قصة منتصف الليل.. الأم والميراث

السبت، 19 مايو 2018 12:00 ص
قصة منتصف الليل.. الأم والميراث
أحمد سامي

ويل للقاسية قلوبهم على من جاءوا بهم للحياة، جعل الله الجنة تحت أقدام الأمهات، ولكن كثيرا من الأبناء أصابهم الجحود والنكران وصرفتهم أمور الحياة الدنيا عن رعايتهم في الكبر، كما ربوهم في الصغر، فيتروكوهم في الوحدة والحرمان، ولا يتذكروا سوى ميراثهم بعد وفاتهم، فما أقصى أن يتحول الأبناء إلى وحوش تركض خلف حاجاتهم المادية متناسين العطف والفضل بينهم.
 
الحاجة "أحلام" تخلى عنها أبنائها الثلاثة وتركوها تعاني من الألم والوحدة والنسيان وانصرفوا عنها منكبين على حياتهم، بعد أن وهبت حياتها لهم لتربيتهم وتعليمهم رافضة الزواج من آخر رغم كافة الضغوط التي واجهتها حتى لا يقسو عليهم، ولكن بعد تلك الرحلة الطويلة وعملها فى أكثر من وظيفة لتوفير مستوى لائق لهم باعوها من أجل حياتهم وانتظروا وفاتها للحصول على الميراث.
 
قبل 50 عاما تزوجت "أحلام" وهي ابنة العشرين عاما من نجل خالتها وكان يعمل ضابطا، كان نعم الزوج شملها بالحب والحنان ولكنه لم يكمل المسيرة معها وتركها بعد أن أنجبت ثلاثة أطفال ولدين وفتاة في حادث سيارة ليسقط غارقا في دمائه ويترك خلفه أرملة في منتصف الثلاثين وثلاثة أطفال أصغرهم لم يتم عامه الثالث بعد.
 
أصرت أحلام على أن تتولى شئون أطفالها الثلاثة دون تدخل من أحد، فقد حاولت أسرتها تزويجها حتى لا تقضي ما تبقى من عمرها بمفردها ويكن الزوج بمثابة السند والعون في تربية الصغار ولكنها رفضت تماما أن يكن لأبنائها زوج أم غير أبيهم وأن تعمل من أجل الإنفاق عليهم.
 
تقول "أحلام"، لم أترك مهنة إلا وعملت بها حتى تمكنت من تكوين مبلغ مالي ساعدني على فتح مشغل صغير للحياكة والتفصيل استطعت من خلاله الإنفاق على أطفالي وتربيتهم بشكل محترم، فتخرج الولدين في كلية الهندسة والصغرى في كلية الحقوق ورغم حسن تعليم وتربية أطفالي حتى وصولهم لبر الأمان لكنني لم أغلق المشغل واعتبرته مشروعي ولا بد أن يظل قائما من أجل تجهيز الفتاة وتزويجها.
 
التحق أبنائي الثلاثة بالعمل في جهات مرموقة وبدأت استراحة المحارب فما بقي غير القليل، بعد خمسة أعوام تزوجت الابنة من صديقها في العمل كما تزوج الأخر من ابنة مديره بالعمل أما الثالث فقد خطب شقيقة صديقه وساعدته الأم في شراء شقة الزوجية لتساعدها على سرعة الزواج ويبدأ حياته كأشقاءه.
 
بعد زواج الأبناء أنصب اهتمامها بالمشغل وأصبح هو ملاذها الوحيد أمام انشغال أبناءها كلا في حياته، وفي أحد الأيام سقطت بين فتيات المصنع مغشيا عليها فاقدة الوعي، ليقوموا بنقلها للمستشفى للاطمئنان عليها لتعرف إصابتها بأزمة قلبية مفاجئة، ولكن سرعة نقلها ساعدت في إنقاذها لتقبع بالمستشفى خمسة أيام، لم يحضر أبناءها لزيارتها سوى مرتين لمدة 10 دقائق منصرفين بدعوة الانشغال في العمل والبيت والأطفال.
 
خرجت الأم من المستشفى دون مساندة من أبنائها لتشعر أنها أضاعت عمرها على السراب، وإزاء الحالة المرضية فقد أغلقت المشغل وأصبحت ملازمة الفراش لكنها لم تجد جليس أو من يساعدها في الكبر فرغم محاولاتها الاتصال بهم لتجمعيهم وزيارتها ولكنها فشلت في ذلك فقد قلت زيارتهم لها وتمر الشهور وهي تجلس بمفردها، بعد إصابتها بالعجز وصعوبة حركتها بمفردها.
 
في أحد الأيام فوجئت الأم بزيارة الأبن الأكبر، فرحبت بقدومه وسعدت بزيارته فأخيرا تذكرها أحد أبناءها ولكنها لم تكن تجري أن هناك سرا وراء الزيارة، فقد طلب منها أن تمنحه أموال فقد وقع في ورطه مالية ويحتاج الكثير من الأموال، لكن الأم أحسست برغبته في الاستيلاء على أموالها مبكرا دون أشقاءه، فقررت أن تفسد خطة كبيرها وأخبرته أنها لا تملك شيئا تمنحه إياه، ليقرر الابن بأن هذا حقه في مال والده وأنه يريد الميراث ويثور على والدته مهددها بالحجر عليها وأخذ كل ما تملك، لم تصدق الأم ما سمعته من نجلها الأكبر فبدلا من أن يكن سندها في كبرها وعجزها يهددها بالحجر عليها.
 
لم تنتظر الأم طويلا وقررت إفساد خطة ابنها وتفنيد مساعيه وقررت التنازل عن مقر المشغل للشئون الاجتماعية لفتحه كدار للأيتام وتعليم الفتيات الأشغال اليدوية وباعت شقتها وتبرعت بجزء من الأموال للمستشفيات وما تبقى قررت أن تعيش به في بيت للمسنين لتجد من يشعر بها ويهتم بها ولا تموت بمفردها بشقتها ويحصل الأبناء على الأموال لتهدم المعبد فوق رؤوسهم.

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

الأكثر تعليقا