أتاتورك الجزيرة العربية.. لمن الحكم اليوم؟

الأحد، 12 نوفمبر 2017 04:00 م
أتاتورك الجزيرة العربية.. لمن الحكم اليوم؟
عبدالفتاح على يكتب:

الحال ينطبق على السعودية، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فالسرعة التى يسير بها ولى العهد محمد بن سلمان، للوصول إلى مبتغاه، تتجاوز بكثير الحد الأقصى المسموح للقيادة على طريق الانفراد بكل شىء.
 
العربة التى يجرها ولى العهد، مكتظة بقطاعات شعب محافظ، رافض للتغيير، مقاوم للانفتاح، معاند للتطور، قد تصل بالفعل للمحطة النهائية، لكن، هل ستكون هناك عربة صامدة خلف الحصان الجامح.
 
قبل سنوات وفى مطلع الفترة الأولى لحكم الملك عبدالله، كانت خسائر الخطوط الجوية السعودية تقدر بالمليارات، شأنها شأن بقية مؤسسات الدولة التى لا تقوى على التفكير فى تحصيل فواتير العائلة المالكة المقدر عددهم بـ 10 آلاف أمير.
 
الأمراء فى السعودية ثلاث طبقات، أدناها لقب الأمير، ثم يعلوها، لقب سمو الأمير، ثم يعلو الجميع لقب صاحب السمو الملكى الأمير. 
 
كان الأمراء خاصة من الفئة العليا، يحجزون طائرات الشركة بالكامل فى رحلاتهم الداخلية والخارجية، وكانوا يغيرون من وجهات الطائرة، بحسب الرغبة، وهو ما يقابله غرامات كبيرة من مطارات العالم، وكانوا لا يدفعون فواتير المياه والكهرباء والبنزين والتليفونات.
 
بحكمة شديدة، قرر الملك عبدالله أن يقوم الديوان الملكى بتسديد هذه الفواتير نيابة عن الأمراء خصما من مخصصاتهم السنوية من الخزانة العامة، فتحولت الخسائر المليارية إلى أرباح بالملايين، للخطوط السعودية (حتى عام 2003).
 
لم تكن القرارات مقبولة فى أوساط العائلة المالكة، لكن نفوذ وقوة وسطوة الملك، تجعل الأرض تهتز، تحت أقدام من يفكر فى إعلان استيائه، لكن مع مرور الوقت، ومع قرب الأجل، احتاج الملك الراحل أن يمرر فكرة انتقال الحكم إلى ابنه الأكبر الأمير متعب.
 
وبالتدريج تم تعيين الأمير متعب رئيسا للحرس الوطنى، ثم وزير دولة، ثم وزيرا للحرس الوطنى بعد أن أصبحت وزارة، وبات له مقعد فى مجلس الوزراء الذى يرأسه الملك.
 
ولأن الراحل يعلم تمام العلم، أن تأليف قلوب العائلة مكلف للغاية، فقد تراجع فى نهاية عهده، عن فكرة محاسبة الأمراء، وأرخى حبال الشدة والسطوة، حتى يمرر قبول فكرة ولى ولى العهد، بأن وضع فيها الأمير مقرن، والذى يعتبر أقل أبناء الملك المؤسس نفوذا وقوة ومالا أيضا.
 
إلا أن العمر لم يطل، وجاء الأجل أسرع مما كان متوقعا، ومخططا له، بأن يتم افتتاح أكبر توسعة فى التاريخ للحرم المكى، يتخللها إعفاء الأمير سلمان من ولاية العهد لمرضه، والأمير مقرن من ولاية ولاية العهد لترفعه، وتحدث البيعة للأمير متعب وليا للعهد.
 
مات الملك عبدالله، وتولى الملك سلمان الحكم، وأصبح الأمير مقرن وليا للعهد، قبل أن ينال حصته من الخطة، التى بقيت كما هى، وإن اختلف المستفيد، فأعفى مقرن، جاء الأمير محمد بن نايف (رجل المملكة القوى) وليا للعهد، ومحمد بن سلمان ولى ولى العهد، ثم سرعان ما تمت الإطاحة بولى العهد (القوى)، فى واحدة من أقوى مفاجآت الحكم السعودى.
 
وبما أن القوى قد أطيح به، فليس من المفاجئ، الإطاحة بالأقل قوة، وهو الأمير متعب، من على رأس أقوى جهاز عسكرى فى المملكة، وهو الحرس الوطنى.
 
قوة الحرس الوطنى مستمدة من كونه امتدادا لفكرة جيش القبائل الذى كان الملك المؤسس يستقوى به، فى كل فتوحاته، وكان العامل الجوهرى فى تأسيس المملكة.
 
ينعم الحرس الوطنى بميزانية ضخمة، انعكست على أبناء القبائل الذين استفادوا من المكانة الاجتماعية التى منحها إياها انضمامهم لهذه القوة، والتى كان الملك (عبدالله) يرأسها وقت أن كان وليا للعهد وحاكما فعليا للمملكة، ثم انتقلت رئاسته لابنه (متعب).
 
الآن يقبض ولى العهد على زمام كل القوى العسكرية التى من الممكن أن تنقلب عليه، وهى بالترتيب حسب قوتها: الحرس الوطنى 100 ألف مقاتل، وزارة الداخلية 100 ألف شرطى بإضافة حرس الحدود التابع لها، وزارة الدفاع 200 ألف مقاتل.
 
والآن أيضا، يحتاج ولى العهد إلى كثير من التريث، والتأمل، حتى يقيم الأوضاع، ويقدر المواقف المشتعلة، ليست فى الداخل فحسب، بل على حدوده الجنوبية فى اليمن، وحدوده الشرقية فى قطر والبحرين، وحدوده الشمالية مع العراق وسوريا.
 
فكثير من المراقبين، يتملكهم الاندهاش، من الاندفاع الكبير، الذى يتعامل به مع عمليات التغيير العنيف الذى يقوده، وليس لديه مبرر واحد لذلك، فسنه صغيرة، ولا يحمل فوق كتفه ولى ولى للعهد، ما يجعله يستطيع أن يقايض (بأريحية) الولاء داخل العائلة بمنصبين كبيرين وقت أن يصبح ملكا.
ثم تتسع رقعة الاندهاش، بأعداد الأمراء الأثرياء والوزراء النافذين، الذين أطيح بهم بجرة قلم، تحت عنوان مكافحة الفساد، المتغلغل بعمق، والضارب بقوة فى أرض المملكة.
 
فارق كبير بين ثورة ولى العهد الحالى، وإصلاح الملك الراحل عبدالله، لكن الفارق يتضاءل، والتشابه يزداد بين محمد بن سلمان وكمال أتاتورك مؤسس وأول رئيس للجمهورية التركية.
 
السعى نحو وأد سيطرة المؤسسة الدينية والتيار المحافظ والمنافس فى العائلة على مقدرات الدولة السعودية، أشبه بالقطار العلمانى الذى نزع منه أتاتورك فرامله، على منحدر بقايا الإمبراطورية العثمانية.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق