكأن عملية توريط النظام تمشى كالسكين فى الزبد المنفوش.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق