من طه حسين لنجيب محفوظ.. محاكم عرفية لآدباء اُتهموا بالتجديف على الله

الأحد، 18 فبراير 2018 12:00 ص
من طه حسين لنجيب محفوظ.. محاكم عرفية لآدباء اُتهموا بالتجديف على الله
طه حسين ونجيب محفوظ
رامى سعيد

على مدار التاريخ الإنساني تعرض المفكرون والعلماء لمحاكم تفتيش ومحاولات جمه لشق الصدور والكشف عن كل ما هو غريب وغير متعارف عليه، خاصة لو كان ذلك الطرح يأتي كمحاولة لتقديم فهم مغايير لما هو سائد ومألوف، وكانت للكنيسة فيما مضي سلطان الحبس والقتل والنفي من البلاد إلى أن باعدت العلمانية في أوروبا بين سلطانها وبين الحكم فى شئون الدولة ومن ثمه فقدت القدرة على المحاسبة والمكافأة، إلا أن ذلك المفهوم ظل معموله به فى عدد من الدول العربية التى يغلب عليها الطابع الديني. 
 
وفي مصر تعرض عدد من مثقفيها إلى ملاحقات وحملات شعواء نالت من شعبية البعض كالحملة التى تعرضت لها دراسة عميد الأدب طه حسين "فى الشعر الجاهلي"، و"الله والإنسان" لمصطفى محمود، كما لم يسلم عميد المسرح توفيق الحكيم فى مناجاته الرقيقة مع الله فى كتابه الأحاديث الاربعة، ونجيب محفوظ فى أولاد حارتنا. 

"في الشعر الجاهلي"  
فى عام 1926 أصدر عميد الأدب العربي طه حسين النسخة الأولى من دراسته النقدية التى حملت نفس العنوان، إلي القارئ العربي لتثار حولها حركة واسعة دفعت طه حسين لحذف  سطورًا منها وإعاده نشرها فى السنة التالية 27 وكان موضوع الخلاف  الزوبعة آنذاك بسبب تشكيك طه حسين فى تراث الشعر العربي المنقول إلينا على أنه جاهلي قائلا " أن ما نسميه شعرًا جاهليًا ليست من الجاهلية فى شىء وإنما هي منتحلة مختلفة بعد ظهور الاسلام، فهى إسلامية تمثل حياة المسلمين وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين وما بقى من الشعر الجاهلي الصحيح قليل جدًا لايمثل شىء ولا يدل على شىء ولا ينبغى الاعتماد عليه فى استخراج الصورة الأدبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلى. 
 
وذهب طه حسين فى دراتسته إلى أن "الشعر الجاهلي صنع بكثرة ووضع بعد الإسلام وبخاصة فى القرن الهجري الثاني، قرن الجمع والتدوين، وبرهن على ذلك بأن الشعر الذى وصل إلينا لا يظهر فيه اختلاف لغة العرب التى كان منها الجنوب "الحميرية"  المختلفة عن لغة الشمال الفصحي فى ألفاظها وقواعد صرفها ونحوها.
 
وفهم البعض على نحو خاطئ من دراسة عميد الأدب التى لم تكن هي الأولى من نوعها فى واقع الأمر فقد سبق عميد الأدب عدد من المدقيقيين  والمؤرخين فى هذا الأمر إلا أن دراسته كانت أكثر عمقًا وشمولا وبالتالي رأى البعض أن حسين يشكك في أمانه تدوين المسلمين ونقلهم، وبالتالي أُتهم طه حسين في إيمانه، وسحب الكتاب من الأسواق لتعديل بعض أجزائه، وقامت وزارة إسماعيل صدقى باشا عام 1932 بفصله من الجامعة كرئيس لكلية الآداب. 

"الله والإنسان"
أصدر الكاتب مصطفى محمود عام 1955 كتاب "الله والإنسان" ضم عدد من المقالات الجدلية والتساؤلات الفلسفية التى أثارت زخما واسعًا حولها إلى أن تم منع تداول الكتاب فى المكتبات، أتُهم مصطفى محمود آنذاك بالإلحاد بسببه وهو ما نفاه الكاتب لاحقا، فى كتابه رحلتى من الشك إلى اليقين وخلال تلك الفترة قام محمود بدراسة الديانات المختلفة مروراً بالأديان السماوية الثلاثة، وقال بأنه لم ينكر وجود الذات الإلهية يوما، إلا أنه لم يستطع تصور حقيقتها إلا بعد رحلة مضنية من البحث استغرقت ثلاثين عاماً من إعمال الفكر، وإعادة النظر، ومن ثم إعادة النظر في إعادة النظر، وقال منتقداً لنفسه، بأنه لو سمع لصوت الفطرة أدرك  حقيقة الإيمان في وقت أقصر ووفر على نفسه عناء البحث الطويل، ويمثل هذا الكتاب البداية الفكرية للكاتب، حيث أنه ومع تطور حياته الفكرية قد تراجع عن العديد مع ما طرحه في الكتاب مُعتبراً أن المفكر الحر، هو من يتراجع عما يراه خطأً أو ناقصاً وبأنه يجب أن يكون غير متجمد ويملك الجرأة على الإعتراف.
 

"أولاد حارتنا" 
صدرت أولاد حارتنا على شكل سلسلة حلقات فى جريدة الأهرام فى بداية السيتنات، وهى بحسب شهادات حرافيش نجيب هى النسخة الوحيدة الحقيقة غير المنقحة للرواية والأكثر جمالا وجرأة، وحين نشرت فى أول الأمر فى الأهرام أثارت زخمًا واسعًا بين القراء فاتخذ رئيس التحرير محمد حسنين هيكل قرار بتشريع النشر إلى أن نشرت بالكامل لتصادر بعد ذلك فى مصر. 
 
وكُفر نجيب محفوظ بسبب هذه الرواية، واتهم بالإلحاد والزندقة، وأُخرج عن الملة، وقُرءت الرواية كما فسر النقاد والشيوخ رموزها وفق قواميسهم ومفرداتهم، حتى أن الشيخ عمر عبد الرحمن قال: - بعد نشر سلمان رشدي "رواية آيات شيطانية" - "أما من ناحية الحكم الإسلامي فسلمان رشدي الكاتب الهندي صاحب آيات شيطانية ومثله نجيب محفوظ مؤلف أولاد حارتنا مرتدان وكل مرتد وكل من يتكلم عن الإسلام بسوء فلابد أن يقتل ولو كنا قتلنا نجيب محفوظ ما كان قد ظهر سلمان رشدي" ويعتقد البعض أن لهذا التصريح علاقة مباشرة مع محاولة اغتيال محفوظ إذ حاول شاب اغتياله بسكين في أكتوبر عام 1994. 
 

"الأحاديث الأربعة" 
بعد وفاة ابن عميد المسرح توفيق الحكيم ألف كتاب الأحاديث الاربعة مناجيًا الله سبحانه بعد فجيعته في إبنه الوحيد إلا أن الدنيا قامت قيامتها، وأُتهم الحكيم بالخرف والكبر والإلحاد حتى أنه مُنع من الكتابة والنشر وشُنت عليه حملات مروعة، وشكي الحكيم للكاتب الصحفى محمد حسنين هيكل فى رسالة نشرها الأخير فى كتابه قال فيها الحكيم "اليوم تقوم ضدي القيامة  لكتابة أخرى قيل أنها ضد الله تعالى فأنا الآن في وحدتي التي تعرفها لا زوجة ولا ولد، أعيش مع الله وأناجيه فقالوا أن هذه المناجاة ضلال وإخلال وطردوني من جنة الله، وانهالت على خطابات الغوغاء وحتى بعض العقلاء تترحم على عقلي الذي ذهب، والتخريف الذي جاء مع الشيخوخة. 
 
 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق