أميرةٌ على الثرى.. عرشُها الحصيرُ وتاجُها السخاء

الخميس، 03 أغسطس 2017 03:15 م
أميرةٌ على الثرى.. عرشُها الحصيرُ وتاجُها السخاء
يحيي ياسين يكتب:

في طرقات حارتنا، تربعت سيدةٌ على حصير بالي وكأنها ملكة في عرشها، والدمع في عينيها مسال وقد رسم على جفونها مسار يمر من خلاله، وتحمل كسرة خبز جاف تمتص في أطرافها بشفاهها الزرقاء التي غاب الدم منها لجوعها، اقتربت منها لأسمعها تتمتم بحديث لم يفقه عقلي، حتى رفعت رأسها لى وقد غلب على الحزن ودمعت عيناي، فرسمت بسمة على وجهها وكأنها علمت أنني حزين لحالها فهمست لي كى ازداد قرباً منها.

مالت بجنبها لتفصح لى مجالاً من عرشها، فجلست جوارها وقلبي منفطر وكلي شوق لسماعها، نظرت لها وقلت: " أخبرينى يا أماه ماذا أهمك فأجلسك هنا؟ ، أليس لك ولد يرعاك؟ ، أو منزل يحويك؟ "، أجابت باسمةً " لا يهمني أمر والله ربي، بل أنا الملكة في فراشي، ونحن لله الرعية وهو راعينا" ، وقع حديثها على صدري وكأنها الواعظ الذي ذكرني بحديث لطالما سمعته لكنه أصابني منها ويكأنه جديد على مسامعي!

وما هو اإا القليل حتى استكملت حديثها، فقالت "لقد تركني ولدي هنا بعد أن زجرني وضربتني زوجته، وأنا العجوز الخرفاء التي ليس لها معين ولا ملجأ سوى طرقات الله، وبينما هى تستعرض مصيبتها تاه عقلي في أمرها! أحقا هناك ولدٌ يفعل بأمه كذلك؟ ، هل تراني أمام سرد سينمائي أم تراني أحلم؟، ثم تابعت حديثها بعد أن اومأت برأسها وسيل من دموعها ينزف نزفاً وأشارت إلى صندوق يفيح العفن منه فقالت "هذا طعامي أجمعه من القمامة والله يزيد في الرزق كيفما يشاء!"

وجدت نفسي مصابٌ بذهول وحزن، أما الأول فلصبرها وجلدها ورضاها بحالها، وأما الآخر فعلى وحشتها في الطرقات وملبسها البالي وجسدها النحيف الضعيف، ثم تابعت تساؤلى، كيف لكى يا أماه أن تنامي على حصير كهذا؟ ألا تخشين العبث من وحوش البر والإنس ومن لا رحمة في قلوبهم؟، أدارت وجهها عني مجيبةً "فالله خيرُ حافظاً".

نعم، لقد رسمها عقلي أميرةُ جالسةُ في عرش من الحصير، تلبس حرير الخشن والصوف، متوجةُ بحجاب الصون والعفاف، ثم قامت أميرة الثرى لتحضر خبزا فكسرته لتتقاسمه معي، فتبسمت لها فحزنت وقالت" اتخشي طعامي وقد أجلستك على فراشي ؟"، قلت بلى والله، بل أتعجب من سخاءك يا سيدتي! فأصرت أن أشاركها طعامها البسيط، فقبلته وما أجملها من كسرة خبزٍ فكأنها من العسل صُنعت!

ألمت حاجتها لتنهي حالة الحزن التي صنعتها لها، ولكنِي ما زال الشوقُ يجرني لها، فسألتها "لماذا لا تطلبين حاجة من عباد الله"؟، فتجهمت وقالت "تالله لا أفعلها وقد قسم الله ارزاقنا!"، ثم انصرفت عنها ولا زال أمرها يشغلني، وأتساءل هل أراد الله بك البلاء ليمحص ما في القلوب، أم ِليُورثك جنته تنعمين فيها كيفما ِشئتى؟، أين دور الرعاية للمسنين؟ هل سُخرت للعبث أم لهن؟، وكم من سيدة ألقى القدر بها في طرقات الشوارع لا تجد مأوى ولا طعام ولا ملبس سوى أقمشة بالية؟ّ!، بل لله الأمر جميعا.

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق