في دولة نووية.. لا صوت يعلو على صوت "العمائم"

الجمعة، 12 يناير 2018 10:55 م
في دولة نووية.. لا صوت يعلو على صوت "العمائم"
سعيد محمد أحمد يكتب:

سقط القناع برفع المتظاهرون في مختلف المدن الإيرانية في وقت متزامن شعارات معادية للولي الفقيه، ولحزب الله الشيعي اللبناني، وللحوثيين في اليمن باستنزاف مواردهم في دعم الإرهاب وتنظيماته المتعددة في عدة دول بالمنطقة بمشاركة وتمويل تنظيم حمدين الدوحة، وهي سابقة لم تحدث في تظاهرات 2009.
 
فنظام الولي الفقيه، كشف بأنه نظام استثنائي خلق جميع الوسائل الممكنة التي تجعل قابلية المنطقة للتعايش معه تكاد تكون مستحيلة، لتورطه في أزمات كبيرة في المنطقة، فالنظام نشأ كي يجعل الاضطرابات سياسته الوحيدة عبر أطماعة فى المنطقة ومصدر قلق للجميع، وهو ما بدأ في انخراطه المباشر في الحرب السورية الدائرة منذ سبع سنوات، وكذا في اليمن عبر دعمه للحوثيين، وفي لبنان عبر ميلشيات حزب الله، والتي أعلنت أن طعامها وملبسها ومسكنها ومشربها وسلاحها وصواريخها ومعاشها ورواتبها من إيران، والمؤكد أن نظام الملالي على استعداد لرهن الإيرانيين لأجل غير مسمى لتنفيذ مشروعها "الفارسي"، وذلك عبر مصادرة حقوق الشعب الإيراني في الاستقرار.
 
فخلال زيارة قمت بها إلى العاصمة طهران عام 2004 كان الحديث لازال يجرى عن قوة وقدرة إيران النووية، وامتلاكها لمفاعل نووي مع تقدمها السريع فى تصنيع الصواريخ الطويلة والمتوسطة المدى، في محاولة منها لوضع المجتمع الدولى أمام الأمر الواقع عبر مفاوضات ومحادثات كان أبرزها آنذاك "اتفاق باريس".
 
الصورة الذهنية المرافقه ليٌ خلال الرحلة من القاهرة إلى طهران، أنني متوجها إلى دولة نووية، وبما يعنى الكلمة، دولة منتعشة اقتصاديا، ومتقدمة في مختلف مناحي الحياة من طرق وخدمات ووسائل نقل حديثة، وبنايات عملاقة، وفنادق فاخرة لا مثيل لها، ومباني سكنية متعددة الطوابق، وكانت الصدمة في مطار طهران بوصفه المراية والعنوان الرئيس لأي دولة، فإذا به مطار متواضع ويعد في مصاف المطارات القديمة، ولفت انتباهي على الفور راكب إيراني كان بجواري طيلة الرحلة ليخبرني أنه يجرى إقامة مطار دولي على أعلى مستوى يبعد عن العاصمة بـ80 كم.
 
لم أشاهد خلال زيارتي الممتدة لأكثر من أسبوع ما يفتنني، بل ولا يؤشر حتى أنك فى دولة يتمتع سكانها بقوتها وبقدرتها النووية، بل في دولة فقيرة، خدماتها مترهلة، والغلاء هو القاسم المشترك بين الجميع فى مختلف مناحى الحياة من خدمات عامة كالموصلات وحجم الزحام الشديد واختلاط الرجال بالنساء في وسائل النقل العامة ليبدو فيها الحجاب مجرد ظاهرة اجتماعية واقتصادية لا تعبر في مدلولها الحقيقي أنك في دولة إسلامية.
 
إيران الدولة الغنية بوفرة انتاجها البترولى لم تسخر مواردها لشعبها، بل سخرتها لأيديولوجيتها الفارسية، بوصفها المشروع الإيراني الأوحد التي سعت للعمل عليه على مدى أربعة عقود متجاهلة كل برامج التنمية البشرية والاقتصادية منها والاجتماعية، متخذة من الحصار المفروض عليها من قبل المجتمع الدولي ذريعة لإرهاب شعبها، والتدخل في الشئون الداخلية لدول الجوار، وأنه لا صوت يعلو على صوت العمائم، وولاية الفقيه والملالي، ليخضع الشعب تحت سيطرة وحكم الملالي ليخرج وبشكل مفاجئ في تظاهرات عارمة أبرزها وأهمها إسقاط تلك الرموز الوهمية، والإعلان عن رفضهم لحكم "ولاية الفقيه وللعمائم"، قالها ليٌ أحد "سائقي التاكسي" في طهران أن "إيران" ستصبح بلدا جميلا عندما تطير تلك العمائم. 
 
فالثورة الإيرانية لم تكن ثورة بالمعنى النقي والمفهوم للكلمة، وأنها ثورة شعب، وإنما كانت انقلابا سياسيا ودوليا على "حكم الشاه" بمساعدة وبمعونة الأمريكان ودول الغرب، وبالرغم من ذلك جاءت دعوة الخمينى بتصدير الثورة بهدف ابتلاع دول مجاورة، وسعيه في فرض سيطرته وتوسيع أطماعة في العمق الإقليمي، وما دخول إيران الحرب ضد العراق إلا بداية لأطماعها لتستمر الحرب ثماني سنوات دفع فيها الشعب الإيراني الكثير من الأرواح والأموال مقابل أحلام الهيمنة والتمكين للمشروع القومي الفارسي، والذي فشل وتحطم معه أصنام وعمائم إيران على أسوار بغداد.
 
لم تكن المظاهرات التي اندلعت فى مدينة مشهد الإيرانية أكبر المدن الإيرانية على مدى قرابة عشرة أيام، وليطالب فيها الشعب لأول مرة بإسقاط حكم الملالي والعمائم من خلال حرق صورهم وتدمير مقراتهم ومراقدهم، ولتخرج التظاهرات رافضة حكم الولي الفقيه، والمطالبة بإسقاط رأس النظام "علي خامئني"، والتي استولت على مقدراتهم وشعورهم بالمرارة بسبب شدة الفقر وانتشار الفساد، والتي تشير معظم التقارير الدولية أن نسبة الفقر في إيران بلغت 40%، وهو ما أكدته مجلة "تايم الأمريكية" أن الاحتجاجات التي سقط فيها قرابة 50 قتيلا واعتقال المئات جاءت بسبب غضب الإيرانيين من ارتفاع معدلات البطالة والفساد المنتشرة فى البلاد ودعوتهم الإطاحة بالحكومة.
 
وحاول نظام الملالي طوال حكمه تحويل شعار "الشيطان الأكبر" إلى علامة النصر واستمرارية الثورة، إلا أن الإيرانيين رأوا بأعينهم كيف تحول "الشيطان الأكبر" إلى ملاك وحليف لهم على خلفية الاتفاق النووي والذي انصاعت فيه طهران لإدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما.
 
ويبقى السؤال هل سقوط الملالي سينقذ حقيقة الشعب الإيراني، وهل ستتهاوى دول وتنظيمات وحركات مقاومة متأسلمة حول العالم، وهل سيساهم ذلك في فك الارتباط عن طهران بعدد من دول المنطقة المتضررة ومنها العراق وسوريا ولبنان واليمن، وفلسطين؟.
 
يبدو أن الأمر الراهن وفقا للتطورات السريعة التى تجرى فى المنطقة ليس بالأمر اليسير لتشابك المصالح والمنافع بين معظم أطراف الصراع فى المنطقة، وأعتقد أنه لازال هناك متسعا من الوقت، وربما يكون طويلا لنرى إلى أين ومتى ستذهب إيران.
 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق