رجل أحدب منكمش

الأربعاء، 16 مايو 2018 04:09 م
رجل أحدب منكمش
محمود الغول

يمكنك أن ترى السماء رمادية، وهي تنشق لتولدَ أولُ بقعة ضوء ترسلها الشمس إلى الأرض، قبل أن يرتفع صرير الباب الخشبي في خجل، ليخرج من الكوخ المطل على النهر القديم رجل أحدب، أشيب الرأس واللحية.
 
لا أحد يعرف أيهما أقدم من الآخر، الرجل أم الكوخ الذي يؤويه، وأغلب الظن أنهما وُلدا معًا، أو قل إنهما اُقتُطعا من الشجرة ذاتها بالمنجل نفسه وفي الوقت عينه..
 
بسرعة سلحفاة كسولة، يتحرك الرجل نحو النهر، لا ترتفع قدمه عن الأرض كثيرًا، ومع ذلك تأخذ وقتًا معتبرًا حتى تحط عيلها ثانية، وهكذا يتكرر الأمر إلى أن يصل الرجل الأحدب إلى الضفة الشرقية، ثم يلقي بنفسه إلى قارب صغير يقطع به عرض المجرى المائي الضيق، فينزل على الضفة الغربية، ويتخلى عن كسله فيخطو بانتظام وسرعة وهو يعد على أصابع يديه وكأنه يقيس مسافة معينة، ثم يتوقف ويستدير لينظرَ إلى النهر.
 
هنا، ينحني الرجل الأحدب ويبدأ في طي الأرض من تحت أقدامه ويلفها كأنها سجادة تطويها سيدة لتنظفها قبل حلول العيد، فيطوي السهل ثم النهر بضفتيه، فالكوخ وما وراءه من جبال وشوارع ومنازل ومحال ومقاهٍـ وشوارع وأرصفة وأعمدة إنارة وصناديق قمامة وقطط جائعة وزهور ذابلة وباقي أثاث متهالك وكتب لم يقرأ منها حرفًا.
 
يطوي الرجل كل وطنه ويضعه تحت إبطه، ثم يمضي في طريقه، وحين يصل إلى دكان الخياط، يضع الوطن الملفوف على الطاولة.
- هذا وطني.. أريدك أن تصنع لي منه حضنًا.
 
يخلع الخياط النظارات من على عينيه ويدقق النظر في الوطن المطوي أمامه، ثم يقترب منه ويبدأ في قياسه بشريط أصفر مقسم إلى وحدات منتظمة، ثم يذهب نحو الرجل الأحدب، ويبدأ في قياس طوله من الرأس حتى القدم، ثم العرض عند محيط خصره وصدره وأردافه.
 
ينتهي الخياط من القياس، وهو يمط شفتيه وهو يحادث الرجل.
 
- للأسف يا سيدي، ثوب الوطن لا يكفي لأن أحيك له منه حضنًا.
 
- ماذا؟! ألا يكفي وطنٌ كبيرٌ كهذًا لأن تصنع لي منه حضنًا! تصرَّف أيها الرجل.. أنا في حاجة لحضن يسعني.
 
 
يعود الخياط إلى الطاولة، ويمسك ثوب الوطن بين يديه ويجذب أطرافه فيجد النسيج وقد تفسخ، ليعيد مط شفتيه مرة أخرى.
 
- حتى نسيجه بات مهترئًا.. فكرت في أن أصنع لك منه حضنًا صغيرًا لكنه مع أول مرة تحاول أن ترتديه فيها سيتفسخ، ويبرز منه كرشك، والحدب الذي على ظهرك وأردافك.. الخلاصة هو لن يسترك.
 
- وما العمل؟
الخياط يفكر في «العمل».. كيف له أن يفيد ذلك الرجل.. آه ليس سوى حل واحد..
- حل واحد يا صديقي إن أردت أن يحتويك الوطن ويصبح لك حضنًا..
- أخبرني إذًا..
- عليك أن تنكمش.. نعم، لا بد أن ينكمش حجمك حتى يسعك الوطن.
الرجل الأحدب يتكور على نفسه، فيضم ركبتيه إلى صدره ويدفن بينهما رأسه ويحيطهما بذراعيه، بينما الخياط يحيك ثوب الوطن ليفصِّل منه حضنًا.
ها نحن نرى الرجل الأحدب وقد صار كرة صغيرة، وها هو الخياط وقد انتهى من تفصيل الحضن، قبل أن يندفع الرجل المتكور إلى داخله فيستقر في القاع.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

الأكثر تعليقا