خيري شلبي.. حكواتي الغلابة

السبت، 03 فبراير 2018 12:41 م
خيري شلبي.. حكواتي الغلابة
عنتر عبداللطيف

 

 فى عتمة الليل ، ينير بوجهه القمرى الطرقات ، يتلمس خطاه وسط شواهد القبور ، السلام على الراقدين تحت الثرى ، يتناهى إلى مسامعه همهماتهم ، لا يستوحشهم، هم الونس ، يتذكر الوتد ، فاطمة تعلبة ، مازالت تقف على اعتاب منزلها ، هناك فى القرية وسط الزراعات الخضراء الطيبة ،ـ ربما تنتظر " درويش" ، صديقها قبل أن يكون ابنها البكر، قلقة هى على " طاهر" ،ماذا سيكون مصيره بعد رحيلها ، يجلس على كرسى مستندا بمرفقه على حافة قبر، يئن مداد القلم بالحكى عن أوجاع الفلاحين.

أراه يحدثهم ، يحاورهم ، شخصياته تسعى بيننا ، أبطال تشيكوف كان يطاردهم فى الأزقة والطرقات ، لكن شخصيات رواياته هو يعيشون معه ، يستدعيهم أنى شاء، ربما تبادل معهم أطراف الحديث ، أو عاتبهم على موقف ما بدر منهم ،يتحلقون حوله ، ينصتون فى محرابه وهو يكتب ويثيرون ضجيجا مثل الأطفال احتفالا بمسك ختام إحدى رواياته.

 

"أنا ابن الخيال الشعبي والسير والملاحم والفلكلور، مولع بالتفاصيل الدقيقة و أحشدها في أبنية ذات شعب موصولة بالمسكوت عنه من الواقع الإنساني المؤلم والساحر في آن ".

ربما أدرك البعض الآن، إننى اتحدث عن عمنا خيرى شلبى، من إشارات ما بين السطور ، هذا الرجل الذى تمنيت أن التقيه ، فهو الأديب الذى يكتب عن البنى آدم فى كل زمان ومكان ،"أنا ابن الفلكلور المصري الذي رسخ في وعي طفولتي المبكرة أن لي أختا تحت الأرض يجب أن أحنو عليها وأن أترك لها لقمة تقع من يدي".

 هكذا يتحدث " شلبى " قائلا عن شخصيات رواياته " إن كل ما كتبته من قصص وروايات أنا في الواقع أغوص فيها على صعيد الوقائع الحياتية التي أكاد أزعم بالفعل أن كل ما كتبته من رواية أو حتى أقصوصة من نصف صفحة كان تجربة فنية نابعة من تجربة حياتية."

لم يحك " شلبى " إلا عن ناس من لحم ودم ، اختبرهم ، حاورهم ، التقاهم ، تعقبهم ، لم يتركهم ، استقطبهم ، آسر أن يغوص فى تفاصيلهم ، هم الذين ساروا فى جنازته ، زرفوا الدموع على رحيله ، رثوه فى المقاهى والحارات ،شيعوه حتى مرقده الأخير بالورود فقد كان  خير رسول لهم .

"أشعر أنني أتهيأ لدخول البرج، أشعر أنني أتهيأ لكتابة مختلفة تمام الاختلاف عما كتبته سابقاً، أشعر بأن ما كتبته قبلاً لم يكن إلا نوعاً من التدريبات المهنية، أُخطط لكتابة مختصرة، بسيطة، وأكثر غني من السابق، كتابة من علو، علو كاشف لما هو دقيق ومخفي علي الأرض".

 المبدع دائما لا يرضى عما يكتب، لو سار وراء رغبته لأحرق كل ما كتب على أمل أن يصل إلى منتهاه ، يظل القلق يساوره ، ليس فى الإمكان أبدع مما كان ، يلتقط خيوط الفكرة ، ينفخ فيها من روحه ،تدب فيها حياة ولكنها حياة ليست كمثل الحياة ،فمولانا خيرى شلبى لترقد روحك الطاهرة فى سلام ، ولك منا ألف سلام .

 

لم يتوقف ابداعه عند حد كتابة الروايات ، عمنا خيرى شلبى هو رائد فن كتابة " البورتريه، يرسم بريشة فنان حقيقى ما لا تبوح به الوجوه ،يغوص فى الملامح ، فى القسمات ، يكشف ما خلف الضحكات، البورترية أصبح أحد أدوات الكثير من الصحفيين الآن ، والفضل الحقيقى لصاحب "وكالة عطية ".

 

 

 

 

  

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق