استعادة قوانا الناعمة.. تبدأ «هذا المساء» بعيدا عن «ظل الرئيس»

الأحد، 16 يوليه 2017 09:00 ص
استعادة قوانا الناعمة.. تبدأ «هذا المساء» بعيدا عن «ظل الرئيس»
عبدالفتاح على يكتب:

الغضب من النقد، عادة شرقية أصيلة، وإرجاعه لنظرية المؤامرة، داء مصرى أصيل، فى حين أن مدح أى عمل فنى، قد يلوث سمعة الناقد، ويبدأ المنافسون برشقه بكل تهم العمالة، والتمويل، والحصول على مقابل من تحت الترابيزة. العدد الماضى كتبت عن خمسة مسلسلات انتزعت وقتا لمشاهدتها، أغلبه بعد انقضاء شهر رمضان، والأسبوع المنقضى، وجدت نفسى مستمتعا بمشاهدة مسلسلين فقط، أردت أن اختتم بهما الكتابة عن دراما رمضان المصرية.
 
 
الأول يبدو أنه حصل بالكاد على درجة نجاح، قد لا تؤهله لمقعد متميز فى قائمة الصدارة، بسبب آفة الانتاج، المتعطش لأقصى درجات الربح، والانصياع «المتسرع للتعليمات»، جعلت عجلة قيادة فريق عمل «ظل الرئيس» تكاد تفلت منه، فوق منحدرات الإبداع الفنى.
 
نجح ياسر جلال فى «حرق» الصورة النمطية الباهتة عنه، وأبدلها بأخرى أفضل كثيرا، لكنه كان تغييرا فى الشكل، لم تساعده الرغبة المستعرة لكاتب، فى خلق إثارة زائفة، غلبت فيها شخصية «البلطجى» على شخصية «ضابط الحراسة».
 
المخرج، قام بجهد متواضع فى رسم وجهة نظره على أداء الممثلين، لكن بذل مجهودا خرافيا فى «لىّ» ذراع القصة، لتصل إلى نهاية «ساذجة» لا تعكس 30 حلقة من «الهرى» حول المافيا الخطيرة، التى اتضح فى النهاية أنها «عبيطة» مكونة من موظفين كبار سابقين، تشابكت قدرتهم «المتواضعة» مع مصادفات «أكثر تواضعا» لتفسر أحداثا متلاحقة، بدت كأنها هدف فى حد ذاته، بغض النظر عن المبرر، والمعطيات.
 
على جانب آخر، استطاع «هذا المساء» أن يمحو غثاء الدراما الرمضانية، بوجبة دسمة من الإبداع، والدقة، والإجادة، الإبهار، والمتعة، حول الساعات التى قضاها المشاهد أمام أبطال العمل «الرائعين» إلى نزهة فى غاية اللطافة، والإحساس الراقى، والاندماج مع كل تفاصيل العمل المنضبط.
 
 تامر محسن مخرج فوق العادة، سيطر تقريبا على كل تفاصيل العمل، ولم يفلت منه سوى بعض عمليات المونتاج، الذى يبدو أنه أجبر على فعلها، لكنها لم تخل بالسياق، ولم تؤذِ متعة المشاهدة.
 
محمد فريد سيناريست بدرجة «أسطى»، انسالت الكلمات فى لوحة المشهد بحميمية منقطعة النظير، امتلك أدواته، وعباراته، فخلف حوارا ممزوجا بالبعد الثالث، ومنح كل طبقة وعالم مفرداته وانفعالاته وتعابيره، كأنه ابن كل عالم منهم، خانه فقط اسم المسلسل.
 
إياد نصار، ذكى للغاية، لأنه يجيد تطوير نفسه بشكل مستمر، لا يحتاج إمكانياته جديدة، ولا حظ أكثر مما هو فيه، هو يحتاج لخطوة عالمية، لا يجب عليه انتظارها، بل محتم عليه اقتناصها.
 
محمد داوود، ممثل السهل الممتنع، مايسترو كل مشهد، بطل كل لقطة، عنيف فى هدوئه، ثائر فى استقراره، يمنحك كل ما تريد، يشعل نيران المتابعة فى عقلك وقلبك، دون أن يهتز له رمش.
 
محمد فراج، ممثل بدرجة «مجرم محترف»، تعشق تعابيره، وتقع فى غرام أدائه، حتى تناقضات شخصية «سونى» الصعبة للغاية، تنقل بينها كلاعب أكروبات «مغمى عينيه»، له منى كل تقدير واعتزاز.
 
حنان مطاوع، عادت بآداء عابر للقارات، عكست روح بنت البلد الراضية، القوية فى الحق، الخاضعة لحكمة خالقها، البارة بأوليائه، حنان منحت المشاهد كل شىء فى دورها، البسمة والضحكة، الذهول والاندهاش، الحزن والبؤس، الغضب والثورة.
 
أما أسماء أبواليزيد، بنت الشرقية، فقد أجادت بما يفوق القدر الذى ساعدها فيه مخرج متمكن، وممثلون أقلهم عملاق، فكانت أكثر من مبهرة، خاصة فى أقوى مشاهدها على الإطلاق، تحرش محمد جمعة «فياض» بها، الذى يستحق هو الآخر تحية «ميرى» على هذا الأداء.
 
زينة منصور، قد يكون للحظ نصيب من إجادتها للدور الذى لعبته «أم عبير» بوجود بصمات تامر محسن فى كل تفاصيل مشاهدها، لكن الحظ وحده لا يفعل شيئا، ولا مخرج عبقرى فقط يكشف جوهر فنان، بل القدرة والإمكانيات الشخصية الموجودة لدى زينة، جعلت بالإمكان تحقيق هذا التفوق.
 
الجميلة ملك عاصم، دخلت قلوب المشاهدين وأثرت فيهم بقوة، ورغم أنها مثلت أمام عادل إمام من قبل، إلا أن ولادتها كممثلة حقيقية كانت على يد تامر محسن، صانع الجواهر.
 
أكون كاذبا لو قلت أن «هذا المساء» أفضل مسلسل فى رمضان من عدة سنوات، فأنا لم أشاهد كل مسلسلات رمضان، لكنى وبضمير مستريح، أرى أن هذا المساء، أروع ما رأيت، وأعاد زرع بذرة الاعتزاز بالفن المصرى بداخلى من جديد.
 
ولو كنت من القائمين على أمر هذه الدولة المغلوبة على أمرها، أن أومن بأن هذا المساء، أول الطريق الطويل لاستعادة قوانا الناعمة، من أسر الدراما التركية، ومن سيطرة أصحاب الإنتاج التافه.
 
أخيرا لتامر محسن: الكسل أحيانا لا يفيد، وأحيانا يقتل الأمل، على الأقل عند الناس، رجاء ابتعد عنه، الكسل فيه سم قاتل.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق